مهرجان المتنبي للشعر بزيورخ : صورة أخرى للعربي في سويسرا

حجم الخط
0

محمد غرافياختُتم مهرجان المتنبي الشعري العالمي الثاني عشر بزيورخ يوم الحادي عشر من نوفمبر.ثلاثة أيام أخرجت المدينة أو قسطا منها من الصورة التي ألصقتها بها البنوك وحقائب البترودولار والأغنياء من كل جهات العالم وألبستْها حلة الشعر بكل تفاصيله وصوره ومكابدات الكائن فيه عربيا أو أوروبيا. لقد جاءها شعراء من إيطاليا والنمسا وألمانيا والمغرب ومصر والعراق والهند والعربية السعودية وإسبانيا واليونان إضافة إلى شعراء من سويسرا نفسها بمختلف مقاطعاتها اللغوية. كان ثمة في كل كلمة على خشبة مسرح المدينة ما ينتشل المرء من مفارقة كبيرة وهو يتأمل محلات المدينة التجارية الباذخة بعطورها وأحذيتها وألبستها وحتى سكاكينها المعروضة بأثمان خيالية. الشعر وحده وبشاشة الشبان العراقيين بالمركز الثقافي العربي بزيورخ وبساطتهم اللامتناهية وجهدهم العارم في تنظيم هذا الملتقى الجميل أنسانا الصورة النمطية عن المدينة، خصوصا أمام جمهورسويسري اعتاد طيلة إثنتي عشرة سنة على هذا الموعد الشعري الكبير، فكان إقباله على الأمسيات الشعرية الثلاث إقبالا حضاريا ينمّ عن ذائقة شعرية عالية تبدد كل الحواجز اللغوية ليصير روح الشعر هو اللغة الوحيدة التي جمعت بين مختلف الأجناس والألسنة. هكذا استمع الحاضرون بالألمانية والعربية والإسبانية والفرنسية واليونانية والهندية (الماراتية) إلى نصوص تستنطق الذاتي وأخرى تعانق اليومي بجزئياته أو تصب في ما هو جمعي إنساني…بعضها ينزف ألما وبعضها يطوّع الحزن عبر السخرية والأمل، وبعضها يعطي للشعر نفسه بعدا فلسفيا ويدعو إلى التفكير في كل الآفاق المفتوحة والممكنة التي يسير إليها الشعر عامة والعربي بشكل خاص. ولعل الندوة التي أقيمت عشية اليوم الثاني حول علاقة الشعر بالميثولوجيا كانت مظهرا من مظاهر هذا التفكير في المنجز الشعري وراهنيته وآفاقه. وهكذا اندمج ‘قمر بغداد’ للشاعر العراقي الكبير صلاح نيازي بـ ‘قمر ما بعد الظهيرة’ للشاعر الألماني فولكر سيلاف. الأول أبيض واجم ‘على الفرات من الضفة إلى الضفة’ والثاني ‘رمادي فوق المداخن’…كما اندمجت شذرات الشاعر السوري سليمان توفيق ( الذي يكتب بالألمانية) عن الشعر والحب والخوف والحزن بـ ‘توازن’ الشاعرة الإيطالية تسينكونيا تسينكوني (التي تكتب بالإسبانية) وهي تقرأ قصيدة حب مؤثرة في اليوم الأخير من المهرجان…وبالقدر نفسه من التواطؤ الضمني بين الشعراء على هدم الحدود الوهمية التي يكرسها شعار ‘صدام الحضارات’ الرديء أنشد الشاعر الهندي هيمانت ديفانت بسخرية لاذعة وحس مرهف قصيدته ‘بدَن بدَن’ ليذكّرنا أن جسم القصائد واحد رغم اختلاف المصائر واللغات وأن هذه الأخيرة نفسها تتداخل حضاريا وثقافيا وتاريخيا وتغْني بعضها بعضا. كما كان لحضور قصيدة النثر العربية حظ وافر ولقصيدة التفعيلة نصيبها…فقرأ الشاعر المصري أشرف عامر نصوصا من ديوانه الأخير ‘هو تقريبا متأكد’ ليعطي للشعر نكهته الجوهرية كخطاب نسبي ومفتوح دائما على احتمالات كثيرة..وأتحفتنا الشاعرة السعودية أشجان هندي بقصائد تؤكد أن الحداثة الشعرية ليست هي القطيعة مع التراث الشعري العربي وإنما استيعاب وتجديد له وإشباعه بروح العصر شكلا ومضمونا. كما تجاوب الجمهور أيضا مع النصوص القصيرة للشاعر السويسري الشاب مارك هرمان ومواطنه بيير ألان تاشيه. أما الشاعرة والمخرجة المسرحية السويسرية سيلفيان دوبْوي، فإنها قرأت نصوصا جاءت على شكل لوحات تختزل بكثافة عمق إحساس الفرد بالضياع في عالم تريده الشاعرة مفتوحا على ‘التشابه بيننا’…ولأن الشعر سخي ومفتوح على كل الفنون، فإن الصورة الفوتوغرافية كانت حاضرة بقوة في اليوم الأول، بينما كان عزف الموسيقار العراقي أحمد المختار (المقيم بلندن) على العود لحظة حلول الشعري في الموسيقي والموسيقي في الشعري مما أضفى على أمسية المهرجان أجواء خشوع وإنصات خلاق.شارك في المهرجان شعراء آخرون كالشاعر الألماني توبياس بورغارت والشاعرة اليونانية أنجليكا سيجورو والشاعرة النمساوية إيفلين شلاك والشعراء السويسريون ناتالي شميد وكرستيان بيرغر وفلوريان فيش والشاعر المغربي محمد ميلود غرافي والشاعرة اللبنانية صباح زوين والشاعرة الأرجنتينية خوانا بورغارت. يسهر على المهرجان منذ تأسيسه عام 2000 الشاعر والباحث العراقي علي الشلاه وتدعمه مؤسسات ثقافية سويسرية بمشاركة المركز الثقافي العربي بزيورخ. وقد شهد منذ تأسيسه مشاركة العديد من الأسماء الشعرية الوازنة أوروبيا وعربيا مثل الشاعر السويدي الفائز بجازة نوبل للاداب ترانسترومر وأدونيس ومحمد بنيس واحمد عبد المعطي حجازي وأحمد الشهاوي ومحمد الفيتوري وغيرهم…وتجدر الإشارة إلى أن انعقاد مهرجان المتنبي الثاني عشر صادف هذه السنة صدور ترجمة مختارات من شعر المتنبي إلى الفرنسية عن دار آكت سيد الفرنسية الشهيرة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية