د. يوسف نور عوضكيف نفهم هذه الهجمة الشرسة التي تقوم بها إسرائيل ضد قطاع غزة؟هجمة تفتقر إلى كل المعايير الإنسانية، ذلك أن القصف الإسرائيلي الذي يتم بوسائل حديثة لا يفرق بين من يعتبرهم مصدر تهديد وبين المواطنين العاديين الذين تهدم البيوت على رؤوسهم ويقتلون بدماء باردة.ويتم ذلك وسط تأييد غربي يفتقر إلى كل المعايير الإنسانية إذ بدل أن تطالب الدول الغربية بحزم بإنهاء هذا العدوان نجد أن الولايات المتحدة ومن خلفها ألمانيا تبرران العدوان بأنه يتم بسبب الصواريخ التي تطلقها حماس على المستوطنات الإسرائيلية، وحتى لو كان ذلك صحيحا فهل يجوز لإسرائيل أن ترد بمثل هذا المستوى من العنف؟هذا الموقف يجعلنا نقف لننظر في جوهر القضية الفلسطينية برمتها- وموقف الدول العربية منها، ذلك أنه بعد فترة إحياء طويل لهذه القضية نلاحظ أنها بدأت تتوارى في أضابير الاهتمام العربي غير أن هذا العدوان الإسرائيلي أعادها إلى المستوى الذي تستحقه من جديد.وفي هذا السياق نقول إن القضية الفلسطينية هي مأساة إنسانية في المقام الأول إذ لم نر في سائر المآسي الإنسانية التي عرفناها شعبا أقصى بصورة كاملة من أرضه من أجل أن يحتلها شعب دخيل يعتمد على دعاوى يبرر بها احتلاله لأرض فلسطين؟ولا بد هنا أن نقول حتى لو كانت هذه الدعاوى صحيحة فإن ذلك لا ينفي أن إسرائيل طردت شعب فلسطين من أرضه، فإلى أين يتجه هذا الشعب؟ هل يحتل أرضا عربية أخرى أم يتجه إلى العالم العريض من أجل أن يعيش حياة اللجوء؟، الشيء الذي نعرفه هو أن الأمة العربية في مرحلة من مراحلها كانت ترفض الاحتلال الإسرائيلي وكانت تريد أن تقصي اليهود بصورة كاملة من أرض فلسطين حتى يعود إليها أهلها، ولكن هذه الآمال تحطمت بعد حرب الأيام الستة المشؤومة وهي الحرب التي جعلت الأمة العربية تخلد إلى الضعف بينما توجهت إسرائيل لبناء مزيد من القوة من أجل مواجهة أي تهديد عربي، واستطاعت إسرائيل أن تبني قوة نووية ضاربة تمت بمساعدة الدول الغربية التي تتظاهر بأنها ترفض مبدأ الانتشار النووي، ولعل امتلاك إسرائيل للسلاح النووي هو الذي جعل بعض الدول العربية تعتقد أن احتمالات الانتصار عليها عسكريا أصبحت معدومة، وذلك ما مهد الطريق لاتفاقات كامب ديفيد التي أفرغت سيناء كلها من أي تهديد عسكري لإسرائيل، وجعلت إسرائيل تتصرف في الجولان كأنها أرض إسرائيلية لا يمكن إرجاعها مرة أخرى لأهلها الحقيقيين.وهنا دخلت القضية الإسرائيلية في متاهة حقيقية، ذلك أن إسرائيل لم تعد تفكر في التعايِش بسلام مع العرب بل بدأت تؤسس لسياسة عدوانية تنتفي عنها كل المعايير الإنسانية، لأن المنطق يقول إذا أرادت إسرائيل في وضعها الراهن أن تعيش بسلام في هذه المنطقة فإن أمامها طريقين للتعامل مع القضية الفلسطينية، الأول هو أن تقبل التعايش مع الشعب الفلسطيني في إطار دولة ديموقراطية يعيش فيها الشعبان جنبا إلى جنب غير أن إسرائيل التي تتبع سياسة عنصرية ودينية ترفض هذا المبدأ بشكل كامل، وأما الطريق الثاني هو أن تقبل إسرائيل بإعطاء الفلسطينيين دولة مستقلة يعيشون فيها في أمن وسلام، لكن إسرائيل ظلت تراوغ في هذا الخيار، إذ على الرغم من المباحثات التي استمرت طويلا بين حركة فتح بقيادة الرئيس محمود عباس وإسرائيل فإن هدف إقامة الدولة الفلسطينية لم يتحقق، وكان واضحا أن إسرائيل تماطل وأن المباحثات لا جدوى منها، ويظهر من كل ذلك أن إسرائيل لا تفكر بأسلوب استراتيجي إذ كل ما تسعى إليه هو الاستفادة من المزايا التي تولدها الظروف المتاحة. وذلك ما أوجد الخط الحماسي الذي لا يثق بالمناورات الإسرائيلية والذي جعلته الظروف الجغرافية بعيدا عن الضفة الغربية يقيم كيانه المناوىء لإسرائيل.وفي ظل هذا الواقع ابتعدت الأمة العربية كثيرا عن الواقع الفلسطيني، ونلاحظ أنه في ظل هذه الهجمة الإجرامية الشرسة تتخذ الأمة العربية قرارات مهادنة سواء كان ذلك عن طريق وزراء الخارجية العرب أو عن طريق الدول العربية المجاورة لإسرائيل، إذ رأينا مصر تكتفي بإرسال رئيس وزرائها إلى غزة زاعمة أن ذلك يؤكد دعمها للقطاع، كما يقول رئيسها إنه يجري محادثات مع الطرفين من أجل وقف العنف، ولكن حتى إذا وقف العنف، فهل يعني ذلك نهاية المأساة الفلسطينية؟ اين الحل إذن؟الحقيقة التي يجب أن تعلمها مصر وسائر الدول العربية أن مواقفها في حالة الضعف لا يمكن أن تحقق الأهداف في أرض فلسطين، والمسألة الآن لم تعد تتعلق بفلسطين وحدها، فقد رأينا من قبل المؤامرة الإسرائيلية تمتد إلى السودان حيث انفصل جزء مهم من هذا الوطن، ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد بل نلحظ أيضا أن هناك مؤامرة لإقامة عدد من السدود في إثيوبيا من أجل التحكم في مياه النيل وحرمان مصر من جزء كبير منها، فماذا تكون مصر بغير مياه النيل، وقد وصفها ‘هيرودتس’ من قبل بأنها هبة النيل،أعرف أن دعوة مصر إلى امتلاك السلاح الذي تمتلكه إسرائيل في الوقت الحاضر قد يثير ضجة كبيرة ولكن مصر تواجه تهديدا حقيقيا وإذا لم تمتلك هذا السلاح أو تجد حلا للقضية الفلسطينية يكون مقبولا فإنها هي التي ستعاني في المستقبل وذلك ما تريده إسرائيل التي تسعى لأن تكون مصر دولة ضعيفة وغير قادرة على مواجهتها . لكن إسرائيل في الواقع تتجاهل حقيقة أن الحاجة أم الاختراع، ذلك أنه إذا استمرت إسرائيل في صلفها دون العمل من أجل إيجاد حل يقبله الفلسطينيون فإن الخيار الوحيد الذي سيكون متاحا أمام الفلسطينيين وبعض الدول العربية هو الاجتياح، ذلك أن الأغلبية السكانية العربية هي في حد ذاتها قوة لا يستهان بها وذلك أمر لم تفكر فيه إسرائيل، وفي ضوء ذلك يبدو أن القضية الحقيقية التي تواجهها إسرائيل ليست هي قضية حماس بل هي قضية الشعب الفلسطيني بأسره وهي قضية لا تحل بالقوة العسكرية بل بالحكمة والتصرفات السليمة، وذلك ما لا تتبعه إسرائيل في الوقت الحاضر، وللأسف الشديد فإن دول العالم الكبرى تقف وراء إسرائيل في هذه السياسات الخاطئة، وعلى الرغم من مصالحها الكبرى في العالم العربي فهي لا تفكر في ذلك بسبب سلبية المواقف العربية التي تحتاج إلى إعادة نظر من أجل تأسيس سياسة جديدة مع العالم الغربي تضعه أمام الخيار الحقيقي إما أن يكون إلى جانبه بصورة كاملة وإما الاستمرار إلى جانب إسرائيل. ‘ كاتب من السودان