عبد الحميد صيام من لم يقتنع لحد الآن بأن سقوط الطغاة يفجر طاقات الجماهير ويدفع بالقيادات المنتخبة إلى الإلتصاق بمطالب الشعوب التي انتخبتها بقدر ما تسمح به الإمكانيات والوضع الداخلي، إذن فعليه أن يقارن بين الحرب على غزة نهاية 2008 وبداية 2009 وهذه الحرب. هذه هي الجماهير الحرة تتجه لغزة لإعلان التضامن مع شعبها في أرض المعركة وليس بإصدار بيانات باردة من منتجع شرم الشيخ وفي نفس الوقت التآمر على القضية برمتها. مصر وتونس وليبيا وقطر وتركيا وجماهير الأمة كلها هي الرصيد الاستراتيجي لفلسطين وليس للكيان الغاصب كما قال السيد سعد الكتاتني رئيس حزب الحرية والعدالة في وسط غزة. من كان يعتقد أن الربيع العربي مؤامرة على نظم الممانعة فلينتظر قليلا ليرى عندما تزحف المظاهرات المليونية من القاهرة ودمشق وبيروت وعمان ورام الله تساندهم الملايين في تونس وطرابلس والخرطوم وصنعاء وبغداد والدار البيضاء والجزائر واسطنبول وطهران لتكسر حاجز الحصار عن غزة وفلسطين وتبدأ طي صفحة الاحتلال مرة وإلى الأبد، وستكون يومها قياداتها الحقيقة تقف معها وبينها وأمامها وتنحني لإرادتها وتتبنى أهدافها. فالشعوب الحرة لا تقبل قيادات من الطغاة يغلقون الحدود مع الكيان ويتلقون الصفعات الواحدة بعد الأخرى ثم يعدوننا بأن الرد سيأتي في المكان والزمان المناسبين واللذين لن يصلا أبدا حتى لو انتظرنا أربعين سنة أخرى.الطغاة لا يصنعون انتصارات ولا يثقون بأن شعوبهم قد تصنع الانتصارات. الطغاة يحولون الوطن إلى سجن والقيادات الشريفة التي تعبر عن شعوبها حقيقة تحوله إلى ميدان للإبداع والإنتاج والنضال والتكاتف والإنجازات والتقدم والتنمية الشاملة الواعية التي تعود بخيراتها على الشعب بأكمله وليس على طبقة طفيلية ماسحة لأحذية الطاغية وزوجته وأبنائه وأقاربه وجيرانه وعشيقاته.إذن هو الامتحان لأمة على أبواب النهضة الشاملة. وكما قلنا مرارا وتكرارا في السابق إن سقوط الطغاة شرط أساسي للتحرر الذاتي فتحرير الأرض وصولا إلى مرحلة الوحدة. وحتى لا يشطح بنا الخيال بعيدا نعود للحديث عن غزة بوابة التحول الاستراتيجي نحو تحقيق هذا الحلم العربي الكبير الذي ضحى من أجله مئات الألوف من أبناء هذه الأمة المجيدة. لا نريد هنا أن ندبج خطبة حماسية نتغزل فيها بصمود غزة وبطولات شعبها ومعنوياتهم العالية وهم يدافعون عن الأمة حاضرا ومستقبلا. لكننا نريد أن نقترح خطوات عملية ستة تؤسس لهذا التحول التاريخي:أولا- على جامعة الدول العربية أن تعقد اجتماعات متواصلة في غزة حتى وهي تحت القصف. تتم مراجعة شاملة للموقف العربي ويخرج موقف جديد يعكس تطلعات الشعوب العربية بعد الربيع العربي وعودة مصر إلى مكانها الطبيعي في قيادة هذه الأمة نحو العزة والكرامة والتحرير، فما كان مقبولا في عهود الطغاة لم يعد مقبولا في عهد الشعوب الحرة.ثانيا- على جميع وزراء الخارجية أو رؤساء الوزراء أو الرؤساء أوالملوك والأمراء الاستمرار في زيارات متواصلة لغزة وإعلان التوحد مع شعبها وليـــــس التضامن. الشعب الفلسطيني في غزة ينتظر وصول المزيد من المسؤولين العرب الكبار والصغار للاطلاع على أوضاعهم وتضميد جراحهم وذرف الدموع على شهدائهم أسوة بدموع أحمد داود أغلو في مستشفى الشفاء بغزة. شعب غزة يريد أن يرى حجيجا من الكتاب والصحفيين والصحفيات والممثلين والممثلات والمغنين والمغنيات والأغنياء والفقراء والطلاب ورؤساء النقابات والبرلمانيين ورؤساء الأحزاب والجمعيات الخيرية. لتتواصل الوفود إلى غزة بلا انقطاع زرافات ووحدانا. لتتحول غزة إلى عاصمة العرب الأولى وخيمتهم الشاملة ومقر جمعياتهم وحاضنة مؤتمراتهم ووادي عبقر ملهم شعرائهم.ثالثا- السلطة الفلسطينية أضاعت فرصة تاريخية كان بإمكانها ترميم بعض من شرعيتها المتآكلة. كان على أبي مازن أن يكون أول القافزين إلى غزة ليضع يده في يد القيادات الميدانية وليعلن من هناك أن المفاوضات العبثية التي ظل يدعو لها لمدة عشرين عاما لم تأت إلا بالخراب والموت والمستوطنات والتهويد والسجون والجدران العازلة والضم والبؤر الاستيطانية والتنازلات وراء التنازلات قد انتهت وإلى الأبد. لو فعلها، ونحن نعرف أنه لن يفعلها، لكان أعطى فرصة أخرى للوحدة الوطنية السليمة على أرضية النضال لا على أرضية المفاوضات العبثية وعلى أرضية الصمود بين أبناء الشعب الواحد المدعوم من أمته لا بين الغرف المغلقة مع من يتآمرون على الشعب وقضيته الوطنية وأولهم توني بلير.رابعا- القضية الفلسطينية هي القاسم المشترك بين كافة الشعوب العربية. إنها نقطة الجمع والجذب والتضامن التي لا يختلف عليها إثنان. إنها قضية العرب والمسلمين وأنصار السلام ومحبي الحرية والمدافعين عن حقوق الإنسان. وعلى القيادات الفلسطينية أن تتصرف على هذا الأساس وأن ترتقي إلى مستوى المسؤولية وتكون نقطة التقاء لكل الشرفاء في العالم المناصرين للقضية. وعلى القيادة الوحدوية المبنية على أرضية المشروع الوطني المقاوم أن تعزز التحالف مع الشعوب العربية أولا ثم مع الدول التي تقف مع الشعب الفلسطيني وقواه الشريفة وعلى رأسها تركيا واعتبارها طرفا في معركة الحق ضد الباطل والتحرير ضد الاحتلال والاستقلال ضد الهيمنة. أهلا بكل الدول بغض النظر عن خلافاتنا معها ما دامت تقف مع دعم للصمود الفلسطيني، ومن بينها إيران مع تأكيد الاختلاف معها حول الثورة السورية العظيمة.خامسا- مهمة الشعوب العربية لم تنته بعد بل هي في أول الطريق ففلسطين هي كلمة السر التي يختزنها كل عربي شريف في قلبه ويخبئها في حدقات عينيه. الانطلاق نحو صناعة فجر جديد للشباب الذين يشكلون 70′ من هذه الأمة يمر عبر فلسطين وتحررها. فباسم هذه القضية سرق الطغاة ثرواتكم وبددوها وسمنوا جيوشهم لقمعكم وأجلوا استحقاقات الحرية والديمقراطية وسيادة القانون والتمييز الطائفي والجنسي والديني تحت شعار لا صوت فوق صوت المعركة وإذا بنا نكتشف أننا خسرنا الإثنين معا الحرية والأرض وبقي الطغاة في كراسيهم وأعدوا أولادهم لوراثتها وولغوا في دماء الأبرياء وشيدوا سجونا أكثر مما شيدوا مستشفيات. هذا الوقت قد مضى. فأثناء مسيراتكم المتواصلة من أجل التحرير يتم التحرر تلقائيا فلا يمكن الوصول إلى الحرامي داخل المبنى إلا بعد التخلص من الحارس المتآمر الواقف على الباب.سادسا – أما الشعب الفلسطيني فقدره أن يبقى طليعة ورأس حربة وكشافا وقائدا ومعلما ومضحيا ورمزا ولا يختلف العرب على هذا الدور. فالشعب العربي الفلسطيني في كافة مدنه وقراه ومعازله وضيعاته وخيامه في فلسطين المقطعة إلى أربعة أجزاء: داخل الخط الأخضر والقدس والضفة وغزة موكول إليه مهمة النضال المباشر بالطرق التي يراها هو. والفلسطينيون في منافيهم في دول الطوق موكول إليهم دور المساندة والدعم والحشد والإعداد والتمويل والنزول إلى الشوارع وتشكيل الجمعيات والنوادي والمؤسسات ومد الجسور مع إخوتهم المضيفين لحشد الجهود في زج الملايين في عملية الوقوف مع الشعب الفلسطيني في الداخل التي تمثل غزة غرته ورمز عزته وصفحة بطولاته.هذه الرزمة ليست صعبة التحقيق ولا تحتاج إلى معجزات لتحقيقها بل إلى إرادة حرة أو إرادة تناضل من أجل أن تكون حرة. قد تأخذ سنة أو خمسة أو عشرة. لا يهم. المهم أن تكون غزة نقطة البداية وأن تكون غزة المحررة محطة على طريق تخقيق الانتصار العظيم في التحرر والتحرير ثم التوجه نحو الوحدة. فلا أقوى ولا أعظم ولا أشد من إرادة الشعوب. أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك