لطالما كنا نعتز بالقضاء المصري، وكنا نزهوا بأنه قضاء مستقل ونزيه. إلا أنه وفي الآونة الأخيرة أصابنا بقدر خطير من الإحباطات وخيبة الأمل. بل وبقدر غير يسير من الغيظ والغضب. فتلقى منه الثوار وأسر الشهداء ضربات موجعة وصدمات طار منها لب كل لبيب. فأصدر أحكاما تنصف القاتل علي المقتول! فيفاجئنا بتبرئة ساحة قتلة شهداء معركة الجمل! وكأن هؤلاء الشهداء ماتوا حتف أنفهم أو أنهم انتحروا أو أن مخلوقات غريبة هبطت من السماء فأعملت فيهم ركلا وضربا وقتلا ثم ركبت أطباقها الطائرة ولاذت بالفرار عائدة إلى السماء! ومن قبل يرفق بمبارك الرئيس المخلوع والمتهم الأول بدم الشهداء والعادلي وزير الداخلية الأسبق والمتهم في نفس القضية، واللذين ولا ريب أعطيا الأوامر المباشرة بقتل الثوار المسالمين. فكان الحكم عليهما بالمؤبد فقط لقاء قتل آلاف من الثوار الأبرياء! ثم يخلي ساحة كل من جمال وعلاء مبارك ويعلم الجميع أنهما أكلا ونهبا أموال هذا الشعب المطحون! والأخطر من ذلك تبرئة ستة من مساعدي الوزير المذكور والذين أعطوا الآوامر لجند الأمن بقتل المتظاهرين بدم بارد! ولا أدري كم من علامات التعجب (!) سوف أحتاج إليها في كلمتي المقتضبة هذه. فموقف القضاء برمته منذ ما بعد الثورة لا يدفعك إلا إلى الذهول والغضب وإلى أن تضرب كفا بكف.ثم ناهيك عن وقفة جسورة يحسدون عليها نصرة للباطل على الحق وقفوها مع المدعي العام محمود عبد المجيد- ولله درهم- وقفة رجل واحد، يدافعون عن رجل تخاذل عن تقديم الأدلة الكافية حتى يفلت مبارك وأعوانه من دم شهداء الثورة في عشرات القضايا راح فيها دم آلاف الشهداء بخسا وهدرا.وما زال القضاء يأخذ هذا المنحنى الهابط ويفاجأ الشعب مرة تلو الأخرة فيؤيد قرارا بحل مجلس الشعب ويصخب ويغضب على لسان رئيس نادي القضاة الذي أرغى وأزبد في تصريحات عدائية وتهديدات هوجاء ذلك أن رئيس الجمهورية أصدر قرارا بعودة مجلس النواب المنحل للإنعقاد حتى تسير أمور البلاد والعباد، ولكنه – الله لا أدري ما أقول؟- هل هو الكبر أم الكبرياء.. أم غبية العقل والعقلاء!وفي هذا المسلسل المتوالي من الإحباطات والغضب، كدت أعض على يدي غيظا، عندما أطلق سراح الناشطين الاجانب المتورطين في تمويل مشبوه قصد من ورائه التآمر وإثارة الفتنة في البلاد. فرفعت أسماؤهم، بموافقة السلطة القضائية، من قائمـــــة الممنوعين من السفر وكانوا 19 أمريكيا، غادروا البلاد ولاذوا بالفرار بلا حساب ولا عقاب. ولم يغضب رئيس نادي القضاة، ولم ينبز ببنت شفة غضــــبا من المجلس العسكري الذي اتخذ القضاء ألعوبة ومطية لتنفيذ أجندة ومآرب لم تخل من سوء نية! أما إذا ما اتخذ رئيس الجمهورية قرارا بعودة إنعقاد مجلس النواب من أجل الصالح العام ولا سيما والبلاد في حالة ثورية، هنا يثور القضاء لكرامته واستقلاله!ثم أخيرا ويبدو وأنها لن تكون الأخيرة في مسلسل الإحباطات المتوالية من قبل القضاء المصري. اجتمع كبار القضاة الممثلين للسلطة القضائية ثم أعلنوا على لسان رئيس نادي القضاة أنهم عازمون على صياغة كل النصوص والمواد المتعلقة بباب السلطة القضائية من الدستور بأنفسهم وفقا لمطالبهم وطموحاتهم ثم يقره المجلس الأعلى للقضاء ثم يقدم للجمعية التأسيسية دون أدنى اعتراض أو جدال. أي أن السلطة القضائية تريد أن تفصل لنفسها على – أسلوب الترزية – قوانين تلتقي مع أهوائها وأطماعها من دون أن يفتح أحد فمه بخصوص هذا الشأن.لك الله يا مصر.. لك الله! وألا ماذا سيكون مآلك وهذا حال أهل إقرار الحق فيك؟! فما بالكم تحكمون؟!محمد حسن- لندن