يزيد بوعنان سواء كانت الخطابات الرسمية المغرقة في التفاؤل هي القريبة إلى الواقع، أو كانت الخطابات المعارضة المغرقة في التشاؤم والقنوط هي عين الحقيقة فإن الشيء المؤكد هو أن الشعب الجزائري مازال ينتظر الساعة الحقيقية للفرج لأن أوضاعه ليست على ما يرام، والسؤال الذي يطرح بإلحاح في ظل هذه الأوضاع هو : ماهي ملامح المرحلة القادمة، وكيف يمكن للجزائر بأن تضع أرجلها على الطريق الصحيح التي تمكنها من أن تمسك بالزمن القادم خاصة وأن الزمن الماضي قد فاتنا كما يكاد الزمن الحاضر يفلت من بين أيدينا؟ وهل أن النظام الحالي مستعد لتصحيح أخطائه وإعداد العدة لتسليم المشعل إلى أجيال جديدة تواقة إلى التغيير أم أنه سيستمر في تعنته حتى يصل أمام جدار عازل كما تقتضيه حركية التاريخ فيضطر إلى الرحيل بعد هلاك مالطا كما يقال؟. إن هذا السؤال تصعب الإجابة عليه خاصة في كنف الظروف والأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية الراهنة، والتي تتميز بنوع من الغليان الاجتماعي والركود الاقتصــــادي بالرغم من أن البلاد تتوفر على احتياطي صرف قياسي مكنها من أن تفاوض المؤسسات المالية الدائنة من أجل الدفع المسبق لديونها كما فعلت مع نادي باريس للدول الدائنة وغيره من البنـــوك العالمية حيث تمكنت من انتزاع موافقة هذه الدول على أن تدفع مليارات من الــــدولارات بشكل مسبق وهو ما جعل الديون الخارجية تتقلص إلى أقل من مليار دولار ،ولكن الحكومة الجزائرية لم تتمكن من خلق الحركية والديناميكية اللازمة لإحداث الإستثمار المنتج وخلق الثروة. وبقي الإعتماد الكلي على المحروقات هو السمة البارزة في اقتصاديات البلد مما يشكل خطرا محدقا بمستقبل التنمية الاقتصادية والبشرية للجزائر.فالتقارير الاقتصادية المعدة من قبل هيئات وطنية ودولية مازالت تضع الجزائر في المراتب الأخيرة من حيث التنمية البشرية والاقتصادية، فالتقارير التي تعد من قبل هيئة الأمم المتحدة خلال السنوات القريبة الماضية والخاص بالتنمية البشرية في جميع بلدان العالم كان قد وضع الجزائر في المرتبة الأخيرة بعد عدة دول عربية وإفريقية لا تملك حتى ثلث ثرواتنا، بل و أن دولة مثل الشقيقة فلسطين قد جاءت في المرتبة التي تبدو فيها متقدمة على الجزائر، فبالرغم من قساوة الطبيعة وبطش الاستعمار الصهيوني إلا أن الفرد الفلسطيني حسب بعض التقارير غير الحكومية هو أحسن حالا من الإنسان الجزائري، ناهيك عن النقاط الأخرى التي جاء بها مثل هذه التقارير والمتعلقة بالاقتسام غير العادل للثروة وانتشار البطالة والفقر وارتفاع نسبة التسرب المدرسي، ولكن هذه التقارير تكون قد غابت عن أذهان المسؤولين التنفيذين في الأجهزة المختلفة للحكومة والتي راحت تعطي أرقاما لا تعكس الواقع على الإطلاق بل هي منافية تماما لما نشاهده يوميا من مظاهر البؤس والتسول والتشرد والتي هي نتاج حتمي للسياسات المتبعة والتي لم تكن ناجعة بالمرة، وعلاوة على ذلك فإن اليوميات الجزائرية قد أصبحت مثقلة بالكثير من الأمراض والأوبئة الاجتماعية بفعل المشاكل المذكورة آنفا، وهذه الأمراض الاجتماعية الخطيرة أدت إلى ارتفاع معدل الجريمة لا سيما في المدن الكبرى، فبعد إنكفاء العمل الإرهابي وتقلصه بفعل السياسة التي اتبعت منذ خمس سنوات خاصة بعد أن استجابت العديد من الجماعات المسلحة لقانون الوئام المدني وبعده المراسيم التطبيقية لميثاق السلم والمصالحة الوطنية، فإن أكبر خطر أصبح يهدد البلاد هو مظاهر الإجرام المنظم الذي يقوده جيل آخر من الإرهابيين الجدد، وهو جيل غير مسيس بل فاقد للعقل تماما لأنه واقع تحت تأثير المخدرات والأقراص المهلوسة التي أصبحت تسوق جهارا نهارا، في غياب شبه تام للسلطات التي أصبحت لا تلقي أي بال لهذه السلوكات المدمرة للأخلاق وللبنية الأخلاقية والاجتماعية بكاملها.السلم الاجتماعي والسلم الأمني: معركة الجزائر القادمة دون شك تتلخص في تحقيق الرخاء الأقتصادي والسلم الاجتماعي، وذلك بعد أن تحقق نسبيا السلم الأمني، واقتنع المسلحون والإسلاميون والاستئصاليون بأن المصالحة الوطنية هي الخيار الأمثل والوحيد لكل الأطراف، وحتى وإن كانت هذه القناعة يشوبها بعض الغموض عند فئات معينة مصلحتها في الوقت الراهن هي الوقوف مع الرئيس بوتفليقة، لذلك فهي تساند مشروعه كما ساندت من قبل مشاريع أخرى مناقضة تماما لمشروع بوتفليقة التصالحي، ومهما يكن موقف هذه الفئات والتي ربما تظهر خلاف ما تبطن فإن تحقيق السلم كان وسيبقى ضروريا وحتميا لكي تحقق البلاد قفزات نوعية أخرى على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي.إن الغليان الاجتماعي الذي شهدته ومازالت تشهده مختلف قطاعات النشاط مثل التعليم والصحة والتوظيف العمومي ككل إضافة إلى الاحتجاجات التي بدأ يقودها الشباب البطال والمهمش في مختلف أنحاء الوطن تعبر عن السخط الكبير الذي تبديه هذه الفئات من الأوضاع المزرية التي تعيشها والبلاد تنام على مليارات من الدولارات، والحكومة بالمقابل لا تلقي أي بال للمطالب المقدمة من قبل النقابات المستقلة والشركاء الاجتماعيين وحتى السياسيين، وأغلقت الحكومة أبوابها بأحكام أمام أي حل تفاوضي حول المطالب المشروعة المقدمة من قبل النقابات وحركات المجتمع المدني والمواطنين والتي تتمحور في مجملها حول الزيادة في الأجور وتحسين الأوضاع المعيشية للعمال والأجراء وظروف عملهم وحياتهم. وفتحها لمفاوضات شكلية الهدف منها فقط هو تهدئة الاوضاع ولكن دار لقمان بقيت على حالها .لا شك أن عزوف الشباب وأرباب العائلات عن الاهتمام بالحياة السياسية وعدم المشاركة في تنشيطها خاصة خلال الاستحقاقات الانتخابية مرده أن هذه الفئات قد أحست بتهميش اجتماعي كبير وهي تطالب بحلول جذرية لمشاكلها وهمومها، فإذا كان البعض يبرر والبعض الآخر يقبل على مضض بأن إغلاق الباب أمام اعتماد الأحزاب وعدم السماح لبعض السياسيين بالممارسة السياسية لأن ذلك من التداعيات السلبية والخطيرة لتفجيرات 11سبتمبر والحصار المضروب على المنظمات الإسلامية في العالم حتى وإن كان ذلك يعد إجحافا كبيرا في حق هؤلاء وفي حق المصالحة الوطنية التي يتبجح بعض المتملقين أنها من أهم الإنجازات التي حققها الرئيس بوتفليقة خلال العشرية الأخيرة، ثم تم تمييع الحياة السياسية باحزاب اصبحت تفرخ كل يوم زاد من هذا العزوف فهل بالإمكان أن نقبل التبريرات الخاطئة التي تقدمها السلطة في تعاملها مع النقابات المستقلة النشطة في قطاع الوظيف العمومي وتفضيلها التعامل والتفاوض مع نقابة الجهاز (الإتحاد العام للعمال الجزائريين) وذلك رغم أن هذه النقابة لم يعد لها أي تمثيل في الكثير من المؤسسات؟، وكأن البلاد قد عادت بعشرات السنين إلى عهد النظام الأحادي الشمولي المغلق الذي لا يعترف إلا برأي الزعيم الأوحد. لقد بات واضحا لدى الرأي العـــــام والخاص بأن السلم الاجتماعي لا يمكن أن تحققه نقابة الجهاز لأنها لم تعد نقابة تمثيلية، وأن إغفال المطالب المشروعة المقدمة من قبل النقابات المستقلة والمواطنين على اختلاف فئــــاتهم ومواقــــعهم سوف لن يزيد سوى في تأزيم الأوضاع وتعقـــيدها ، وأن العــقد الاجتماعي والاقتصادي الذي وقعته الحكومة مع شريكها الاجتــــماعي الأوحد لم ولن يكون له أي تأثير لأنه أدار ظهره لمصالح العمال والموظفين والمواطنين ومطالبهم، وأن الرخاء الاقتصادي والبناء الحضاري لا يمكن أن يتحقق بسواعد عمال وإطارات جائعة تجد صعوبة كبيرة في تلبية احتياجاتها البيولوجية اليومية فكيف لها أن تبدع أو تخترع وتساهم في تطوير البلاد؟ الجزائر مطالبة إذن بأن تستثمر في الإنسان قبل الاستثمار في الأرض والصناعة والزراعة، لأن الاستثمار في الإنسان هو الذي سيحقق الرخاء في الجوانب والمجالات الأخرى، كما فعلت دول أخرى مثل اليابان، الصين، ماليزيا وأندونيسيا، ولابد من تسخير إمكانيات ضخمة لربح هذه المعركة وإذا خسرناها فلن يكون بإمكاننا أبدا الإمساك بخيوط المستقبل خاصة وأن الأزمنة الماضية قد خسرنا معركتها كما يكاد حاضرنا يفلت منا ونحن فارغي الأيدي فهل من هبة وطنية لنحقق هذه الغاية ونتمكن من الإمساك بالزمن القادم؟ بالتأكيد لن يكون ذلك ممكنا إلا باتباع آليات التغيير الحقيقي والسلمي للنظام القائم لأنه نظام وصل مرحلة الشيخوخة وإذا استمر على نفس النهج سيصل أمام جدار عازل وحينها سيصبح التغيير حتمية تاريخية ولكن بعد تقديم خسائر يمكن تفاديها لو تمكنا من الإمساك بخيوط المستقبل قبل فوات الأوان.*كاتب صحفي جزائري