ياسر الأطرشلم يكتسب زياد الرحباني شهرته من انتمائه لعائلة الرحابنة ، ولم يتكئ على تاريخها ليصعد على أكتاف أبيه وعمه كما الكثير من شباب العائلة . زياد فنان بالفطرة التقط الكار فأتقنه ، في حضور عاصي الطاغي استطاع زياد أن يقدم ما ينافس ويتفوق ، وبعده استطاع أخذ النهر في مجرى ما كان ليحول ماءه إلى ملح أجاج بل بقي عذباً فراتاً سائغاً شرابه وبقيت فيروز هي فيروز ، ولو أن بعض الفيروزيين الكلاسيكيين رأوا في تجديد زياد خروجاً عن الإطار الروحي الذي وسم صباحاتهم بعطر ما أرادوا له تبديلا ، وهنا لا تخرج القضية عن صراع الحداثة والتجديد والأسئلة التي لن تنتهي حولها وما بعدها . آسرٌ زياد ويكاد يكون معجزة ، فليس أمراً سهلاً أن تجعل شاباً اليوم يجلس ثلاث ساعات إلى فيلمه الأميركي الطويل أو أن يقضي الليل بأسره في نزل سرور معه ، في زمن السرعة والاستهلاك يستطيع زياد أن يستوقفك لترتاح معه وتتعب . والآن ، ولأن الزمن أخذ في عرباته هاجس تقديس الأشخاص ، ولأننا بدأنا نتعلم كيف نحترم عملاً وننتقد صاحبه في آخر ، أصبح العقل النقدي يطال زياد لا شتماً وتجريحاً ولكن نقداً فنياً يناقش الأساليب والأفكار دون المساس بالشخص ولو أن ذلك لم يُنجز تماماً بعد، فالتشخيص علة مزمنة في العقل العربي لن يكون التخلص منها ممكناً دفعة واحدة، ولا ينبغي له أن يكون. ولكي لا يُتهم منتقدو زياد بأن مواقفهم الراهنة متأثرة بنسائم الربيع العربي تميل معه كيف يميل، فلنستذكر معاً أن النقد طاله فنياً في كثير من الأعمال الفنية التي قدمها للسيدة فيروز خاصة فيما تلى كاسيت (سلملي عليه) من أعمال . لزياد جموحه وجنونه ، لم ينكر عليه أحد ذلك ، لم أسمع من ينتقد شكله أو حلاقة شعره أو عزفه أحياناً في النوادي الليلية لتحصيل لقمة العيش . أما عندما يتصدى زياد لقضية شعب وثورة أمة ، فالحوار هنا يأخذ اللون الأحمر مرة ويتشح بالسواد مراراً. والسوريون ذاتهم الذين يطلقون صرخة غضب اليوم ضد زياد لم يعيبوا عليه سابقاً ولَعَهُ ‘بقائد المقاومة والممانعة حسن نصر الله’ عندما عبر زياد خاصة بعد حرب تموز 2006 عن ولعه هذا غير مرة . يمكن لأي سوري أن يتفهم ولو لم يوافقك الهوى محبتك لنصر الله (المنتصر) في 2006، ولكن لا يمكن لمن دفن شهيداً أو حلماً أو ترك ذكرياته في زاوية بيت مقصوف ومضى، لا يمكن له أن يتفهم ولعك بالسيد لافروف في هذا الوقت. فمحبتك هذه تعني بالضرورة كراهية لهم ودعوة للاستمرار في قتل أحلامهم ورإداتهم. هو نفسه يا زياد ، الشعب الذي تقف مع قاتليه وجلاديه ، هو نفسه من أحبك ورأى فيك صرخة في زمن الصمت ، صوتاً في الزمن المقطوع اللسان ، تمرداً في زمن الخنوع . وهذه بضاعتك السياسية رُدت إليك ، كاسدة وتالفة يا زياد ، فما عاد الأحمر يعني إلا الدم المسفوح ظلماً في شوارع وحواري كل مدائن وقرى سوريا، وهذا الاجترار لآية (الأعراب أشد كفراً ونفاقاً) أو فهمها كما أردتَ أنت وبعض المثقفين وإسقاطها على دول أو أنظمة بعينها أصبح مقيتاً. لم ولن أدافع عن ثقافة الأبراج ، ولن أستطيع أيضاً القول بأنك دفعت لبنان في مسار ديمقراطي عظيم ، فما زلتم هناك فرقاً وميليشيات تتقاتل ، مهددين بالتفتت ولا ضامن لوحدتكم إلا أنظمة ما وراء الحدود والبحار . ولو كنتَ وعيت دورك التاريخي أيها الفنان لعلمتَ أن الثورة استمدت من نسغك بعض سُكّرِها ، في رحلة تراكمها الطويلة . ذلك أن لحظات الإبداع تلك تبقى لنا ، وحبك لافروف يبقى لك وحدك .