إدريس الملياني(ألقيت هذه التحية بحضور الشاعر الكبير محمد مفتاح الفيتوري في حفل تكريمه الذي نظمه فرع اتحاد كتاب المغرب بمدينة تمارة يوم 2 نونبر2012) تحت الأمطار(محمد الفيتوري)’أيها السائق رفقا بالخيول المتعبةْ قففقد أدمى حديد السرجِ لحم الرقبةْ قففإن الدرب في ناظرةَ الخيلَ اشتبهْ ! ‘ :هكذا كان يغني الموتُ حول العربةْ وهي تهوي تحت أمطار الدجى مضطربةْ ..غير أن السائق الأسود ذا الوجه النحيلْجذب المعطف في يأس على الجسم العليلْورمى الدرب بما يشبه أنوار الأفولْ ثم غنى سوطه الباكي على ظهر الخيولْ فتلوتْوتهاوتْ ثم سارت في ذهول. 1951 1هذه القصيدة للشاعر العربي والإنساني الكبير إبداعا وإمتاعا بالجمال محمد مفتاح الفيتوري، أحفظها عن ظهر قلب ولها فيه أحلى الذكريات منذ مطلع السبعينيات وعاشت معي أغلى أيام الشباب وأعوام العمل التربوي في أقسام التعليم الثانوي ورحلنا معا إلى موسكو، حيث قدمتها في عدة مواقف ومخاطبات، وعدنا للتدريس معا بمدرسة تكوين المعلمين والمعلمات و المركز التربوي الجهوي لتكوين رجال ونساء التعليم بالسلك الثانوي في مختلف الشعب واللغات، إلى أن أحلنا معا فيه على التقاعد، وهي بعد في زهرة الشباب، ومن أجمل قصائد العمر، التي أحببتها حين قرأتها أول مرة مختارة في إحدى الأنطولوجيات. وأصبحت منذئذ من مختاراتي الشعرية ومقرراتي المدرسية التي كنت أفتتح بها جميع المواسم والفصول والعقول طوال سنوات، وإذا لم أقدمها مبكرا كان يسألني عنها التلاميذ والطلبة، الذين سمعوها من أصدقائهم السابقين واللاحقين فأحبوها واشتاقوا إليها قبل أن يروها مضيئة على اللوح الأسود. 2كثيرا ما كنت أكتبها فوق اللوح الأسود على شكل قصيدة تفعيلية، متفاوتة الأسطر، التي تطول وتقصر حتي تشمل حرفين ‘قف’ وأحيانا على صورة قصيدة عمودية ذات مقطعين، متساويين، يبدو كل مقطع فيها من خمسة أبيات وأربع تفعيلات ‘رمَلية’ وحرفي الروي أو القافية البائية واللامية المقيدة. وفي أحايين أخرى كنت أزفها بأزياء تليدة وطريفة. كل ذلك كانت تدركه العيون العاشقة بسهولة وأسئلة قليلة. وفي كل سنة دراسية كانت كتابة وقراءة مفاجئة بفتنة جديدة. تلك أولى القسمات والسمات الجمالية والدلالية التي أجمعت عليها القراءة البصرية لهذه القصيدة التي يتحلى جيدها و عقدها الفريد بزوج بهيج من روائع التراث ولوامع الحداثة. ومن القراءة البصرية فالصامتة فالسمعية الدلالية فالعروضية التي لم تكن تستعصي بالأخص على الآذان الرياضية والأسماع العلمية قبل الأنظارالأدبية، حتى القراءة النقدية العاشقة، كانت القصيدة تخرج من ‘تحت الأمطار’ والأبصار مكتسية في كل قسم حلة قشيبة وبرؤية جديدة، واقعية جمالية تداولية ماركسية تارة ونفسية فرويدية تارة أخرى ورومانسية وحماسية حينا وبنيوية شكلانية في أحايين قليلة وجميلة. 3لم تكن الأعين تحتاج إلى عناء كبير لسماع غناء الموت، في المقطع الأول الموضوع بين المزدوجتين : ‘هكذا كان يغني الموت حول العربة’. هذه أول ثنائية ضدية ظهرت للعيون النقدية التربوية بين إرهاق السائق للخيول حتى إزهاق أرواحها وإشفاق الموت عليها، كالأم الرؤوم، ومن هذه المفارقة غير الغريبة على تلك الحياة اليومية الرهيبة التي تعانيها الخيول ويقاسيها الموت كذلك حتى أصبحا عدوين ما من صداقتهما بد وبالتالي يغدو كلاهما ثنائية توافقية، أو وحدة أضداد بين الحياة والموت، مثلما يمثلان معا ثنائية ضدية تجاه سائق الخيول الدامية والعربة الهاوية تحت المطر والليل. وفي كل تحليل كانت صورة الخيول مأساوية : فهي منهكة، نازفة الدماء، بحديد السرج وضربات السياط وتائهة تتهاوى وتتلوى من الجوع والبرد والسير الطويل على طريق الضياع والذهول. وفي الطرف النقيض صورة السائق السوداوية : فهو فظ غليظ القلب، عديم الرحمة والشفقة، نحيل وعليل، عصبي ويائس، وحشي ودموي، يلطخ دروب الخيول بالدماء الأرجوانية مثل حمأة الغروب والأفول. وفي كل تأويل لم تخرج صورة الخيول عن دلالة الضحية البريئة وصورة السائق عن منزلة الجلاد الدنيئة. وما الوجه إلا واحد غير أنه إذا نحن عددنا المرايا تعددت وجوه الضحايا والجلادين. و من معاني الخيول الجريحة الجامحة والنافرة أنها رمز لمعاناة جميع المظلومين المحرومين الأطفال التلاميذ الطلاب النساء وكافة الشعوب. بينما السائق مفرد بصيغة منتهى جموع الظالمين الطغاة المستبدين العنصريين الصهاينة والمربين المعلمين والآباء القساة القلوب. ومن أطرف المعاني أن ترى بعض تلك العيون سائق العربة المنقلبة رمزا لدولة الأنظمة العسكرية الحاكمة المسؤولة وحدها عن هزيمة حزيران، المتمثلة في ساسة الشعوب والخيول وقادة العربة المضطربة نحو الضياع والمجهول. 4وعلى العموم استطاعت هذه القصيدة الفريدة أن تحقق كل أهدافها التربوية لاسيما في تنمية حب الشعر والعربية للشعب العلمية واللغات الأجنبية، فضلا عن التعريف بشعرية عاشق إفريقيا ومغنيها في خارطة العالم والشعر العربي الحديث المنفتح على محيطه الإفريقي وأفقه الكوني، وأدت رسالتها الفنية والجمالية كل عام بنجاح فائق وخارق أيضا كما لدى الشعبة التشكيلية التي رسمتها في لوحات بشتى الأشكال والألوان وحتى الشعبة الإنجليزية التي ترجمتها كلمات ونغمات تعشقها الأذن قبل العين أحيانا. وحدها هذه القصيدة الفيتورية الفريدة كانت زهرة تصنع ثورة ربيعية في عيون الشباب. ولكن في بستان شاعرنا المغربي الكبير إبداعا وإمتاعا بالجمال الإنساني محمد مفتاح الفيتوري من الزهور ما لا تصنع ربيعا دائما فقط بل تبدع رؤية للعالم مزهرة أبدا من عيون الشعر العالمي.