فادي الطويل تأخر كثيراً ظهور عمل شعري باللغة الانكليزية للشاعر الكوري الجنوبي ‘كو أون’ (1933) لكن لحسن الحظ، أصبح بإمكان القراء الانكليز الاطلاع على بعض أعمال هذا الشاعر المتفرد و صاحب النفس الشعري الخاص. هو أشهر الشعراء الكوريين، قام منذ أيام بمفاجأة الحاضرين في مقابلة معه عندما اختتم المقابلة بأغنية، لا بقصيدة. حينها، وقف الرجل الثمانينيّ وبدأ الغناء. بصوت خافت ما لبث بعدها أن أطلق لنفسه العنان. عندما انتهى، كان الصمت التام مخيّماً على الجميع. كانت نهاية غير مألوفة لما كانت نظرة قريبة لحياة غير عادية. ‘كو أون’ غير معروف كما يجب في العالم الأنكلوفوني (ما عدا أمريكا حيث هو مقروء فيها) لذلك لم تظهر له من قبل مجموعات شعرية في انكلترا. حضر مؤخراً إلى مهرجان Aldeburgh الشعري لحضور إطلاق مجموعته الشعرية المترجمة الأولى: ‘أحزان ضمير المتكلم’ الصادرة عن دار Bloodaxe. يخبرنا ‘كو أون’ عمّا حرّكه من الداخل و دفعه ليصبح شاعراً رائداً للشعر الذاتيّ الذي حقق عبره نجاحه وشهرته ورصيده الكبير الذي يتضمن عمله المدهش المؤلف من ثلاثين مجموعة بعنوان ‘عشرة آلاف حياة’، والذي يشكّل جزءاً من عهد أخذه على نفسه أن يتذكر كل شخص التقاه في سجنه بقصيدة قصيرة. ‘إلى نهاية فترة يفاعتي، لم تكن لديّ فكرة أن أكون كاتباً. كنت مثل بقية أطفال القرية، طفلا عاديّا. أنام، أستيقظ، آكل..مثل أي طفل آخر’ و يذكر كيف أتته فكرة تشبه ‘الكشف’ ذات مساء خلال عودته إلى بيته ‘كان الظلام قد حلّ. انتبهت إلى شيء يلمع على الأرض. كان مجلد قصائد حديثة’. كان ذلك المجلد أول مجموعة شعرية للشاعر الكوري ‘هان-ها أون’ وقد أدّى إلى تغيير حياة الفتى الذي وجد ذلك المجلد. ‘كان ‘هان-ها أون’ شاعراً منبوذاً وقد كتب تلك القصائد خلال تجواله في الريف الكوري. كانت قصائد شديدة الحزن. يبدو أن أحداً قد اشتراها ثم قام برميها على جانب الطريق. شعرت أنها كانت مرميّة من أجلي. مرميّة هناك لي أنا. قرأتها و أعدت قراءتها مرّات طوال الليل. في الصباح، استيقظت وعاهدت نفسي أن أكتب قصائد تشبه شعر ذلك الرجل. صرت آنذاك شخصاً مصمماً على كتابة قصائد مرتبطة بحياتي الخاصة’.ثم بدأت الحرب الكورية. ‘مات نصف جيلي، وأنا نجوت. خلّف ذلك لديّ إحساساً ما بالذنب، بِـلَوم النفس لكوني أنا الوحيد الذي لا أزال حياً بينما هم قد ماتوا جميعاً. لذلك، ومنذ ذلك الحين وأنا مسكون بالنّدب. ندب من ماتوا. لديّ ذلك النداء لاستعادة جميع من مات من أصدقائي، إعادتهم إلى الحياة. أنا في صفّ ‘دريدا’ الذي قال إن على الموتى أن يكونوا دائماً معنا، لا أن يتم نسيانهم وتجاهلهم. إنني أحمل الموتى داخلي وهم يقومون بالكتابة من خلالي أنا. أحياناً، لا أكون أنا ـ على الإطلاق- من يكتب. هم يكتبون. إنهم هناك، أمامي. تصوّر حيّ لما ينتظرني في المستقبل. في النهاية، عالمنا هذا ما هو إلا مقبرة كبيرة’.عاش ‘كو أون’ مجازر الحرب و تأثر بها إلى درجة أنه حاول أن يسكب الأسيد على أذنيه كي يتوقف عن سماع ‘ضجيج’ العالم. أدّى به هذا إلى إصابة إحدى أذنيه بالصمم الكامل. أصبح بعدها راهباً بوذياً. نشر أولى مجموعاته الشعرية عام 1960 وهجر الرهبنة البوذية عام 1962. بدأ يشرب بكثرة و أصيب بأرق مزمن وأصبح شخصية أدبية معروفة في سيؤول. نجا عام 1970 من محاولة الانتحار بالسم وتحوّل إلى النشاط السياسيّ الذي أوصله إلى السجن أربع مرات. ‘في البدايات، لم أكن أعرف شيئاً غير الشعر. ثم في عام 1970 قرأت عن عامل شاب أضرم النار في نفسه وانتحر في صراع من أجل حقوق الإنسان وحقوق العمال. تُقت طويلاً للموت و حاولت أن أصل إليه، ولدى قراءتي عن ذلك الحدث، قارنت بين موت ذلك الشاب مع الموت الذي كنت أحلم به فبدأت بالاقتراب ومواجهة الحقيقة التي سببت موته: الديكتاتورية، وكل المخاوف الذي ترتبط بالأنظمة المتسلّطة. بدأت أنبذ ذلك الموت الذي كنت أحمله معي، أخرج إلى الشوارع في مظاهرات ضد النظام. لذلك انتهى بي الأمر طبعاً في السجن’.بين فترات سجنه الأربع، يعتبر أن الفترة الثالثة هي الأكثر أهمية وحساسية. أُدين حينها بجرائم العصيان والتآمر للإطاحة بالدولة. ‘كنت في السجن، أواجه احتمال الموت. كان الماضي هو كل ما لدي في ذلك الوقت. هنا ظهرت فكرة ‘عشرة آلاف حياة’.في الثمانين من عمره، لا يزال ‘كو أون’ في جداله الفلسفي مع قضايا الموت و الحياة و التفاصيل الشخصية الصغيرة. نشر إلى الآن أكثر من 150 مجموعة شعرية. نال الكثير من الجوائز و رُشح للكثير. ربما يكون وجوده للقراء الانكليز جائزة قيمة لهم. وصفه ناشر مجموعته المترجمة الأولى في انكلترا بـ ‘الشاعر الكبيرالذي يمتلك أشياء كثيرة يقولها عن كوريا الجنوبية و تاريخها. كما لديه الكثر ليقوله عن حياته الاستثنائية و حساسيته الكبيرة. إنه صُنع نفسه، وهو من أكثر مواطني هذا العالم بلاغةً’. هذه ترجمة (عن الانكليزية) لقصيدة ‘مطر الربيع’ لـ ‘كو أون’:أيتها الأمواج..مطر الربيع يهطلويموت على صمتك النائمالعتمة في مياهك تحلّق فوقكأيتها الأمواجبمطر الربيع على مياهك النائمةبمطر الربيع، حتى بعيداًتغيرت الصخور النائية للربيعفوق هذه المياه حيث نستلقي نحن الاثنين نائمينتلوح هيئة صخرية. كل الصمتلكن يبقى مطر الربيع يهطل ويموت.