د. عبدالله البياري بدت تصريحات رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ‘أبو مازن’ الأخيرة على إحدى القنوات الإسرائيلية مفاجئة، إلا أنها قسمت الكثير من الفلسطينيين الفتحاويي الهوى إلى أحد إثنين إما مدافع أعمى، يستحضر الذرائع للصد، فمنهم من قال: ‘التصريح بالإنجليزية، لذا فقد قصد أبو مازن غير ما تُرجم’، وكأن المتلقي العربي جاهل بالمطلق، أو أن أبو مازن ‘شكسبير عصره’، وصدح آخر أن ‘تلك مناورة سياسية إختار وقتها ـ أبو مازن- ببراعة في ظل الإنتخابات الإسرائيلية المقبلة’ وقال ثالث: ‘للسياسة ألاعيبها التي لا يجب أن نتدخل فيها، فالحرب خدعة’ لكنه نسي من المخدوع هنا.إلا أن الجدير بالذكر أن تلك التصريحات ليست خروجاً عن الخط المفاوض، وعرضاً سياسياً جدياً، وإن بدت لغته واضحة بشكل يعفينا من التجميل والتستر من ناحية، ويستحضر حسماً فلسيطينياً في الإدراك السياسي للنخب السياسية التي تقامر بهذا الشعب ومعاناته …أو هكذا يجب أن يكون الأمر، وليس فقط رفضاً شكلياً.التصريح يعد إمتداداً واضحاً وصريحاً للسياسات ‘المخادعة’ التي بدأت مع تغيير ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية، وإحلال ‘دولة إسرائيل’ فيه وإلغاء ‘المقاومة المسلحة’، ولكن الأمر لا يتوقف عند ذلك فقط، ففي التصريح نقاط كثيرة وناعمة تتسلل للإدراك السياسي يجب أن نتوقف أمامها، منها:1. وصف أبو مازن المقاومة والإنتفاضة بأنهما محض ‘إرهاب’ وفي ذلك مصادقة على التعريف الكولنيالي ـ الحديث- لهما، والذي يتفق فيه الإسرائيليون والأمريكان معا، بحكم جذورهما وتقاطعاتهما الكولونيالية (حد التطابق) في التاريخ الحديث. مع أن الأعراف والقوانين الدولية تعطي للمحتل الحق في مقاومة الإحتلال. ليس في ذلك شيء جديد، وبالذات إن علمنا تاريخ أبو مازن السياسي، فعبارة ‘لا لكرزاي ثان في فلسطين’ تؤكد التكثيف المستحضر للتجربة الأفغانية الإمبريالية الحية في ‘المخيلة والإدراك الفلسطيني’ وقتها، إذ يؤكد أصحابها إذ كتبوها في أرجاء المكان الفلسطيني في مدن الضفة الغربية رفضهم تولي عباس منصب رئاسة الوزراء في عهد ياسر عرفات، وكلنا نعلم من كان يدفع به. 2. إصرار المذكور على إدراج عبارتين هامتين: الأولى ‘إلى الأبد’ والثانية ‘طالما بقيت في هذا المنصب’، وهي إدراجات تحيل المستمع إلى عنصرين هامين إثنين بالتوازي: العنصر الأول ‘المنافسة السياسية’ التي قد تخرج المذكور من ذلك ‘المكتب’ أو من تلك ‘الإدارة’ بحسب ترجمة كلمة oice – الواردة من الولايات المتحدة الأمريكية والعنصر الثاني ‘تغير الوعي الفلسطيني الذاتي إن ماتت حقبة أبو مازن’.وفيما يتعلق ببقاء أبومازن وزمرته في السلطة، نرى تودداً فلسطينياً لأمريكا وإسرائيل معاً والعالم الغربي عموماً، مفاده أن بقاء تلك الزمرة هو ما يضمن لإسرائيل بقاء أي فلسطيني وعربي في علاقته بالأراضي المحتلة بين إثنين: ‘زائراً’ لتلك البلاد ومطبعاً مع إسرائيل، وثانياً لن يطالب بها، أي سيسقط حقه فيها، وبالتالي فهو بالقطع ‘غير مقاوم’، فكيف يقاوم من يطبع؟!، حتى وإن كانت تلك البلاد مسقط رأسه: سيزورها نعم ولكن لن يعيش فيها، فهي ليست فلسطين، فلسطين التي يعرفها هي الضفة الغربية والقطاع الغزي.وهو نوع من التودد المبتذل، ألا يكفي أبو مازن الإعلان الإسرائيلي بأن عدد المطلوبين في الضفة الغربية ‘صفر’؟ فـمسقط رأسه الذي سيذهب إليه بإذن إسرائيلي مطبعاً وغير مقاوم ‘صفد’ وردت على لسانه في اللقاء بالعبرية قبل أن يتذكر منطوقها العربي ‘ليست مهدده بجحافل قوات الأمن الوطني التي يقودها السيد عباس’…’إسرائيل تقاتل على جل الجبهات من أجل الاحتفاظ بالقدس والمستوطنات والغور، وإذا كان هناك من تطمين على الرئيس تقديمه هنا فهو هنا، عليه التنازل عن الضفة كي يعم السلام بالمفهوم الإسرائيلي’ (من مقال للكاتب إلياس خوري). موقف عباس ينم عن ضعفه، وإن تقصد عرض خيار اللاخيار منمقاً، قبل الذهاب للأمم المتحدة للمطالبة بالدولتين معاً الإسرائيلية والفلسطينية مقنناً تنازله عن حق العودة لـ’صفد’، كما غيرها من المدن الفلسطينية المحتلة من البحر إلى النهر. موقفٌ سياسي يزداد ضعفاً في ظل منافسة غزية بأموال خليجية إحترفت ـ الأخيرة- الإنبطاح لأمريكا وإسرائيل من جهة، ومنافسة أخرى في طرح حل الكونفدرالية الفلسطينية الأردنية.كل تلك البدائل السياسية التي إن بدت في ظاهرها تنافسية، تتفق في طرحها على شيء واحد فقط: إنتزاع فلسطين من الخريطة من البحر إلى النهر، وخلق وكيل جديد للإحتلال الصهيوني فيما تبقى من إدارات محلية برواتب وتصاريح إسرائيلية وبوجوه مختلفة، أردنية حيناً وخليجية حينا آخر، وأوسلووية حيناً ثالثاً.إن التوازي بين سلطة رام الله وسلطة غزة يمثل حائط صد لكل نقد أو هبة غضب شعبية فلسطينية ضد سياسات السلطة، بأن يتم تحويره إلى هبة حمساوية، وهذا وإن بدا توازياً بعيدا إلا أنه يؤكد مقولة ‘عندما صارت ‘الثورة’ الفلسطينية سلطة أي سلطة سقطت فلسطين شهيدة’، فالتوازي لا يعني إختلافاً جذرياً في التعامل مع القضية الفلسطينية، ولعل في بقاء عبارة ‘إنهاء الإنقسام’ ما يفسر الحاجة إليه، من تذرر فلسطين بين الأيديولوجيات والمقاربات، بعيدا عن فاعليتها على الأرض وحسم العلاقة إتجاه المحتل، إلا أن مربط الفرس في المشهد الفلسطيني كاملاً أن كل ذلك يضمن شيئاً واحدا فقط: ‘بقاء الخيانة وجهة نظر’.إن إشارة أبو مازن في تصريحاته للتلفزيون الإسرائيلي مؤخراً إلى ‘ديمومة بقائه في السلطة’ و’أبدية بقاء الوضع’ كرابطين عضويين لمشروعه بالتنازل عن كامل فلسطين التاريخية إلا ما وليَّ عليه من الضفة والقطاع بإدارة وحراسة ومقابل إسرائيلي.وبالإشارة إلى فكرة ‘أبدية بقاء الوضع’، فتلك ليست مرتبطة فقط بتمدد السيطرة المؤسسية على حيز الإجتماع السياسي وحسب، وذلك لأن الدولة تقوم في أغلب تعاريفها وتنظيراتها على وجود كيانين عضويين مكونين لها: ‘المؤسسة’ و’المجتمع’، حيث تقوم ‘المؤسسة’ بإدارة علاقات ‘المجتمع’ بحسب ما تحدده البنية الثقافية والهوياتية ‘للمجتمع’.وأن أي ثورة، وهي العفل الرفضوي الحاسم من ‘المجتمع’ إتجاه ‘المؤسسة’ لا تقوم إلا عندما تتراكم مظاهر وتمثلات ونتائج إستلاب ‘المجتمع’ بكل ثقافته وتاريخه وهويته وتعدديته لصالح ‘المؤسسة’، فتصبح هي صاحبة اليد الطولى في علاقاته الداخلية، وتوظيفه هو لبقائها وخدمتها وليس العكس. وكلما إحتقن الوضع في العلاقة بين الطرفين، تكثف الفعل الثوري وصولا إلى لحظة الإنفجار وهي خروج مظاهر الإحتقان إلى الفضاء العام رفضاً لأداء وإستلاب المؤسسة له. ففي الحراك الثوري العربي الجاري مثلاً، حيث لا يمكن اعتبار 25 يناير المصري هو بداية الثورة، إنما الثورة هي فعل تراكمي بدأ منذ عقود، وصولاً إلى لحظة من الإنفجار الرافض لهذا الإستلاب بشكل جماهيري أفقي في الفضاء العام، وفي مواجهة العمل المؤسسي بأبسط صوره (كالعمال والطلبة والفلاحين والأطباء وغيرهم) إلى أعقد صوره وأكثرها هرمية وصلابة وقمعاً وهي الوزارات والدولة عموماً.ولكن…أهناك ماهو أكثر إستلاباً للشعب الفلسطيني مجتمعياً وثقافياً وهوياتيا وتاريخيا وسياسيا من إنتزاع حق العودة منهم وقطع علاقاتهم العضوية بفلسطين، وتحويلهم لسياح ومطبعين، بل وأكثر من ذلك تجريم مقاومتهم ودفاعهم عن أرضهم والتعامل مع كل ماقدموه من شهداء وأسرى وكأنهم إرهابيون، بلفظ آخر أهناك ماهو أكثر إحتلالا من الإحتلال؟!.تلك بالضبط لحظة الإحتقان الثوري التي تدفع إليها مؤسسة أوسلو والتنسيق الأمني (الوكالة عن الاحتلال)، ولكن يظل السؤال الفادح: أين هو المجتمع الفلسطيني الذي يجب أن يهب دفاعاً عن نفسه؟.إن نظرة خاطفة على ‘المكان الفلسطيني’ بعد أوسلو تظهر نوعاً من المرآوية الإسرائيلية في الذات الفلسطينية، فرام الله ‘المدينة الوردية’ قديماً أصبحت مرتعاً لقوات التنسيق الأمني التي تعمل وتأتمر بأوامر الإسرائيلي، لتصدر تل أبيب تعميداً لسلطة رام الله :’عدد المطلوبين (المقاومين) في الضفة الغربية صفر’. ودلالة ذلك تتعدى التدليل المادي/الرقمي إلى الوعي الذاتي الفردي الفلسطيني، كيف يمكن أن نتخيل منطقة ما تقع بكامل تفاصيلها من قرى ومدن ومزارع وطرق بل وبنية تحتية تحت الإحتلال لا يوجد فيها ‘مقاوم’ واحد فقط؟ إن الصفر هنا لا يقاس به عدد المقاومين بل عدد من يجدون في ‘صفد’ وباقي فلسطين ما يمكن وصفه بفلسطين.إن السائر في نموذج ‘رام الله’ والضفة يمكنه أن يرى علاقات القوى المرتبطة بإسرائيل والغرب الرأسمالي، رام الله التي غزتها ثقافة ‘الإيه تي إم’ والعلامات التجارية، بل وحتى تذرر القهوة التي كانت طقساً فلسطينياً خالصاً نتوارثه كالضبع والحامض حلو، أصبحت ‘أميركان كوفي’ في مقاهي تتجمل بتوكيلات عالمية.ولعل مصاب رام الله في الوعي لا يختلف كثيراً من حيث تمظهره المكاني عن مدننا العربية المختلفة، فتحول الأخيرة للنمط الإستهلاكي المرتبط بالنموذج النيوليبرالي المعولم وسياساته السياسية والإقتصادية التي تمعن وتكثف التبعية بما يفسر وجود رجل البنك الدولي وفرضه على المجتمع الفلسطيني سياسياً وإجتماعياً، كل ذلك يفسر تغيرات الوعي الجمعي في فضاء تحدده علاقات القوى تلك.وحتى الخطاب الإعلامي العربي في عصر الفضائيات يقدم الفلسطيني ضمن صور مركبة من بنىً إستشراقية وإستعمارية وصهيونية وتطبيعية مختلفة، تشرح وتؤصل الخطاب الصهيوني من السرد الفلسطيني، مثال ذلك مسابقات الجمال والصور المعلبة إعلامياً في باقي المدن العربية للمرأة الفلسطينية الحديثة، التي تناضل بجسدها لتضع فلسطين في مصاف الدول المتقدمة بالمنطق الليبرالي، كإمتداد طبيعي لسلب الجسد الفلسطيني في مكانه.أي أن تجريف الوعي الفلسطيني تعدى النطاق السياسي (كنماذج اليسار الفلسطيني) إلى الإجتماعي في أبسط صوره الطبقية التي باتت فيها الثورة الفلسطينية مهنة ‘اللي منه أحسن منه’.ختاماً، علنا نستطيع تقديم جديد لهذا المجتمع بأن نخلق تجمعاً يحدد فضاءه الثوري بفضائه المحتل، ويساوي بين فقدان ‘صفد’ إسرائيلياً بفقدانها فلسطينياً بتصريحات أبو مازن، ويعيد تعريف الوطن بعيدا عن الإقتصاد والأيديولوجيا، كوطن لا مرادف له إلا هو، عن طريق حراك أفقي فلسطيني وعربي شعبي ينادي برفض خطاب أبو مازن والتمسك بحق العودة ومقاومة الإحتلال، بل وينادي بمحاسبة ومحاكمة كل من فرط في شبر من أرض فلسطين، وكل من وصف المقاومة بالإرهاب طاعناً شهدائنا وأسرانا في ظهورهم وفلسطينيتهم. لعل ذلك الحوار يحرر فلسطين الوعي/الوطن قبل أن يحرر فلسطين الأرض/الجغرافيا، ولكي لا يبقَّ في دماءنا وحلوقنا ملح كثير…ووطن أقل.’ كاتب وناقد أدبي من فلسطين * العنوان مستوحى من عنوان مجموعة قصصية للكاتب الفلسطيني راجي بطحيش بعنوان ‘ملح كثير… أرض أقل’