يوميات من حرب إسرائيل (عامود السحاب) ضد غزة… الهروب من الموت ربما يكون للموت أيضاً

حجم الخط
0

من أشرف الهورالحدود الشمالية لقطاع غزة ‘القدس العربي’ الترقب والخوف من الموت هنا في قطاع غزة هو حال السكان بفعل الغارات المكثفة التي تشنها مقاتلات إسرائيلية منذ بدء الهجوم الجديد ‘عامود السحاب’ الأربعاء الماضي، غير أن نكهة الخوف تكون أشد وطأة عند سكان المناطق القريبة من الحدود مع إسرائيل، فهناك يعيش الغزيون تفاصيل الحرب بشكل أكبر، لترقبهم دخول أرتال المدرعات في أي لحظة، إيذاناً بهجوم بري سيخلف بينهم دمارا ًوقتلى كثيرين على غرار الحرب السابقة.فالحدود التي تربط قطاع غزة بإسرائيل سواء الشرقية أو الشمالية ليست طويلة بالقدر المعروف، فالأولى تمتد لـ 45 كيلومترا، والثانية لنحو ستة كيلومترات، لكن عدد سكان القطاع الساحلي المحاصر الكبير، إذ يقطن القطاع أكثر من 1.6 مليون نسمة فيه، تجعل هذه المناطق تكتظ بالسكان كباقي المناطق.ووجود منازل مأهولة بالسكان على مقربة من الحدود مع إسرائيل، حيث تتجمع على مقربة منها في الجانب الآخر من السياج الفاصل دبابات وأرتال عسكرية شرعت إسرائيل بحشدها منذ اليوم الثاني للهجمات، لتكون جاهزة لشن هجوم بري يجعل قاطني الحدود عرضة للموت في أي لحظة، فالسكان هنا لا تزال ذكريات الحرب السابقة ‘الرصاص المصبوب’ التي شنتها إسرائيل نهاية العام 2008، وأدت لاستشهاد 1400 فلسطيني، تسيطر على مخيلتهم، وتنفرهم بكوابيس ليلية زادت هذه الأيام، يرون أن هذه الحرب ستعيد ذات المشاهد المؤلمة من جديد.وشرعت إسرائيل بشن هجوم واسع النطاق منذ الأربعاء الماضي، بعد اغتيال أحمد الجعبري قائد أركان حركة حماس الحاكمة في القطاع يرتكز على قصف جوي يبدأ مع شروق الشمس من خلف السياج الحدودي الشرقي للقطاع، الذي يخفي أرتالا من الدبابات، وتظل أصواته تهز أركان منازل السكان حتى في ساعات الليل الأشد حلكة، وفتحت بذلك جولة جديدة من القتال، وأنهت تهدئة أرستها مصر قبل يوم واحد من اندلاع هذه الموجهات.ولذلك لم يعد سكان القطاع من أقصى جنوبه المتاخم لمصر، لأقصى شماله المطل على حدود إسرائيل، في منأى عن الموت، ولا يستطيعون العيش بالشكل الطبيعي بسبب الهجمات التي قتلت أكثر من 50 منهم، إضافة لإصابة أكثر من 500 آخرين.فقاطنو غزة من على اختلاف أماكن سكناهم، سواء في المدن أو في المخيمات التي تتلقى خدمات من وكالة الغوث الدولية ‘الأونروا’، أو حتى في البلدات الزراعية، لازموا البيوت، وخلت الشوارع من المارة، خشية من الهجمات، التي يقول المسؤولون عن قطاع الصحة أن إسرائيل تستخدم خلالها أسلحة محرمة دوليا.فحي الرمال وسط مدينة غزة وهو أرقى أحياء القطاع دخل في مشهد أكزوتيكي، فأوصدت المحال التجارية التي كانت في هذه الأوقات تعج بالزبائن أبوابها، وأطفئت أضواء واجهاتها التي كانت رمزاً لحيوية المنطقة.وتروي رانيا سمعان وتقطن في الناحية الغربية من الحي يومياتها مع الحرب، تقول أنها وأسرتها تتجمع على مدار ساعات اليوم، فالكبار تركوا أعمالهم، والصغار تعطلت مدارسهم، وتذكر بأن ما يحدث الآن شبيه للحرب السابقة، وتضيف ‘نتابع جميعنا النشرات الإخبارية عبر الفضائيات، ومحطات الراديو’، وفي ذات المنزل، تتواجد أسرة شقيقتها التي غادرت بيتها القريب من مقر أمني تعرض للقصف، ويراقب فيه الأطفال تطور الأحداث مجبرين كالكبار، فأخبار الحرب المتلاحقة لم تبق لهم وقتا لمشاهدة أفلام الكارتون، والغارات تجبرهم على عدم اللعب بالشارع.ولا تأمن هذه السيدة كثيراً على سكان منزلها، وتقول أن الطيران الإسرائيلي ضرب عدة أهداف قريبة من منزلها، وأن حوادث الغارات على المنازل التي قتلت أطفالا ونساء في مناطق متفرقة في القطاع تثير خوفها بشكل كبير. وبدا المشهد هنا في الرمال يتشابه إلى حد كبير أحوال الأحياء الواقعة على الحدود، لكن هناك يزداد الخوف أكثر، ففي الحرب السابقة لم يتمكن سكان الحدود من إجلاء جرحاهم بسبب التوغل البري للجيش الإسرائيلي، وقضى العديد منهم ممن نزفوا لأيام.فتشابه الأحداث دفعت بعدد من العائلات للهروب، في مشهد أعاد للأذهان نكبة العام 1948، حين أجبرت العصابات الصهيونية الفلسطينيين على ترك قراهم ومدنهم والفرار لمخيمات اللجوء في غزة والضفة الغربية وبعض الدول العربية.ففي بلدة بيت حانون وهي أول بلدة تقابله من ناحية الشمال وتتقاطع حدودها مع إسرائيل من الناحية الشمالية والشرقية، فرت من وطأة الهجمات وخشية من عملية توغل بري مرتقبة عائلة أبو عيشة وعدد أفرادها 28 شخص، حيث يقترب منزلها كثيراً من الحدود.ولجأت عائلة أبو عيشة الكبيرة لمنطقة داخل أحياء البلدة، اعتقاداً أنها ستكون أكثر أمنا، فرب العائلة ويكنى بـ ‘أبو إبراهيم’ وهو رجل مسن حزم مع زوجته التي كانت تذرف الكثير من الدموع، ما أمكن من أمتعة (ملابس وأغطية)، جلبت السيدة بعضها من خزن خشبية، وأخرى من على حبال عديدة توسطت باحة خارجية للمنزل أرضيتها من التراب، تستخدمها العائلة في أغرض عدة، وألقوها بدون ترتيب في قطعة كبيرة من القماش وحزموها، وحملها أبناؤهم على عجل ووضعوها على عربة يجرها حمار.وفي مشهد حزين وضعت أسرة أبو عيشة أطفالها أعلى الأمتعة، وسار الباقي لوسط البلدة سيراً على الأقدام في شارع زراعي وعر غير معبد، تأرجحت فيه العربة يميناً وشمالا.من تلك الطريق وطولها كيلومتران، كانت الحدود الشمالية للقطاع مع إسرائيل تظهر جليا، كانت يرى السياج الحدودي واقفاً وراء أراض زراعية هجرها ملاكها هذه الأيام خشية من الموت، لذا كانت الأسرة تعجل من خطوات الرحيل، فكانت أعينها على تلك اللحظة التي تصل فيها هدفها، وتبتعد عن منطقة التماس إذا باتت المكان أشبه بمدن الأشباح.المشهد الحزين هذا رغم أنه سجل في العام 2012، لم يختلف كثيراً عن مشهد الأسر الفلسطينية التي هجرت قسراً في العام 1948، فالهروب من الموت كان الدافع، والوسيلة (عربة الحمار) ظلت ذاتها، لكن هذه المرة خوف سائقي المركبات من الاقتراب من الحدود كان السبب، فلم يعد لأسرة أبو عيشة سبيل سوى (عربة الحمار).في بيت الأسرة هناك على الحدود، وقبيل الخروج بدقائق كان المشهد نيكروفيليا فالترقب والخوف من المجهول الذي لازم أفرادها الـ 28 طوال الأيام الثلاثة الماضية ظل سيد الموقف، فالأسرة الكبيرة التي قطنت غرفة واحدة في المنزل، اعتقاداً منها أنها الأكثر أمنا، على الرغم من أن سقفها تعلوه ألواح ‘زينكو’ وغير محصن بالباطون المسلح، اضطرت اليوم للخروج، مع تلويحات قادة تل أبيب بإمكانية توسيع الهجمات وصولاً لاجتياح بري.في تلك الغرفة جلس الأخوة وعددهم سبعة خمسة منهم متزوجون، واثنان، إضافة لأطفالهم، وعدد من زوجاتهم، برفقة الأب والأم الكبيرين، الشبان كانوا ينفثون دخان السجائر بقوة، في مشهد توتري، زوجة أحدهم جلست وسط أطفالها الأربعة، ووضعت أصغرهم بين يديها، كانت لا تخفى دمعاتها حين تنظر إليهم، والصغار بدا عليهم علامات ترقب الحرب، فالأم لم تعد تهتم كثيرا بترتيبهم على الحالة السابقة، فكانت مثلا ضفائر الصغيرات غير مرتبة.وحين سئل أبو إبراهيم رب الأسرة عن سبب الهروب، أجاب بأن منزل العائلة أصيب في اليوم الأول للهجمات، بصاروخ أتى على أجزاء منه وأصاب بجراح أبنائه، ويواصل حديثه ‘في الحرب الماضية دخلوا (الجيش الإسرائيلي) وخايف أن اليهود يدخلوا هل مرة (هذه المرة) ويقتلونا’.زوجة أحد أبنائه وتدعى ‘وداع’ تحدثت عن لحظة القصف للمنزل ‘حملت أبنائي وهربت للشارع، والجيران ساعدونا وأسعفوا المصابين’، وتضيف بحرقة ‘أنا خائفة بديش (لا أريد) يقتلوا أولادي ونموت’، وتقول أن جيش إسرائيل ‘بيتعمد القتل’. في بيت هذه العائلة وهو منزل بدائي ويظهر ذلك جلياً من أركانه، كانت غرفة نوم أحد الأبناء المتزوجين مليئة بالحطام، بفعل الصاروخ، وقالت لحظة الخروج من المنزل الأم الكبيرة وتكنى بأم إبراهيم ‘حاسة إني في نكبة كبيرة’.ويمكن للموت أن يطول عائلة أبو إبراهيم رغم الهروب، إذ يمكن أن تصلها الصواريخ الإسرائيلية التي تضرب وسط الأحياء السكنية، وكما حدث مع عائلات غزية في الحرب الماضية، فالروايات عن سكان اصطادهم الموت بالصواريخ وسط الأماكن التي اعتقدوا أنها أكثر أمنا، بعد الهرب من الحدود كثيرة، ولم تزل تتداول في المجالس. ففي الحروب الإسرائيلية ضد غزة لا توجد محرمات، خاصة وأن قادة تل أبيب العسكريين والسياسيين يصرون على ‘إعادة قوة الردع’، وهو ما يفسره السكان على أن الهدف منه إيقاع عدد أكبر من الضحايا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية