صناعة الفوضى في الاردن

حجم الخط
0

بسام البدارينيقفون في الشارع العام قبالة المركز الأمني ..يوقفون الشاحنات بالقوة الجبرية ويجبرون أصحابها على إفراغ حمولتها في الشارع العام..من هم هؤلاء؟..لا أحد يعرفهم في الأردن فهم مجهولون غامضون ملثمون احيانا لكن دوما مسلحون..السلطات الرسمية توحي ضمنيا بأنهم نتاج الفوضى والإحتجاجات على رفع الأسعار والحراك السلمي يتبرأ منهم فأنا شخصيا لا أعرف حراكيا واحدا يحمل سلاحا أو يؤمن أصلا بحمل السلاح.هؤلاء البلطجية أو الزعران تحولوا لظاهرة في الأردن ففي ضواحي عمان يفرضون إيقاعهم على الشارع تحت عنوان الإحتجاج وأحد تجار الخضار أخبرني بأن السوق المركزية خالية من الخضار والفاكهة لان الشاحنات لم تعد تستطيع التحرك بأمن وأمان من الأغوار.نفس التاجر حدثني عن إفلاته بصعوبة من عصابة شارع مماثلة كانت توقف سيارات المواطنين وتحطمها لأغراض التخريب فقط وأحيانا تنهبها والمثير في المسألة أن بلاد الأمن والأمان لا تفعل شيئا لإحتواء هؤلاء الذين لا يمكنهم بحال من الأحوال أن يكونوا من المعارضة والحراك فعناوين المعارضة والحراك معروفة وعلنية ومن يخرج للشارع سلميا مطالبا بالإصلاح لا ينزل مستواه إطلاقا لمرحلة تحطيم إشارة ضوئية.بعض المحتجين حفروا الشوارع وحطموا واجهات البنوك وخربوا الإشارات الضوئية ..بعضهم الاخر حفر الشوارع وجرح كرامة الإعتراض وخدش رسالة الحراك السلمي. هؤلاء غرباء عن الحراك والمعارضة والمجتمع الأردني وهم بلا أب لا أحد يعرفهم أو يمثلهم ووظيفتهم اليتيمة هي التخريب لغرض الإجرام أو التخريب لغرض التخريب فقط.مفارقة أردنية بإمتياز تتكرر دوما: يتوسل المواطنون نخب القرار ونوابهم في البرلمان من أجل إفتتاح مكتب بريد أو عيادة صحية في قرية أو منطقة ما وعندما يغضب الناس من الحكومة يحرقون عيادتهم أو مكتب بريدهم. تخيلوا أن البعض أحرق في الماضي شاحنات جمع القمامة وفي موجة الإحتجاجات الأخيرة أحرقت أرشيفات محاكم وأنا أزعم مبكرا بان لصوصا ومجرمين هم من فعلوا ذلك لأغراض لا علاقة لها بالإحتجاج وحتى مكاتب الأحوال المدنية وسيارات شركة الكهرباء تحرق بدون سبب أو عذر فمن أحرقوا مقر شركة الكهرباء في مدينة السلط سيتظاهرون مجددا لاحقا مطالبين بإعادة الكهرباء التي أحرقوا مقر شركتها. وسيارة النفايات التي تحرق ستحتاج لأكثر من عام من المراسلات والتوسلات البيروقراطية حتى تعود للعمل.جهة ما تستفيد بالتأكيد من هذه الفوضى وجهة ما تتغاضى أمنيا بوضوح عن الإعتداء على ممتلكات المواطنين والممتلكات العامة والنظرية البائسة هي نفسها: على المواطنين إدراك حجم خسائرهم في حالة ضعف الدولة أو غيابها مما يعني التكرار المريب لنفس مشروخة الربيع العربي: إما دولة بلصوصها وحراميتها وإما بدون دولة. لا أتخيل أن الدولة الأردنية يمكن أن تفكر بهذه الطريقة لكن المجازفة أصبحت عنوانا للحكومة الحالية في الواقع.طبقة المسلحين والزعران التي ولدت فجأة في شوارع المدن الأردنية لابد من التوقف عندها وتأملها فأطراف المعارضة والحراك تعتقد أن المسألة منهجية حتى يقلق الناس وتتوقف الإحتجاجات وثمة سوابق إفتعلت فيها مشكلات أمنية أو تم التغاضي فيها عن إنحرافات أمنية حتى يركض الناس بإتجاه المركز الأمني مهللين مكبرين متسولين مع شعار: نقبل الحكومة كما هي بفسادها وظلمها. يحصل ذلك لان الأمن قبل الخبز بالنسبة للإنسان وخصوصا في بلد كالأردن لا خبرات لديه في الفوضى ويخشى تحولات ونيران الربيع العربي وتشتعل الدول المجاورة له في الإقليم.نفس السيناريو عشناه في مصر وتونس وإنتهى الأمر بسقوط النظام فغياب الأمن المصري أيام حسني مبارك بقرار سياسي للضغط على تظاهرات الشارع إنتهى بولادة ظاهرة البلطجية وتخويف الناس لكنه إنتهى أيضا بإحراق مقرات أمن الدولة وببقية يعرفها القاصي والداني.الإصلاح السياسي لا يمكنه بحال من الأحوال الإستفادة من إغلاق طريق دولي وقانون الإنتخاب لن يتغير لان منحرفا ما أحرق سيارة إسعاف والحكومة لن تتراجع عن رفع الأسعار لان الإشارات الضوئية تتحطم وأقصر طريق لخدمة منطق رفع الأسعار هو هذا النمط من التخريب والحراكيون يعرفون ذلك تماما. لذلك تقع مسؤولية مثل هذه الجرائم على الحياة والطبيعة والشوارع والممتلكات على مؤسسات النظام أخلاقيا وسياسيا وإجرائيا دون غيرها لان مسؤولية الدولة توفير الأمن للمواطن ومتلكاته وليس مسؤولية المعارضة أو الحراك وظهور مسلحين بالشوارع يثيرون رعب المواطنين ويعرقلون حياتهم وينهبون ممتلكاتهم أو يخربونها مسألة التصدي لها واجب الدولة والمؤسسات خصوصا في بلد تكاثرت أجهزته الأمنية ويقول قادته بان العالم يطلب خبرات أولاده في توفير الأمن والأمان لعدة شعوب في العالم. سيناريو السكوت عن الفوضى لن يجدي في توفير عوامل لصالح الحكومة فالشعب سيحاسبها دوما على هذه الإنفلاتات لان التصدي لها والتعامل معها ببساطة شديدة هو ألف باء واجباتها وإلا فلترحل وتعتذر من الشعب لكي يتدبر الناس قضايا أمنهم.قناعتنا راسخة بأن الشعب الأردني كان يمكنه التفهم والتقدير والتعامل بإيجابية مع الظروف المالية للدولة لو أنه حصل قبل رفع الأسعار على إجابات مقنعة أو حتى نصف مقنعة على أسئلته المعلقة بخصوص الفساد. لن يعترض الناس لو أن ملفات الفساد التي تحدثت عنها السلطة نفسها وليس الصحافة أو الرأي العام خضعت للتحقيق بطريقة مقنعة ولن تحصل إحتجاجات لو إقتنع المواطنون فعلا بأن عجز الميزانية سببه الظروف العامة والدولية والإقليمية وليس الفساد. الأرقام التي تتداولها المخيلة الشعبية للأموال التي نهبت أو سرقت ضخمة وقد يكون مبالغا فيها لكن الصحيح أنها أرقام كبيرة ولا توجد أدلة على أنها غير صحيحة فالدولة لم تقدم إجابات ولم تجر تحقيقات مقنعة وكبار المسؤولين فيها هم من تحدثوا عن فساد عملية الخصخصة والشركات العملاقة.وتكفي نظرة واحدة لحيثيات الحكم القضائي في قضية الجنرال محمد الذهبي لإدراك حجم المرارة في وجدان الشعب الأردني.محكمة أردنية هي التي قالت بأن قضية مدير المخابرات الأسبق وهو موظف فرد وصلت لأكثر من 60 مليونا من الدولارات..لذلك يسأل الناس : إذا كان شخص واحد متوسط الذكاء كانت وظيفته حماية البلد قد تلاعب بكل هذه المبالغ الضخمة فما هو الوضع بالنسبة لاخرين؟الناس في بلادي يسألون: كيف يستطيع موظف عادي لا يتميز بأي ذكاء من أي نوع وسيارته المعروفة فلوكس فاغن طراز برازيلي إمتلاك قصر قيمته تزيد عن 20 مليون دينار بعد عامين فقط من تعيينه مديرا لأحد الأجهزة؟…كيف يسمح لأحد النافذين بتأسيس جامعة خاصة تخالف في عملها المعايير القانونية التي وضعها التعليم العالي؟..مجرد طرح هذه الأسئلة وعدم وجود جواب عليها يصنع ثورة وليس حراكا فقط .لا يحق لأحد القول بأن النظام فاسد في الأردن ..هذا صحيح لكن بالمقابل لا يحق لأحد إنكار وجود فساد في النظام، ولا يحق لأحد في النظام إفتراض أن المساس بلقمة عيش المواطن البسيط سيكون مجرد نزهة في ظل التجاهل المدروس لأسئلة الفساد وبنفس الدرجة لا يحق له المراهنة على صبر المواطن الأردني ثم يأتي ليرفع الأسعار بهذه الطريقة الغبية ويتحدث عن مندسين. نعم يوجد مندسون وهؤلاء حصريا هم الذين يحرقون المباني ويفرغون حمولة الشاحنات وينشرون الرعب والفوضى لكنهم ليسوا من الحراك ولا المعارضة الوطنية ..من هم ؟’ مدير مكتب ‘القدس العربي’ في الاردن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية