د. عصام نعمان بحربه على غزة ارتكب بنيامين نتنياهو خمسة أخطاء وخطايا.أخطأ، اولاً، في اعتقاده ان الحرب على غزة تعني فصائل المقاومة وحدها ولا تمس بالضرورة مشاعر وحقوق ومصالح شعب فلسطين في وطنه وشتاته، وشعوب عالم العرب والإسلام. أخطأ، ثانياً، في تقويم قدرة فصائل المقاومة والاحزاب والجماعات الفلسطينية على الإتحاد والتضامن في وجه ‘اسرائيل’ وحربها الشرسة. أخطأ، ثالثاً، في تقويم قدرات فصائل المقاومة، ولا سيما لجهة مخزونها من الصواريخ بعيدة المدى (فجر-3 وفجر- 5) ومضادات الجو والدروع، والمهارة في إخفائها وحمايتها.أخطأ، رابعاً، في تقويم قدرة شعب غزة من جهة، وشرائح المستوطنين الصهاينة من جهة اخرى على التحمّل والصمود. فقد هوّن على نفسه الفتك بالفلسطينيين، وغالى في تقويم قدرة المستوطنين على التحمّل. هذا الخطأ ينحدر الى مستوى الخطيئة.أخطأ، خامساً، في تقدير الظروف الاقليمية والدولية ومدى قدرات الاصدقاء والحلفاء على دعمه . فالمنطقة العربية، بعد الإنتفاضات الشعبية، غير ما كانت عليه اثناء حرب ‘اسرائيل’ الاخيرة (2008-2009) على غزة . فحسني مبارك، ‘الكنز الإستراتيجي’، في السجن، وجيوش الولايات المتحدة غادرت العراق وتستعد لمغادرة افغانستان، واميركا واوروبا تعصف بهما ازمة إقتصادية تحول دون توفير دعم سخي لـِ ‘اسرائيل’ كما في الماضي.هذه الاخطاء والخطايا والظروف المغايرة من شأنها إطالة أمد الحرب وتجويف رصيد نتنياهو السياسي وإضعاف مركزه التفاوضي . يتعزز هذا الإحتمال بالصمود، العسكري والسياسي، الذي يبديه قطاع غزة، شعباً ومقاومةً.الى ذلك، تتركز الاضواء والتطلعات على مصر بشكلٍ غير مسبوق. رئيس المكتب السياسي لحركة ‘حماس’ خالد مشعل دعاها الى ‘تغيير قواعد اللعبة’ برفض مناورات ‘اسرائيل’ وطلباتها والوقوف تالياً مع شعب غزة ومقاومته بكل الإمكانات المتاحة.الولايات المتحدة، بلسان رئيسها باراك اوباما، ناشدت الرئيس محمد مرسي التدخل مع ‘حماس’ لحملها على قبول التهدئة.فرنسا، بلسان رئيسها فرنسوا هولند، طالبت مصر بالتدخل لـِ ‘ضبط النفس’ ووقف العنف.لكن روسيا وايران دانتا العدوان الإسرائيلي وألمحتا الى ضرورة الحساب والعقاب.بعض الدول العربية ندد بالعدوان ودعا الى محاسبة المعتدي.في الضفة الغربية ومصر ولبنان واليمن وتونس وموريتانيا وفي المخيمات وبلدان الشتات الفلسطيني، قامت تظاهرات الإحتجاج والنصرة على العدوان .غير ان مصر تبقى محور الإهتمام الاقليمي والعالمي . الرئيس مرسي قام بالحد الادنى المطلوب الذي يُفترض ان تقوم به حكومة عربية : استدعى سفيره في تل ابيب، طلب الى السفير الإسرائيلي في القاهرة المغادرة، دعا مجلس الامن الدولي الى الإجتماع ومواجهة العدوان، دعم مطلب فصائل المقاومة في غزة بعقد اجتماع لمجلس جامعة الدول العربية، اوفد رئيس وزرائه هشام قنديل الى قطاع غزة لتقديم الدعم السياسي والإنساني بعدما فتح معبر رفح لتوفير المساعدات الطبية والإنسانية، وحرّك وحدات من الجيش المصري الى منطقة شمالي سيناء المحاذية للقطاع والنقب المحتل.هذه الخطوات تُعتبر عادية وتقليدية وما كان نظام مبارك ليتأخر في إتخاذها لحفظ ماء الوجه ازاء الفلسطينيين والعرب . الفلسطينيون والمصريون وشرائح واسعة من الشعب العربي طالبت مصر بخطوات نوعية اكثر حزماً وإلتزاماً بحماية الفلسطينيين، شعباً وقضية. فالعدوان على غزة، في هذه الآونة، تحدٍّ لمصر لكون غزة جزءاً من الامن القومي المصري وامتداداً إستراتيجياً له. وهو فرصة للنظام ‘الإخواني’ الجديد في مصر، المدعوم من القوى الإسلامية الحليفة في دنيا العرب وعالم الإسلام . اجل، العدوان فرصة لتحرير مصر من قيود اتفاقات ‘كامب ديفيد’ وأحكام معاهدة السلام مع ‘اسرائيل’، كما هو سانحة تاريخية لإعادة ربط مصر بأمتها العربية وإستعادة دورها القومي، اقليميا وعالمياً. فماذا تستطيع قيادة مصر ‘الاخوانية’ القيام به في هذه الآونة؟.يتذرع بعض السياسيين بأن مصر تمرّ حالياً بفترة انتقالية عصيبة، تتخللها انقسامات واستقطابات واصطفافات كثيرة وحادة الامر الذي يقيّد حركتها ويحمل قواها السياسية على تركيز اهتماماتها على الساحة الداخلية، ولا سيما على مسألة صياغة الدستور الجديد.هذه الحال المضطربة حقيقة لا يمكن اغفالها، لكنها لا تشكّل عائقاً يحول دون اتخاذ مواقف نوعية من ‘اسرائيل’ ومن يشدّ مشدها. ذلك ان ‘اسرائيل’ واعتداءاتها ونصرة المقاومة الفلسطينية ليست قضايا خلافية في المشهد السياسي المصري. بالعكس، ثمة اجماع على ضرورة التصدي للكيان الصهيوني واعتداءاته المتكررة من جهة، وضرورة اعادة النظر، في الاقل، بأحكام معاهدة السلام معه إن لم يكن إلغاؤها من جهة اخرى.فوق ذلك، لا يستطيع الاخوان المسلمون ان يتناسوا تراثهم العريق في نصرة الفلسطينيين وقضيتهم، بل مشاركتهم المحسوسة في الكفاح المسلح ضد الكيان الصهيوني على مدى السنين الستين الماضية . كما لا يستطيع الاخوان المسلمون ان يتناسوا وحدة العقيدة ووحدة الجهاد مع سائر التنظيمات الاخوانية في بلاد العرب، وخصوصاً في دول الطوق، ولاسيما مع اخوتهم في ‘حماس’ و’الجهاد الإسلامي’.حسناً، اذا كان الامر كذلك، فما الذي تستطيعه مصر في هذه الآونة ؟ثمة حقائق اساسية يقتضي اخذها في الحسبان. اولاها، ان العدوان على غزة هو، بالمعنى الاستراتيجي، اعتداء على مصر في آن . ثانيتها، ان المقاومة المسلحة قديرة وقادرة على مواجهة العدوان والصمود فترةً طويلة ما يمنع العدو من تحقيق اغراضه وفي مقدمها ترميم رادعه العسكري المتآكل. ثالثتها، ان القاعدة الاساس التي يتوجب على النظام الجديد في مصر إلتزامها هي عدم العودة الى الوراء. فالعودة الى الوراء تعني، في مفهوم ‘اسرائيل’، إلزام مصر بلجم المقاومة في غزة بطريق إزالة الأنفاق لوقف تزويدها بالسلاح والعتاد، والحجر عليها في صندوق السلطة الفلسطينية التي اسقطت خيار المقاومة واعتمدت خط المفاوضات اللامتناهية مع العدو.في ضوء هذه الحقائق، تستطيع مصر القيام بالخطوات السياسية والإقتصادية والعسكرية الآتية: اولاً، دعوة ‘اسرائيل’ الى وقف عدوانها على غزة بلا قيد ولا شرط تحت طائلة تجميد احكام معاهدة السلام ومفاعيل ‘كامب دايفيد’ تمهيداً لفك إلتزام مصر بها في حال تصعيد العدوان.ثانياً، فتح معبر رفح على مصراعيه امام الفلسـطينيين لإمرار وتبادل الأشخاص والسلع من كل الانواع، بما في ذلك الاغذية والادوية والمساعدات الإنسانية.ثالثاً، حماية منطقة الأنفاق من اي محاولة اسرائيلية لتدميرها او اغلاقها، ومطالبة العالم برفع حصار’اسرائيل’ عن قطاع غزة.رابعاً، رفض دور الوساطة بين ‘اسرائيل’ والمقاومة الفلسطينية إلاّ بموافقة هذه الاخيرة وبالتنسيق معها .خامساً، وقف تزويد ‘اسرائيل’ بالنفط والغاز، والتهديد بوقف الإتفاق الإقتصادي المتعلق بتصدير المواد المصنّعة في مصر عبر ‘اسرائيل’ برعاية امريكا. إن حرص مصر على إشعار ‘اسرائيل’ بإلتزامها امن قطاع غزة وسلامة شعبه، وتصميمها على منع تصفية فصائل المقاومة او تجريدها من السلاح، والإضطلاع بدور حيوي في اعادة توحيد الفصائل الفلسطينية، كفيل بلجم ‘اسرائيل’ وإكراهها على وقف سياستها العدوانية، واعادة النظر بموقفها السلبي من قرارات الامم المتحدة ومجلس الامن الدولي.التحدي ماثل والفرصة متاحة وعلى مصر، حكومةً وشعباً، المبادرة الى إتخاذ القرار التاريخي المنتظر.’ كاتب لبناني