ما أقسى سطوتك يا موت

حجم الخط
0

ياه ما أمر طعم الموت، وما أقسى سطوته.. قبل سنوات وأثناء تواجدي بمدينة الرياض، تلقيت خبر غرق عبارة السلام في مياه البحر الأحمر، والتي كانت متجهة من بلاد الحرمين إلى مصر، والتي راح ضحيتها أكثر من 1500 نفس بريئة، لم يكن لهم ذنب سوى أنهم أناس بسطاء، عضهم ناب الحاجة فركبوا تلك العبارة المهترئة ليوفروا بعضا من نفقات الطيران الغالية، لكن تلك العبارة بدلا من أن توصلهم لمصر فيدخلونها بسلام آمنين سالمين، غاصت بهم في الأعماق وأرسلتهم إلى حتفهم.بعد ذلك الحادث المشؤوم توجهت أنا وصديق لي لزيارة أحد المنكوبين في ذلك الحادث، رجل مصري بلغ الستين من عمره، يعيش وحيدا بعد أن سكنت زوجته وأولاده في القاهرة لأسباب خاصة، تتعلق بدراسة أبنائه الخمسة الذين تخرجوا من الثانوية العامة تباعا، وصار لزاما عليهم دخول الجامعات، فآثر البقاء في الغربة وحيدا، كي يؤمن لهم مستقبلهم، ثم قدموا إليه في عطلتهم الصيفية، وأمضوا معه شهرين من الحياة، فآنسوا وحدته، وخففوا من عناء غربته، وبعد أن ودعوه ليعودوا لديارهم، لم يرهم بعدها مطلقا، فقد تمزقت أجسادهم وضاعت أرواحهم تحت أمواج البحر العاتية، هذا الرجل وبعد هذا العمر المديد الذي أنفقه من سني حياته، عاد وحيدا كما ولدته أمه، بعد أن غرقت زوجته وجميع أفراد أسرته في تلك العبارة، عندما زرناه وجدناه صامتا لا يتكلم، واجما لا يتحرك، ساكنا لا يتململ، حتى الدموع أبت أن تذرف من عينيه من هول مصيبته، طوال الجلسة بقيت أرقب وجهه، كان رأسه ثابتا، بدا وكأنه صخرة عملاقة لا تتزحزح من مكانها، كنت أسأل نفسي وأنا أتأمل عينيه، يا ترى فيما يفكر هذا الرجل الآن؟ يا ترى هل يفكر في زوجته الحبيبة التي قضى معها أيام كفاحه؟ وهل يمر الآن في ذاكرته طيف زوجته الشابة التي التقاها لأول مرة في حياته؟ هل يا ترى يتذكر الآن يوم زواجه منها قبل عشرات السنوات؟ أم يفكر في أولاده الذين تغرب من أجلهم وتجرع كل هذا العذاب من أجل أن يؤمن مستقبلهم المزعوم الذي ضاع في القاع؟ أم أنه يفكر في ابنته الصغيرة التي طالما داعبته وداعبها وهي تجلس في أحضانه؟ آه آه ما أغص طعمك يا موت، هل تراه يتمنى الموت الآن؟ هل يا ترى يتمنى الآن لو أنه غرق مع عائلته لكان أهون عليه؟ يا ترى هل سيفكر في إعادة الكرّة من جديد؟ وهل سيتزوج مرة أخرى من امرأة أخرى كي تنجب له من جديد؟ أم أنه سيبقى وحيدا هكذا حتى يموت؟ بقيت آلاف الأسئلة تتدفق في عقلي كنهر جارف، كتيار صارخ، ولكن بدون أن يجيبها أحد، حتى بعد أن ودعته وغادرنا منزله، بقي صداها يتراطم داخل جدران قلبي المدهوش الحزين، ذلك القلب الذي شبع من الأحزان أيضا، الذي اكتوى هو الآخر برحيل حبيبته إلى الأبد حبيبته التي كان موتها أهون عليه من رحيلها.. سبحان من لا يموت، وسبحان من قهر عباده بالموت، سبحانه ما أعظم شأنه.. وياه ما أقسى طعمك يا موت. م . معاذ فراج الأردن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية