عندما تواجه أي دولة بعض التحديات، أوتعتزم تحقيق بعض الطموحات، فإنها غالباً ما تتخذ إجراءات واستراتيجيات معينة صناعية أو اقتصادية أو أمنية .. لكن الصين كدولة لها طموحاتها وتحدياتها غالباً ما تتجه لمواجهة ذلك ببذل المزيد من الاهتمام برأس المال البشري عبر بوابة التربية والتعليم، لا سيما أنها تدين لتقدمها الإقتصادي والتقني المطرد لنظام تعليمها، فالسياسة التعليمية المتبعة في الصين – حسب كثير من الباحثين الغربيين سياسة فريدة وغير متبعة حتى في الدول المتقدمة من العالم.يقول الكاتب الأمريكي : ‘نيكولاس كريستوف’ : لقد زرت مؤخراً منطقة ‘تايشان’ الواقعة جنوب إقليم ‘غوانغدونغ’ الصيني وزرت عدداً من المدارس الإبتدائية والإعدادية هناك، خلال زيارتي أدركت أن الفجوة التعليمية بين الصين والولايات المتحدة ما فتئت تتقلص بسرعة، وأستطيع القول إن مستوى الرياضيات الذي يدرس حتى في مدارس الفلاحين في القرى الصينية يشبه مستوى الرياضيات في المدارس الممتازة في منطقة نيويورك’.فالتعليم في الصين يُنظر إليه كمسئولية وطنية عظمىالي حدأن القانون الصيني يحتم على جميع المواطنين الذهاب إلى المدرسة . وقد وفرت الحكومة التعليم الإبتدائي إلى ست سنوات، ابتداءً من سن السادسة أو السابعة، تليها ست سنوات من التعليم المتوسط والثانوي لمن تتراوح أعمارهم بين 12 إلى 18 سنة. وفي بعض المحافظات قد يكون التعليم الابتدائي خمس سنوات ولكن يُعوض بأربع سنوات في المدرسة المتوسطة.ورغم أن التعليم في الصين إلزامي فإن نسبة حضور الطلاب في المدارس عالية جداً، وحسب وزارة التعليم الصينية فإن نسبة حضور الطلاب في المدارس الابتدائية يصل إلى 99′ .وقد جاء في بعض الدراسات التي أُعدت من طرف عدة مؤسسات دولية حول التعليم في الصين أن عدد المدارس الابتدائية في الصين تصل إلى أكثر من ‘400’ ألف مدرسة بها ‘120’ مليون تلميذ وهناك أكثر من ’60’ ألف مدرسة إعدادية، وبها ’60’ مليون تلميذ، وهناك ’30’ ألف مدرسة ثانوية، ويدرس فيها أكثر من (30) مليون طالب وطالبة،أما التعليم الجامعي ‘العالي’ فهناك (3) آلاف جامعة ‘ثلاثة آلاف’! بها أكثر من ’30’ مليون طالب وطالبة، بما يعادل عدد سكان دولة كبيرة كالجزائر مثلاً.وثمة عدة أسباب لنجاح وتفوق التلاميذ الصينيين.. أولها المنهج الصيني المتبع، وثانيها أن الطلاب الصنيين – حسب إعتقادي – تلاميذ متعطشون للتعلم والتقدم، ويدرسون بجد ومثابرة، وفي معظم مدارس الصين يأتي الطلاب إلى المدرسة في الساعة السادسة والنصف صباحاً، ويتلقون بداية توجيهات تربوية قبل أن الشروع في تلقي الدروس في الساعة السابعة والنصف. وفي العاشرة والنصف صباحاً يتناولون الغداء ثم يستأنفون الدراسة في الساعة الثانية ظهراً ويستمرون حتى الساعة الخامسة عصراً. وعلاوة على ذلك فإن الطلاب الصينيين يُكلَفون بواجبات منزلية كثيرة يقومون بها كل يوم بعد انتهاء الدوام، وفي يوم الاجازة الأسبوعي أيضاً.أمافي ما يخص التعيم الجامعي فإن هناك زيادة مطردة في عدد الطلاب الجامعيين، كما أن الصينيين الذين يحملون درجة الدكتوراه قد تضاعفوا خمسة مرات خلال الفترة من 1995-2005 ، وفي إحصائية لسنة 2003 فإن مجموع الجامعات والكليات في الصين بلغت 1552، ومجموع الأساتذة 725 ألف أستاذ، وعدد الطلاب الجامعيين بلغ11 مليون طالب.ويقابل هذا الزيادة في الكم تطوراً في الكيف فالطلاب الصينيون يشتهرون بتفوقهم عالميًا، وهم يحققون نتائج توصف بالمذهلة في الاختبارات التربوية الدولية، وذلك حسب ما صرح به أندريس شلايشر، المسؤول عن اختبارات ‘ بيزا ‘ التي تجريها منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OECD ، والتي تعتبر المعيار الدولي الرئيسي لقياس جودة الأنظمة التعليمية في البلدان المختلفة. وهي اختبارات تقام على مستوى العالم كل ثلاث سنوات وتركز على كل من القراءة، والرياضيات، والعلوم.إن هناك أسباب كثيرة تقف وراء هذا التفوق الصيني في مجال التعليم في شنغهاي وشتى مناطق الصين، فهناك يجد التعليم والتعلم رافداً معنوياً كبيراً، كما يجد المعلمون احتراماً وتقديراً بالغين من قبل غالبية أبناء الشعب الصيني.ومن الناحية المادية وبحسب بعض الدراسات فإنه قد تضاعف الإنفاق على التعليم في الصين إلى أربعمائة في المائة خلال الفترة الماضية، ويستفيد من ذلك الدعم حوالي ستون في المائة من الأعمار ما بين الثامنة عشرة إلى الثانية والعشرون سنة. وخلال العشرين سنة الماضية خصصت بعض الأقاليم الصينية عشرون في المائة من ميزانيتها للتعليم فقط.وهكذا يبقى العلم والتعليم في الصين محط الأنظار عالمياً، وهكذا تظل هذه البقعة من العالم قبلة يؤمها طلاب العلم من كل بقاع الدنيا، ليتأكد لنا صحة المقولة التاريخة ‘ اطلبوا العلم ولو في الصين’ وأنها لم تأت من فراغ.محمد محمود الطلبة – الصين