الحكي كنغمات جمالية

حجم الخط
0

‘الأمنية الأخيرة’ لهدى توفيق:د. محمد سمير عبد السلام تؤكد كتابة هدى توفيق القصصية أصالة العالم الداخلي للمرأة، وإعادة تشكيل الذاكرة في مشهد الكتابة، وتداعياتها، والبحث المستمر عن تجدد الهوية الإبداعية من خلال الجدل الممتد بين الذات، والصور، والأخيلة المختلطة بالسياق الواقعي النسبي في لحظة الحضور.وتبدو هذه الدلالات بوضوح في مجموعة هدى توفيق القصصية ‘الأمنية الأخيرة’ الصادرة عن ورشة الزيتون بالقاهرة سنة 2012؛ فالساردة تعيد تشكيل الانفعالات الإنسانية الأنثوية في سياق متجدد للخصوصية، وتجلياتها الفريدة التي تقع في المسافة بين أصالة الصوت الداخلي، والنغمات الواقعية المتنوعة في لحظة الحضور؛ إذ تتجدد بكارة البدايات دائما في سياق بحث الشخصية عن هوية متعالية، ومختلفة.وتتميز كتابة هدى توفيق في هذه المجموعة بالتجريب في الكتابة السردية؛ فالقص وسائطي بدرجة كبيرة؛ لأنه يتعلق بعالم الشخصية الداخلي، بينما تذوب المسافات بين الوعي، والواقع، ويختلط الحكي بتداعيات الأخيلة، والصور؛ فالسرد هنا تصويري، وكثيف، ويقوم على الجمع بين التداعيات الشعرية، والفجوات التي تعزز من الفاعلية التأويلية للقارئ، وأرى أن قدرة الكاتبة على تحويل العلامات، والوحدات السردية إلى نغمات، وإيحاءات تشكل معزوفة فنية فريدة للاتصال الروحي بين النص، والقارئ المحتمل؛ فالإيماءات الجمالية المتولدة عن التداعي الكثيف للسرد تتولد من حالات داخلية متنوعة، وتكوينات مجازية ذات دلالات قابلة للتجدد في الآخر المحتمل؛ ومن ثم تعكس الكتابة تفاعلية الصوت الأنثوي، وأصالته فيما وراء السياق العلاماتي.ومن أهم التيمات الفنية في المجموعة:أولا: العلامات المجازية للأنوثة.ثانيا: بين صور التلاشي، واستشراف البدايات.ثالثا: نغمات جمالية.أولا: العلامات المجازية للأنوثة:تتراوح إشكاليات النوع، ودلالاتها الفنية، والفكرية في قصص هدى توفيق بين البحث عن الهوية، ومسارها الإبداعي، والتجلي الجمالي لمدلول الأنوثة في بعض العلامات المجازية، ومدى تطور دلالاتها في تداعيات الكتابة، ووعي البطلة، وقدرتها على تأويل لحظة الحضور النسبية في العالم؛ مثل الماء، والغرف المغلقة، وصورة الطفلة الافتراضية، والمرآة، والرحم، والصحراء، وغيرها.إن هذه العلامات تعيد تشكيل الهوية الداخلية للأنثى في بدائل جمالية اختلافية؛ إذ تعكس تفرد البطلة، وعزلتها، وتحققها الإبداعي الآخر في فعل الكتابة الذي يتجاوز البنية الداخلية للمرأة من داخلها؛ فالعلامات المجازية تعكس الخصوصية، وتجددها في الاحتمالات التأويلية للنص في الوقت نفسه.وتتشكل علامات الأنوثة من الاتصالية الجمالية بين الإحساس بالتفرد في وعي، ولا وعي البطلة، والعلامات المجازية المتجاوزة لسطوة الفقدان، والغربة في السياق الواقعي للبطلة، وتبدو هذه الرؤية بوضوح في قصة (الحزن لا يجيء دفعة واحدة)؛ إذ ترصد البطلة الشقاق بين الشعور بالهوية الروحية، ولحظة التحول إلى السكون السلبي، والصمت العبثي.تقول: ‘في البدء كنت أنثوية، وبعد أن جاء الظلم، والصمت جلدني صوت الحقيقة، فصرت باردة كالليل، جافة كالصحراء، كأني كنت مسافرة بلا طريق’.إن لحظة التحول هي لحظة فقدان جذور الهوية الممثلة في علامة (الطريق)؛ وكأن التفرد هو الأصل الذي يعتريه التلاشي المؤقت، ويلاحظ المتتبع لعلامات الكتابة في نصوص هدى توفيق أن بدائل نقص الخصوصية، أو فقدانها؛ مثل الليل، والصحراء، والصمت، وغيرها تشكل بصورة خفية نسقا جديدا للصوت الأنثوي يتجاوز حالة التحول السلبي من داخلها؛ إذ إن الكتابة الشعرية توحي ببدايات جديدة محتملة للصوت، وتستمد طاقتها من جذوره الطبيعية في اللاوعي.وتتواتر وحدات النص بين فقدان الرجل، وصور البطلة وحيدة بين الموتى، والغجر، والبربر، واللون الأسود حتى يصدمها قطار شارد، ويلاحقها الطوفان، وتغيب دلالة الرحم عن جدران الغرفة، بينما تتأمل أشكال التحول في موجات البحر، وتتذكر لحظات الرسوب، والانتظار العبثي، ثم تتمنى طفلة صغيرة.إن مسار فقدان الأصالة في النص يتجه في تداعيات الكتابة إلى بعث استعاري للهوية الداخلية في علامات البنت الافتراضية التي تمثل ولادة جديدة للصوت، والرحم التي تتهيأ لاستبدال الجدران الغريبة الصامتة، بينما تجسد تشكلات الأمواج عودة حلمية إلى سكون الأنوثة، واتساعها في لاوعي المتكلمة، ويستعيد فعل الحكي بحد ذاته الروح الفنية المتعالية للبطلة، والتي تناهض هيمنة الفقدان، والوحدة، والحزن.ويتعارض الضمير الأنثوي مع الضجيج، والعبث في الواقع في قصة (الأمنية الأخيرة)؛ فالبطلة تواجه العالم من جحر؛ لأنها تشعر بالاغتراب عن هيمنة السطحية، والخواء، والعنف، والتكرار، ولكنها تواجه تلاميذها بجملة المستقبل لكم، وتتوضأ بالأمنية الأخيرة، وكأن علامة (الطهارة) هنا تمثل محو ندب العنف الواقعي، وأمنية لوجود آخر استعاري يبعث في داخلها الوهج الأول للحياة.وتجسد الساردة تناقضات الوحدة بين تأكيد الصوت الأنثوي، وأصدائه التي تملأ فراغ الشقة، والمخاوف الداخلية المتولدة عن الأصوات الغريبة في قصة (الوجه الآخر من الوحدة)؛ فالبطلة تتوهم التهديد عند طرق عامل النظافة على الباب، ثم ينبعث صوت بكاء طفولي داخلي يجلجل المكان.لقد تصاعدت نغمات الهوية في الاتحاد بالمكان كبديل عن خصوصية الروح، وتصاعدت معها نغمات الغربة الداخلية الممثلة في الصوت الآخر الداخلي؛ وكأن الحضور الآخر يتسم بتناقض ذاتي متجدد لا يمكن محوه، أو هيمنته على الصوت الأول في الوقت نفسه.وتتصاعد سطوة العنف ضد البطلة في قصة (امرأة حزينة)؛ إذ تعاني من التهميش، والطرد بسبب مسألة الإنجاب، ولكن صوتها الداخلي يتفاعل مع الأشجار، والبحر وتحاول الانتصار على النبذ، والإهمال بإعادة تشكيل الذات في أخيلة الماء، وسكونه الداخلي، والتحقق الافتراضي للخصوبة القديمة.و تظل معلقة بين الموت العبثي، والاندماج الحلمي بالأخيلة، والحركة المجازية للعناصر الكونية.وتستعيد البطلة سؤال الهوية (من؟) في نص (نظرة في المرآة)؛ إذ تغترب عن تلك الصورة في المرآة، وتربي أبناءها، ثم تنقل المتلقي إلى رتابة اللعب في دريم بارك، وكأن تلك التأملات محاولة جديدة للبدء، والتخلص من الرتابة، وانتظار الموت.إن البطلة تحاول استرداد الحضور الأول للمرآة، أو بعث طفولتها الاستعارية خارج منطق التكرار، والمباشرة؛ فالمرآة الأخرى هنا معلقة بقدر تأجيل سؤال الهوية نفسه.وتتأمل الساردة مشاعر الوفاء بين الرجل، والمرأة من منظور يرتكز على النوع؛ ليتجاوزه في قصة (الجوهر)؛ فقد حزنت المرأة عقب وفاة الزوج، ثم خفت الحزن تدريجيا، وتناقش الساردة هذه الإشكالية انطلاقا من النوع، ثم تتأمل أفكار الجوهر، والخلود، والبقاء، وتعود إلى فكرة النفس، ومدى نقائها، وتعاليها عن مقولات خصوصية النوع.ثانيا: بين صور التلاشي، واستشراف البدايات:ترصد الساردة لحظات الانكسار، والتلاشي داخل الشخصية، وخارجها؛ كي تبرز العلاقة المعقدة بين أصالة الصوت الإنساني، ومعاناته، وقدرته على استشراف البدايات الجديدة خارج مركزية الحتميات، والتهميش، وصراع المصالح، والقوى المتعارضة في العالم، وتنحاز الساردة إلى الوجود المجرد لذلك الصوت في حزنه، وانزوائه، وولاداته الجديدة، والمتكررة.تختلط صورة الجدة بالعالم الداخلي للبطلة في قصة (ليلة رمضانية)؛ فالبطلة تعاني من تجدد الحزن المتمثل في انكسار النظارة، ثم تقاومه باستعادة بهجة ليالي رمضان، وترسم صورة للجدة تنبع من داخل أحاسيس التهميش، والقهر، والتمرد الذاتية؛ فهي تبكي عندما تتذكر وفاة زوجها، ومعاناة المرض، ولكنها تبدو كالهرم، وتطيل الذكر، والسجود، وعقب وفاتها تشعر البطلة بالخوف، وتهديد اللصوص.ثمة تشكيل جمالي للتلاشي، والغياب في النص؛ فالجدة تولد من أحزان البطلة، والأخيرة تتصل بأخيلة الجدة عقب وفاتها، وكأن الولادة الجديدة تلازم الغياب؛ ومن ثم تفكك مركزيته؛ فالاتصال الروحي يحتمل وهجا متجددا للبدايات، وتؤكد تداعيات الكتابة هذا التصور؛ فحجرة البطلة تشبه الزنزانة كحجرة الجدة.إن التجدد بحد ذاته يناهض النهايات، وكأن الغياب يوحي بحياة جديدة مجازية، ومجهولة، ومعلقة في امتداد القيم الجمالية المتجاوزة للموت العبثي السريع، والغريب عن أصالة الصوت الإنساني.وقد يعاني الصوت من التهميش، والانسحاق أمام صيرورة المصالح، والقوى في قصة (أوهام عبد الباقي)؛ فالبطل الذي توقع تهنئة بالشفاء بعد مرضه، وإحساسه بالفقدان، والمعاناة في المستشفى، يقصى إلى الأرشيف، ويبكي لرفض الوظيفة له. إن الإحساس بالفراغ يغيب الهوية، ويبعثها من جديد في صرخة التمرد التي تجسد التطلع إلى ماوراء حتميات الواقع التي تستبق النهايات؛ فينفك حضورها المركزي من داخل قهرها للشخصية، بينما يعاين الصوت ولادته في الفراغ، وجمالياته الطيفية.وتهيمن دلالات الغياب على البطلة من خلال مشهد الانتظار، وتكراره الدائري في قصة (ركلة الزمن)؛ فمشهد وداع الرجل ممثلا في صورة القطار، وأصدائها في الوعي يلح على الذاكرة؛ فتتصاعد نغمات الرحيل، وتتناقض مع استشراف البطلة لبدايات جديدة يتشكل فيها الصوت مستعيدا لحضوره الأول في علامات استعارية جديدة في المستقبل.تقول: ‘تووووت .. الآن أتقيأ كل الذكريات المتراكمة منذ القدم فيعاودني ألم المخاض. فلألد .. فلألد الآن .. الآن، ولتكن لي بنت تجيء من بعدي .. تووت .. قال سلام عليك’.نغمات الانتظار تولد الغياب، والولادة الجديدة في الوقت نفسه؛ فأصداء القطار التي خلفت شعورا متجددا بالرحيل تحفز تشكل الوجود الآخر للذات ممثلا في تلك الطفلة التي تبعث صوت المرأة مرة أخرى خارج آلام الذاكرة، وحتميات الواقع؛ فالطاقة الإبداعية للغياب هنا تعزز من تكرار الحضور، وتكرار البدايات المقاومة للانتظار في تداعيات الكتابة، وإعادة تشكيلها لعالم البطلة.ثالثا: نغمات جمالية:تعيد الساردة تمثيل الوقائع، والانفعالات الداخلية، والرؤى الفكرية، والثقافية عن طريق الإيقاع التأويلي الجمالي الملازم للتكوين الإبداعي للعلامة نفسها؛ فثمة أخيلة، ودلالات فنية، وإيحاءات استعارية تتولد من وجود العلامة الفريد، وصيرورتها السردية في النص.تبرز علامة النار في المشهد القصصي كنغمة تتجمع حولها دلالات الموت، والغضب، والتهميش، والتكرار، وغياب الصوت الفردي، واحتمالات صعوده في فعل تأمل النار في قصة (النار)؛ فالنص يجسد اختلاط النار بغضب مجموعة من النسوة، ثم احتراق طفل، وتكاثر الأطفال في المشهد، وعودة الكبار مرة أخرى.النار تجسد غريزة العدوان، وزيادتها التصويرية، وتجاوزها للصوت، وللهوية الذاتية، كما تومئ بصخب الانسحاق، والغضب، والذوبان في الأداء الآلي للمجموع.و تستعيد الساردة صور الطفولة كنغمات يتشكل منها حضورها الأنثوي المتفرد في قصة (و دقت الساعة)؛ فضحك الطفولة، وصورة الضفائر المنطلقة، وبهجة اللعب، وتناول الشيكولاتة تتعارض مع إيقاع الرحيل الممثل في علامتي القطار، والدائرة التي تفتقد المركز.إن إيقاعات الصور تعيد تشكيل الهوية الجمالية للبطلة انطلاقا من تعقيد لحظة الحضور التي تجمع بين البهجة، وتفريغ الحلم تحت عجلات القطار.وتستمر أسئلة الوجود، والهوية، والفقدان في قصة (ترنيمة على وتر قديم)، وأرى أن هدى توفيق قد وفقت في اختيار ذلك العنوان الذي يوحي بأن النص مجموعة إيقاعات، ونغمات جمالية تنتقل بشكل مباشر إلى حدس القارئ.تستعيد الساردة حدث رحيل الرجل، ثم تتساءل عن هويتها ووجودها، ويتجلى الرجل وسط تبعثر للرمال، بينما يعانقها أخطبوط، وتفتقد الشمس للدفء، وتتجلى النسوة اللاتي يرتدين السواد.إن الحدث هو ما يتولد عنه من إيقاع تصويري، وتأويلي متجدد؛ فالرجل يعاين غيابه المحتمل في تجلي علامة (الرمال)، والبطلة تحاصرها الأسئلة مثل (الأخطبوط)، وتهددها إيماءات الظلام، بينما تستشرف بداية جديدة في نغمة التعاطف الكوني مع الأشجار. [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية