مخاوف مشروعة لحماية مهرجان القاهرة السينمائي

حجم الخط
0

حتى لا تتحول الاحتفالات الثقافية إلى مراسم جنائزيةالقاهرة القدس العربي من كمال القاضي: في ظل تحديات صعبة وموجات من العنف والحرب ضد الإبداع والمبدعين انطلقت مهرجانات فنية تعلن تحديها لإرهاصات التقويض والإقصاء والتحريم وتذكر الجمهور بالتاريخ الفائت للموسيقى والسينما والمسرح والفن التشكيلي كأدوات تعبيرية تسمح بإعادة انتاج الواقع ووضعه في صور فنية للتأمل، وهو عمل إبداعي يستحق التقدير ويتطلب الاهتمام، غير أن المرحلة الراهنة باتت تفرز أسوأ ما فيها، نوازع الكراهية والعداء للجمال بكل آياته ومعانيه.وسط هذا الإحباط ودعاوي الرجوع للخلف مئات السنين بدأت فعاليات مهرجان الموسيقى العربية بمراسم احتفالية تشبه الطقوس الجنائزية في حفلات الوداع والتأبين، فقد مرت المناسبة مرور الكرام دون أن تُحدث دويها المعتاد كأنها ذكرى تجددت قسراً برغم أنف القائمين عليها، حيث لا صدى لحفلي الإفتتاح والختام ولا ضجيجا للجوائز، ما يتم من مظاهر احتفالية هو تحصيل حاصل ليس أكثر ولا أقل.وبالطبع كان هذا الفتور سبباً كافياً لتحجيم التغطية الإعلامية وانطفاء بريق المهرجان الموسيقي التاريخي الكبير فلم يشفع للمناسبة وجود نجوم كبار من مصر والدول العربية الشقيقة أمثال هاني شكر وعلي الحجار ومحمد الحلو وأصالة وكارولين سماحة وسميرة سعيد وأنغام ونخبة مختارة من اصحاب الحناجر الذهبية والأصوات الغنائية الرقراقة.ما يمكن أن يقال عن تفسير هذا الصمت تجاه المهرجان الأشهر والأفضل من نوعه هو أن الخطب اكبر من محاولات التغلب على الإحساس المفزع بأن الفن في خطر حقيقي طالما توالت صيحات الرفض والتسفيه والتهديد والوعيد وإطلاق فتاوى النيل من المبدعين والفنانين والعزم على هدم الآثار والتماثيل بزعم انها أصنام لا تنفع ولا تضر!خطاب يشابه في فحواه ومحتواه دعاوي الجاهلية الأولى ورجع لصدى شعارات وعبارات ترددت قبل 1600 سنة تتجاوز كل الأزمنة والمراحل وتتجاهل كل التطورات والتحديثات والمفاهيم، فقط تقف بنا عند حدود الحياة البدائية وجغرافية المحيط ‘القرشي’ نسبة إلى ‘قريش’.لقد حلت مواعيد إقامة المهرجانات الفنية، الموسيقية والسينمائية متزامنة مع مرور البلاد بمتغيرات ثقافية كان متوقع لها أن تكون حاملة للخصائص الإيجابية بعد الثورة فإذا بها تأتي حبلى، بكل الجينات السلبية المتعارضة مع الروح التلقائية للمجتمع المصري العاشق أهله للفن والفكر والإبداع.الكلام والوصف والفعل ثلاثة عناصر ليست بعيدة عن مهرجان القاهرة السينمائي الذي يتأهل للانطلاق في غضون الأيام القليلة القادمة بعد فترة من الانتظار كانت تنذر بتعطيله لولا جهود المخلصين من أصحاب العقول والمواهب التي حالت دون تعرضه لمصير عبثي بعد عمر مديد من التألق والنجاح، وبرغم وقوف هواجس المهرجان السينمائي على قدميه مرة أخرى إلا أن هواجس الخوف لازالت تحيط به فليس من معنى منطقي أن تكون خطوات الاستعداد لإقامة دورة ناجحة قائمة على قدم وساق ومعاول الهدم يشهدها الخصوم ممن يرون الفن مجوناً وفجوراً في وجه رموز الفن ومواهبه الكبرى، أتصور أن الأهم من الاتفاق على الأفلام ودعوة الضيوف وتحديد برامج المسابقات إسكات الأصوات المنددة المهددة فذلك أولى من إقامة المهرجان فو حمم من البركان.إن الأخطر في صيحات الرفض هو ما يترتب عليه من ردود أفعال عالمية تترقب مثل هذه المهرجانات لتعرف منها اتجاه البوصلة في بلاد الثورات العربية، ومنها تتأكد أو تنتفي سلامة الوضع الأمني فتصعد أو تهبط مؤشرات السياحة وهذا ما لا يعرفه الهجوميون الكارهون لكل تجديد، سؤال لابد أن نطرحه على أنفسنا، هل يمكننا استضافة نجمة عالمية شهيرة في حجم ديمي مور أو نجم في قيمة وقامة مارلون براندو وسط هذه الغوغائية، وهل لو حدث وجاء أحدهما ترى ستخرج الآلاف في استقباله كما حدث مع اميتاب باتشان عام 91 عندما شكل الاحتفال به ظاهرة شعبية غير مسبوقة جعلت من إجراءات تأمينه معضلة كبرى؟، أشك أن يتكرر هذا الفعل الآن اللهم إذا خرج الكارهون أفواجا لرجم براندو أو مور بالطوب، انه الفارق بين مرحلتين وثقافتين متناقضتين متضادتين فشتان بين رجل مثل سعد وهبة كان يؤمن بالثقافة كوسيلة للحوار الراقي البناء وسعد آخر يرى في السينما فعل فاضح ورجس من عمل الشيطان يستدعي الجهاد ضد الكفرة الملاحدة!تذكرت لتوي كيف استقبل سعد الدين وهبة الرئيس الأشهر لمهرجان القاهرة السينمائي النجم الكبير أنتونني كوين بطل فيلم عمر المختار الذي كانت زيارته للقاهرة حدثاً عالمياً أكد حضارة هذا البلد الأمين وأعطى ملمحاً تنويريا لأهله ورموزه.وخطرت على بالي كذلك معاني التقدير الخاص للكاتب والمفكر اليهودي المعادي للصهيونية والمدافع عن حقوق الأشقاء الفلسطينيين روجيه جارودي الذي استضافه وهبة أيضا في إطار التعبير عن الإعجاب بدوره النضالي وتثمين جهوده المثالية المخلصة، كانت مبادرة سعد وهبة للاحتفال بالمفكر الراحل سبقاً سياسياً، ثقافياً، إعلامياً، استشاطت له إسرائيل غضباًَ ووضعت محمد سعد الدين وهبة، الكاتب والمثقف والمبدع في خانة الأعداء حتى أنها احتفلت بيوم وفاته لمدة 24 ساعة في وسائل إعلامها.رحم الله من قدر الثقافة حق قدرها وطوعها لخدمة القضايا الوطنية وأزال عنها شبهة الحرام.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية