مهاترات سقوط النظام الأردني والضفةُ الغربية كأرضٍ أردنيّةٍ مُحتلةٍ

حجم الخط
0

د. لؤي منور الريماوي في تزامنٍ مع الحملة الإنتخابية لحزب الإتحاد القومي الإسرائيلي والحملة الدعائية لزعيم حزب هاتيكفا والذي يدعو جهارا لتصفية القضية الفلسطينية على حساب الأردن، لفت الإنتباه مؤخراً بعض الأصوات المعارضة والمأجورة والتي تتوقع من منصات إعلام العدو الصهيوني سقوط النظام الأردني الهاشمي وتتحدث عن ضرورة وجوب قيام الدولة الفلسطينية في حدود الضفة الشرقية. لا ندري أي أضغاث أحلام صهيونية هذه. فأعداء الوطن كُثر وبدرجات متفاوتة من فاسدين وإنتهازيين ومتسلقين ممن إمتطوا مواقعهم العامة والخاصة وفق محسوبية مُمنهجة سممت براءة الطرح الوطني الأردني وقيم النزاهة الوطنية. ولكن أبشعهم وأرخصهم من وجدوا في مهاترات اليمين الإسرائيلي مرجعيةً سياسيةً لهم فيما يُسمى بالوطن البديل يُحرّكهم نتانياهو وآريئيه إلداد كما يشاؤون.فالأردن ككيان لم يستمد شرعيته يوماً من المد الصهيوني ولن يكون صدىً أجوفاً يُردد الأفكار المتصهينة والتي تسعى الى شرذمة الوعي الوطني الأردني. فالإصلاح ليس متاجرة رخيصة بالأردن خدمة للمصالح الصهيونيّة، لأن له أبعادا وطنية نبيلة لتصحيح المسار بشكل يُعيد لُحمة النسيج الوطني الأردني ويُعالِجُ وبشكل منهجي التقصير في محاسبة الفاسدين وإسترجاع المال العام. لا سيما في ظل ضرورة أن يُحرر النظام نفسه من بهرجة محاسيبه ومنافقيه في حلولهم السطحيّة التي لم تنجح الاّ في تنمية المصالح الخاصة والمتشابكة للمنتفعين على حساب مصلحة الشعب الأردني.ولقد جاءت التصريحات الوحدوية مع الضفة الغربية من قِبل الأمير الحسن بن طلال مُؤخراً لتؤشر على أن الأردن قادرٌ على أن يكون له نفَسٌ عروبيٌ عميق وأن يدافع عن وطنيته ومصالحه العليا بكل صلابة متحملاً تبعات سيادته كدولة القانون والمؤسسات. لا سيما وأن سياسة النظام في هذا الشأن كانت قصيرة النظر في تحالفها المُظلم مع قوى الفساد والإقليمية الفلسطينية من غير ادراك لأبعاد ونتائج هذه السياسة الخطيرة على الضفة الغربية وأهلها في تعاون تدريبي أردني أمني مريب للقوى الأمنية المشبوهة برعاية أمريكية وفي جعل عمان ملتقىً عبثيّا لمفاوضي الإقليميّة الفلسطينيية ونظرائهم الإسرائيليين.وحدة الضفتين كان لها أسبابها التاريخية والقومية والذي نادت بها علانية أعتى الشخصيات الوطنية الفلسطينية وأكثرها شراسة في مقاومة الإحتلال الإسرائيلي وترتبت بسببها نتائج قانونية. ومن المهمات القادمة للمحكمة الدستورية الأردنية الجديدة أن تَبُتَ في شرعية قرار فك الإرتباط عن الضفة الغربية والذي هو أصلاً يُخالف المادة الأولى من الدستور الأردني. ولكن نظراً للحساسية من المُتوقع أن يكون البت بهذه المسألة قضية خاضعة لإعتبارات الظروف السياسية المتجددة. لا سيما بوجود الجدليّة القانونية حول ما إذا كانت المحكمة الدستورية الأردنية الجديدة بصلاحياتها الضيّقة مُخوّلَة أصلاً في أن نتظر في هذه المسألة في ظل إختلاف الأراء بشأن تكييف قرار فك الإرتباط لعام 1988. حيث يرى البعض أنه بالأصل قرار إداري يتعين على محكمة العدل العليا الأردنية النظر فيه، رغم أن محكمة العدل العليا كانت قد كيفت قرار فك الإرتباط بأنه قرار سيادي خارج عن إختصاصها. رجوع وحدة الضفتين إلى واقع سيادي حقيقي لن يُعجب الصهاينة الذين يريدون الإحتفاظ بالضفة الغربية والقدس الشرقية كاملة وتهجير أغلبية سكانها إلى الدول المجاورة وبخاصة الأردن، ولن يُسعد الإقليمية المستنفعة مادياً وإجتماعياً وسياسياً شرقيّ النهر وغربيّه. فخلال أربعة عقود ونصف منذ الإحتلال الإسرائيلي تشكلت مراكز قوى محليّة ونمت أيديولوجيات سياسية وعقائدية مختلفة في ظل هويات جهوية ووطنية وحزبية متضاضدة وتبعثر القاسم المشترك في خضم تباعد القيم الذاتية وجدول الأولويات الفردية في تفاوت المصالح وتباينها. فتهديد الإستقرار الداخلي للأردن والمساس في تجانس لحمته الوطنية وجعله مسرحاً للإقتتال السياسي الحزبي والمزاودة عليه بأنه يسعى إلى إسترجاع الضفة الغربيّة على حساب الهوية والثوابت الفلسطينية هي أمور مرفوضة جملة وتفصيلاً. فالأردن اليوم ليس معنياً بفدرالية أوكنفدرالية مع شلليات حكم محليّة فلسطينية فاسده تفننت في الإنتهازيّة وسمسرة القضية الفلسطينية والتي ملأت الدنيا صراخاً وضجيجاً عند مخاضها ‘الوطني’ لتلد ليس أكثر من فأر آسلو. خاصة في ظل التنازلات الكبيرة بإسم الحركة الوطنية الفلسطينية والتي فتحت الأبواب لتعاون أمني غير مسبوق بزيارت علنية لمسؤولي المخابرات الإسرائيلية وتسليم المناضلين باليد الى السجانين الصهاينة كما حدث لبعض مُغتالي الوزير الصهيوني رحبعام زئيفي.فتجربة السلام الإنفرادية في ظل آسلو وإتفاقات باريس الإقتصادية والتي عزلت الضفة الغربية لم تنجح الاّ بخلق سوابق لم تشهدها أية حركة تحررعربية أوعالمية حيث جعلت من إسرائيل جهة ‘شرعية’ حتى لتـــزويد التحصيلات الضربية بشكل دوري ومؤخراً مُزودةً للقروض العاجلة للسلطة الفلسطينية لضمان ديمومتها. وفي ظل الإفتقار للشرعية السياسية بمفهومها الموضوعي تم ايضاً تهميش المؤسسات الدستورية والقانونية والرقابية المالية في الضفة الغربية، وأصبح التسييّس وإنقسام الأهل الى أنداد السلاح وأعداء الدم من مخلّفات هذه الحقبة. هذا كله في ظل التذويب الخطير للسيادة العربية على الضفة الغربية من خلال تقسيمها اليوم إلى مناطق ‘A’ و’B’ و’C’، مُشرّعين السيادة الإسرائيلية وبقاء مستوطناتها السرطانية في ظل تفاصيل تفاوضية تنازلت حتى عن حق العودة. حيث ستبقى تركة المفاوضين المحليين الفلسطينيين بعد إنتهاء أدوارهم أنهم قوّضوا الحقوق العربية في الضفة الغربية المحتلة وفتحوا باب التطبيع مع إسرائيل على مصراعيه وكانوا سبباً رئيسياً في دخول إسرائيل الى حظيرة الشرعية الدولية وفتح مجالات الإعتراف بها بمستويات عالمية لم تكن تتخيلها حتي في أسعد حساباتها.الحقوق العربية (الإسلامية والمسيحية) في الضفة الغربية وفلسطين اكبر من أن يتنازل عنها دولة أو نظام أو مفاوض محلي، فهي أمانة في أعناقنا جميعاً الى يوم الدين. وبدون الإنتصار الحقيقي (المالي والسياسي والقانوني واللوجستي) لهؤلاء المرابطين الذين طالما إنتفضوا للكرامة العربية ومكتساباتنا التاريخية يكون العدو الصهيوني قد حقق مآربه بالإستفراد بهم لقمة سائغة وسهلة. هذا كله مدعاة لأن يكون للأردن هوية وطنية واثقة من نفسها إمتداداً لجذوره العروبية الهاشمية، فبالرغم من الظروف الخانقة سيبقى الأردن عصيّاً على الرغبات الصهاينة في طروحات الوطن البديل داحضاً كل المتربصين الداخليين منهم والخارجيين.’ محاضر أردني زائر في جامعة كامبريدج ورئيس برنامج الماجستير في القانون المالي الإسلامي في جامعة BPP/لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية