المياه كلها بلون الغرق: شبه قراءة لشذرات علي عاشور

حجم الخط
0

نذير الماجدصدرت عن ‘دار مسعى للنشر والتوزيع’ في مملكة البحرين للشاعر السعودي علي آل عاشور مجموعته الأولى تحت عنوان ‘عين في إصبع’ في 96 صفحة من الحجم المتوسط. المجموعة تمثل باكورة أعمال الشاعر الذي لجأ إلى فن الشذرات، الأمر الذي أضفى على العمل صفة المغامرة الثقافية، وكأنه بذلك أراد أن يقلب المسار الشائك والمنتهي عادة بتقليص لغوي لكي يعيد النهاية إلى بداياتها، ضمن هروب متجاسر إلى الأمام.افتتح عاشور مجموعته الشذرية باعتراض واستهجان يستبطن إدانة لما هو خارج الذات، للعالم الذي يبدو في عينه أحولا، ‘العالم أحول’ و’الواقع ممسوخ’ وهو لذلك كاذب يحث الذات المعتصمة داخل سياج اللغة على اعتزاله، عزلة تؤسس فعلا، فالعين الرائية هي إصبع يناوش العالم، إصبع ليس فقط يشير وإنما يحرك، عين تحرك العالم وإصبع يرى، هكذا يفاجئ الشاعر المتلقي منذ البداية، بدءا من عنوان ملتبس يثير دوارا لدى المتلقي ويحرك عالمه الذهني نحو موضع تكتمل فيه الإشارة. والشذرة إشارة، إنها رؤية إشارية تتحول على مستوى اللغة إلى شذرات، فاللغة هنا خطاب تشطيري بالضرورة، خطاب يوحي باستمرار إلى ما هو مسكوت عنه في بنية الخطاب. ثمة مساحة فارغة دائما، أرض بكر، وطن شاغر، غموض متأصل لا يمكن نفيه، وهو غموض يفتح النص محتضنا وفرة لا نهائية من الدلالات. اللغة هنا تكره الامتلاء، ولذلك لا مفر من الغموض الذي يساهم في استغلاق النص، ليس فقط لطبيعة النص اللامكتملة وإنما لطبيعة العالم ذاته، فانفتاح النص تستلزمه طبيعة هاربة للعالم، وانسحاب العالم وتمدده يسلتزم تشييدا لا نهائيا للمعنى، وباتساع المعنى تضيق اللغة، تتكثف، تتشذر ثم تصبح إشارة.وفي التكثيف توظيف لكل إمكانات اللغة، بما فيها علامات الترقيم، لأن العلامة في كل نص إشاري كلمة، كما أن الكلمة علامة، بقدر ما تبدو الشذرة هي نفسها كلمة أو موقف! فالترقيم خاصية جوهرية في الكتابة الشذرية. حيث يتأثث النص بالفراغ والإمتلاء الرقمي، فالشذرات هي أرقام، تكرار لشيء ليس هو نفسه، تكرار يبرره التماثل، لأن كل شيء فيه كل شيء، وكل إشارة هي لغة يتكثف في داخلها الخطاب، إذ يمكن للشذرة أن تختزل الرؤية أو العمل الشعري برمته، و بإمكان المجموعة بكاملها أن تتقلص إلى أن تصبح كل شذرة من شذراتها، أفلا يجب والحال كذلك أن نعذر المتلقي لو باشر النص بصورة انتقائية؟ فالاختيارات مفتوحة، والنص ذاته بما هو نص شذري آخذ في شرعنة القراءة الانتقائية المثقلة بطبيعتها بإسقاط ذاتي، الدلالة تنتج بعد صراع متأرجح بين ذاتين، بعد صدام أو حوار بين تراثين. والتأوئل، كل تأويل، هو بالتعريف الهرمونطيقي المعاصر ليس سوى اصطدام بين آفاق.الكتابة الإشارية تتأثث بحشد من العلامات والاختيارات المزاجية ،والشاعر هنا متعسف، يقطع التتابع الهذياني والمفتوح دائما على الإضافة بنقطة أو علامة استفهام أو تعجب، ليترك القارئ في حيرته، لكنه تشويش متعمد، فبما أن ‘الواقع المجتر يقطن في بطن الجمادات’ كما يقول علي عاشور، فإن العالم الذهني والواقعي معا بحاجة ماسة إلى اهتزاز، إلى تشويش مقصود، حتى يعاد ترتيب الصورة والرؤية معا، وكل ذلك ضمن اختيارات اعتباطية للجهة.تسع جهات تشير إليها عين عاشور، تبدأ ببؤبؤ وتنتهي ببحبوحة سمراء، وبينهما يتبدى اتساع لا نهائي لعالم شاسع، هو عالمه، عالم مكون من جزائر مغلقة بلا جسور أو نوافذ، كيف استطاع الشاعر أن يحتويه في لغة؟ إنها مجازفة ومغامرة ثقافية ولاشك، جرفت الشاعر ومعه المتلقي وأخذتهما إلى كون من الغبطة والجرأة ولذة الاكتشاف. يقارب الشاعر الوجود ويحتك به بتدفق ثري لمكنونات الذات، فإذا به يصطدم بتنافر صارخ بين شح الوجود المعطى وتأجج الوجود الداخلي، المعطى مخلوق والشاعر خالق، واللغة كما يمكن لأي فيلسوف ذاتي أن يقول، هي ‘بيت الوجود’، الشاعر إذن هو نصف إله يمنح المتلقين بركات المعنى، من هنا أمكن لعاشور أن يقول مفتتحا جهاته ومفصحا عن هويته كشاعر: ‘أشتهي العبث في تركيبة الخلق أحيانا! مثلا.. أن أضع الدماغ والقلب مكان الأذنين..’ القلب أو العقل مكان الأذن؟ هل نلمس انحيازا ضد الخطاب المكتوب وعودة لما هو شفاهي أو منطوق؟ هل يريد عاشور أن يعيد الاعتبار للمسكوت عنه والذي طمرته احتجابات كرستها استيهامات منطقية تجمد اللغة كما تسعى في عملية إكراه وتزييف أعمى لتثبيت العالم؟ ربما، لكننا نعرف أن اللغة بدأت هكذا قبل السقوط من جنة التواصل الشفهي لتتجمد في سكون وطمأنينة ووداعة كاملة في جنة اللوغوس وتجريداته. ويبشرنا القديس بولس بعد السقوط بأن ‘الخلاص يأتي خلال الآذان’. الشاعر علي عاشور يتسم بجسارة الخلق، يتوغل في ذاته لكي يعيد خلق العالم، ولا يتأتى له ذلك إلا بعد خروج، بعد هجرة، نفي إرادي من موطن ممسوخ، خروج من عالم منبوذ ودخول في ذات عابثة، لكي يعود إلى عالم مزاح ومتحرك بإصبع، وفي الحركة تدشين للاسترخاء، فبعد الاختمار والمجاهدة الجوانية يعود إلى العالم وقد تصالح معه، أصبح وطن. إنه الفعل الوجداني الذي ينحاز إليه عاشور: ‘على الشارع فتحت بابا دون جدار… على الرصيف كسرت النافذة.. على القلب فتحت عينين ونمت’.وهذا الفعل الوجداني مسكون بالتمرد، فشاعرنا يمارس النقد مثل مفكر نقدي، ويدين السائد والخمول المتفشي والوعي الزائف مثل ثوري حانق متأجج بحاسته التغييرية، كأنه بذلك ينثرن الشعر، وهي خاصية أخرى يمتاز بها فن الشذرات، فالشعر يبتعد عن النثر بقدر ما يلتصق به، وليس للشاعر الذي يرفض الكائن ويشير في ذات الوقت إلى ما ينبغي أن يكون إلا اللجوء إلى تلميحات شعرية تتيحها الإشارة، وهذا تقليد أدبي يتجاوز الثقافة وينجرف نتيجة لذلك في شلال الأفكار الشاذة والمتسمة بنزقها الثوري، منذ هراقليطيس، الفيلسوف الساخط والمتأجج عنفا رمزيا، والذي دشن الخطاب الإشاري المشحون برمزيته وصوره الشاعرية وهو الذي قال: ‘إن الرب الذي تقوم معجزته في معبد دلفى، لا يفصح ولا يخفي ولكنه يلمح’ مرورا بالظاهرة الثقافية المميزة التي تتواشج كثيرا في شكل الخطاب دون أن تتفق ضرورة في مادته ومحتواه، أعني ظاهرة الشطحات التي كرسها الأدب الصوفي، متماهيا مع غيره من الظواهر الإبداعية في سوق الأدب، وانتهاء بنماذج معاصرة تتوزع بين ‘جبران خليل جبران’ ذلك الرومانسي الفذ، ونيتشة الناقم على كل ما هو موضوعي، وسيوران المتهكم والمتشائم والذي لا يرى في المياه إلا لون الغرق..أما شاعرنا فهو منغمس في ذاته منشغل بقهر ‘أورام الفكر’ والماء لديه مفاز لغوي ‘لعوالم مستقبلية’.*كاتب من السعودية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية