خيري منصور اذا كان ما يسميه أمين معلوف ترويض الفهد قدر تعلق المصطلح بالعولمة وسياقاتها اطروحة مضادة فهي تسليح الفراشة، لكن ليس وفق ثنائية موازية لحرب باردة من طراز آخر. ومصطلح الترويض هذا يصبح متعدد الدلالات في عصر جعل من نظام عالمي جديد مرادفا لفوضى خلاقة او هكذا سماها السّاعون الى محو كل التضاريس من المشهد الكوني ليعود العالم الى حالة من السّديم، وتصبح الانسانية الجديدة مجرد قناع لعزلات متفاقمة، فالاقليات الان ليست هي ذاتها في التعريف الكلاسيكي للأقلية، وكما قدمت في موسوعة تضم اكثر من مئتي اثنية في كوكبنا، فما يوصف بأنه الأكثرية لديه احساس بأنه أقلية ايضا، وهذا ما يشعر به من يوصفون اليوم من البيض الانغلوساكسونيين البروتستانت والذين يرمز اليهم بمصطلح ‘الواسب’، فالمسألة نسبية اذن بقدر ما هي هاجس هوية في زمن صراع الهويات وحروبها.ان اطروحة معلوف سواء في كتابه ‘الهويات القاتلة’ او كتابه ‘اختلال العالم’ تروق لمن قرروا تدجين هويتهم اولا، وقبل السعي الى تدجين فهد العولمة، هذا التدجين السايكولوجي الذي يتزامن مع محاولات التدجين الرأسمالية لما سمي نمور اسيا اقتصاديا، واذا كان هناك من سخروا من مصطلح النمور بدلالاته الاقتصادية وقالوا انها نمور من ورق فإن فهد العولمة هو كذلك ايضا، لأن العالم الافتراضي الذي تقدمه وسائل التواصل رسّخ لدي الاعتقاد بأن العزلة التي كدت ان اصدّقها وأتأقلم معها بسبب الانقطاع الارادي من التعامل مع الانترنت هي ايضا عزلة افتراضية، والمثقف في أي زمن ورغم كل الانقلابات الكوبرنيكية التي مرت بالبشر لا يعتذر عن ذاكرته تماما كما انه لا يتخلى عن حواسه لصالح وصفات تجريدية تختزل الحياة في كبسولات.وإن كان شعور الجميع بأنهم اقليات فإن معنى ذلك ببساطة ان الاكثرية الساحقة والنافذة والمتحكمة بأنماط التفكير والانتاج معا هي اكثرية افتراضية ايضا، انها الآخر المعادي الذي لا بد من اختراعه وهذا ما اشار اليه صاموئيل هانتنغتون في مقالة استدراكية نشرت في ‘الفورين افيرز’ الامريكية بعد نشره لكتابه ‘صراع الحضارات’، وانتهى الى ان اختراع الاعداء يتجلى بوضوح في المثال الامريكي خصوصا بعد البطالة المؤقتة التي انتجها خريف الحرب الباردة، ورغم ان هانتنغتون لم يشر الى ‘توينبي’ من قريب او بعيد الا ان نظرية هذا المؤرخ الشهيرة والمسماة ثنائية التحدي والاستجابة تصلح تماما لتفسير ظاهرة اختراع الاعداء، وكان توينبي قد استقى جذور نظريته من صيادي السمك، حين لاحظ ان بعض انواع السمك عندما تنقل في احواض من مكان الى آخر تتعرض لخمول يهدد انسجتها بفقدان المرونة لهذا اهتدى الصيادون الى طريقة تساعد السمك على البقاء في حالة توتر ونشاط وهي اضافة كائنات بحرية معادية له!* * * * * * *اطروحات الهوية على اختلاف مرجعياتها والاوتار التي تعزف عليها يمكن تصنيفها في نمطين، الاول توفيقي قد يصل حدّ التلفيق، ويسعى الى الدمج والثاني يتأسس على معرفة الذات من خلال الآخر، وهذا الوعي السالب للهوية لا بد ان يفضي الى اقصاء الاخر سواء كان موجودا بالفعل او بالقوة او حتى مٌتخيّلا، لأنه العدو الافتراضي الذي اشار اليه توينبي في تجربة صيادي السمك. ووصف الهويات بأنها قاتلة كما في اطروحة معلوف او الجريحة كما سماها محمود درويش في احدى قصائده او ارهاب الهوية كما قال داريوش يبقى منوطا بتجارب هؤلاء ومعاناتهم الشخصية في اطار البحث عن هوية او البحث المضاد للخروج من الهوية عندما تصبح ضاغطة وخانقة واختزالية، بحيث تحذف انسانية الانسان لصالح تعريف محدد.ولا ادري لماذا يتجاهل بعض المٌتَنَطّعين لمفهوم الهوية ارتباطها العضوي بالسّردية الوطنية او ‘الناراتيف’، فما من هوية لا ترتكز الى مثل هذه السردية سواء كانت حرب استقلال او صراعا وجوديا في التاريخ، ويبدو ان الهوية يجب ان تجرح ولو قليلا كالليمونة كي تفوح رائحتها، فالمجتمعات المستقرة وذات الهوية التي يتنفسها المواطنون بشكل عفوي لا تنهمك في البحث عن خصائصها وملامحها وما يميز كينونتها حضاريا وتاريخيا وثقافيا وقوميا.وما كتبه د. وجيه كوثراني في كتابه عن الهويات الفائضة كان لا بد ان يقترن وعلى الفور بما يسميه المواطنة الناقصة، كأن الفائض في الهوية هو ما ينتج نقصان المواطنة، واذا كان الوطن العربي الذي يسمى الان العالم العربي انسجاما مع سلالة المشاريع السايكس بيكوية يعاني من افراط في تكاثر الهويات الفرعية فذلك بالضرورة على حساب الهوية الأم. فكلما صغرت الهوية وأوغلت في الفرعية تكون مصابة بالتضحّم وعرضة للسّرطنة، وهنا نتذكر مقالة طريفة للروائي ميلان كونديرا رصد فيها الاناشيد الوطنية لدول العالم، وتوصل الى قاعدة ذهبية هي كلما صغرت الدولة اتسع نشيدها وتضخّم وكأن هذا التعويض البروتوكولي يفتضح شعورا بالدّونية، وهذه مسألة ليست حكرا على الجماعات والدول، فالافراد ايضا كذلك، ومن الناحية السايكولوجية تبدأ الذات بالتضخّم بحيث تصبح محور الكون عندما تفرغ تماما من جوهرها وغناها الداخلي واكتفائها.* * * * * * * *بالمصادفة سمعت على احدى الفضائيات عبارة استوقفتني بقوة اثناء كتابة هذه السطور وذلك حين سئلت طالبة جامعية تعيش في امريكا عن هويتها اجابت بأنها امريكية من نابلس، ولم تقل انها امريكية عربية او من اصل عربي، واول ما خطر ببالي عندما سمعت هذه الاجابة هو ما سماه محمود درويش الهوية الجريحة، فمن يعانون من مثل هذا الجرح النازف سرا في القلب والذاكرة يخشون على هويتهم من الحذف خصوصا عندما يكون هناك عدو تاريخي ووجودي يسعى لاستئصالهم من التاريخ استكمالا لاستئصالهم من الجغرافيا.لقد انتهى أمين معلوف الى حل شخصي على الأقل قدر تعلق اشكالية الهوية بمثقف عربي يكتب بالفرنسية. فهو بخلاف آخرين من امثاله طالما تحدثوا عن ثنائية القلب واللسان وهذا ما قاله مالك حداد بوضوح عندما وصف اللغة الفرنسية التي كتب بها اعماله بأنها منفاه، فهل معنى ذلك ان اللغة أيضا ملكوت بالنسبة لمن يكتب باللغة الأم؟ هنا ايضا يحضرني ما كتبه محمود درويش ولم يستوقف أحدا وهو أن الارض تورث كاللغة، فقد أراد من هذه التوأمة بين الأرض واللغة ان يصل الى ما هو أبعد ردا على مشروع العَبْرَنة والتهويد لكل آثار فلسطين واسماء قراها ومدنها وشوارعها ومجمل تضاريسها.ان سؤال الهوية الاشكالي والذي يتغذى الآن من صراعات اثنية وعرقيّة لا تشبعه اجابات اجرائية، سواء تعلقت بترويض نمرة شكسبير او فهد العولمة او نمور آسيا، وما يجري ميدانيا هو تقشير الطلاء المدني لبشر هجعت هوياتهم تحت جلودهم بانتظار اندلاعها، فهل كان صراع الهويات سواء كانت خانقة او قاتلة او مبتورة هو البديل المستولد بأنبوب الرأسمالية في ذروة توحشها بعد الحرب الباردة؟