أ. د. علي الهيللم يفاجئنا لكنه فَجَعَنا، عندما ناقش الزميل (داوود الشريان) مقدم برنامج ‘الثامنة ‘ على تليفزيون MBC 1 بجرأته المعهودة، قبل شهر تقريباً، ظاهرة تدني رواتب الشابات السعوديات والشباب السعوديين، إلى درجة المهانة. في لقاء له مع إحدى الشابات السعوديات من مدينة (جدَّه)، وهي مثال على مئات الشابات السعوديات، قالت الشابة التي تعمل محاسبة أو (كاشيره حسب اللغة الدارجة لأهل جده): إنها تعمل في محل بقالة متميز (سوبر ماركت)، إلى ما بعد منتصف الليل، براتب قدره ثلاثة آلاف، وتدفع ثمن المواصلات يوميا ذهابا وإيابا، من راتبها، وعندما سألها (الشريان) وكم يتبقى من راتبك بعد دفع ثمن المواصلات …هل يَصْفى لك ألفا ريال؟ فردت عليه بحسرة شديدة: ‘أقل’. والصورة بالنسبة لرواتب الشباب بنفس السوء وبعضها حتى أكثر سوءاً.أنْ تجيء إثارة موضوع حساس كهذا، يمس كرامة الإنسان المواطن السعودي بنت أو إبن البلد في الصميم، في وقت يثور فيه العالم العربي على ظلم الحكام الحراميهْ وجبروتهم وطغيانهم وسرقاتهم ونهبهم المال العام وتهريبه في شكل سيولة وقصور فخمة شاهقة وأبراج تناطح السحاب وشركات استثمار وأشكال أُخرى، فهو أمر يتطلب المراجعة والتحسب لإنفجار الشارع السعودي على امتداد مدنه وقراهُ. الكل يتوقع إندلاعه في أي لحظة لأن الوضع الشعبي أكثر قتامة ومأساوية مما صوره البرنامج.لو كنت في مكان القيادة السعودية، والتي أنا شخصيا أجل وأحترم رأسها (خادم الحرمين الشريفين) الملك الرقيق الطيب، ذا القلب الواسع، لَوجهت للبرنامج الشكر، لأنه أطلع القيادة على أمور غائبة أو مغيَّبة عنها من الأمراء وأصحاب رؤوس الأموال الضخمة الذين يقودون القطاع الخاص والذين يشتركون مع الأمراء في الأهداف والغايات ذاتها، والذين إن لم تتم محاسبتهم على ما يقترفونه في حق الشابات والشباب من إذلال من خلال رواتب لا تسمن ولا تغني من جوع، فإن القيادة غدا عندما ينتفض هؤلاء الشباب عليها ستعض أصابع الندم لأنها سمحت لأولئك الجشعين الأنانيين أن يغيبوها عن نبض الشارع السعودي المحتقن حتى الحشرجة. إن السعودية ليست محصنة ضد الإحتجاجات والتي تُعتبر تلك الطائفية منها محدودة مقارنة بالمطالب الشعبية الحقيقية للشعب السعودي، الذي لا يمتلك ما نسبته زهاء 70′ سقوفا فوق رؤوسهم تقيهم حر الصيف وبرد الشتاء، وإنما يسكنون في منازل بالإيجار، وملاكها معروفون لدى الشعب السعودي الذي لم يعد يُطِقْ ظروف معيشته، وكثير منها متهالكة لمن يريد أن يذهب ويرى خارج أسوار الحرمين في (مكة والمدينة) وخلف مظاهر المدنية الحديثة في (الرياض وجده والدمام) وغيرها. ‘لا يكاد يصدق أحدٌ، أن بلدا تعد إحدى أغنى بلدان العالم، مثلاً – تتقاضى فيه الموظفة السعودية والموظف مبلغ ألفي ريال، وعلى طول الحدود السعودية من الإمارات على الخليج العربي إلى (مكة المكرمة) على مقربة سبعين كيلو متراً من البحر الأحمر، لا يجد المسافر بالسيارة إستراحة ودورات مياه وحتى مساجد تليق بالإستعمال الآدمي. نحن هنا نتحدث عن بلد يصدر يوميا إثني عشر مليون برميل من النفط، دعك عن الموارد الضخمة الأخرى، وفيها آلاف الأمراء والتجار من اصحاب المليارات، في حين أن أكثر من ثلاثة أرباع المواطنين السعوديين، الواحد منهم (مديونير) أي مثقل بالديون للأمراء والتجار والمتنفذين بالقطاع الخاص.ملاحظة: (العومة) في اللغة الدارجة لأهل الخليج العربي هي سمك السردين الصغير، رغم أن رائحتها قوية إلا أن طعمها لذيذ. ‘ أستاذ جامعي وكاتب قطري