صلاح حزين في آخر ما كتب: اضاءات على الأدب الإسرائيلي الحديث

حجم الخط
0

د. إبراهيم خليلحظيَ الأدبُ الإسرائيليّ باهْتماماتِ الباحثين، وتُعْزى لغسّان كنفاني (1936-1972) المحاولة الأولى لاستقصاءِ مَظاهر هذا الأدَب، وما فيه من الغَطْرسة، والعنصرية. وقد أطلقَ على هذا الأدَب اسْم الأدب الصهيوني(1968) تلاهُ فيما نحسبُ- إبراهيم بحْراوي في كتابهِ الموْسوم بعنوان ‘ أضواءٌ على الأدب الصهيوني المعاصر ‘1972 وممّن كتب في هذا الأدب، وعنه، جودت السعد في ‘ الأدب الصهيوني بين الإرث والواقع ‘ (1981) وعبد الوهاب وهْبَ الله في ‘ الاستيطان في الأدب الصهيوني ‘ 1983 و البحراوي في كتاب آخر هو ‘ الأدَب الصهيوني بين حربيْن ‘ 1977 وأنطون شلْحِت في ‘ شخصية العربي في الأدب العبري ‘ (1986) و د. أحمد حماد في ‘ شخصية العربيّ في قصص الأطفال العبريّة ‘، المنشور في الآداب ع 9-10 (أيلول) 2009 والشخصية العربية في الأدب العبْري ‘ للباحث نفسه قدمه في مؤتمر ‘ الأدَب والمُجتمع ‘ المنعقد بجامعة عين شمس في القاهرة في نيسان (إبريل) 2003. وغانم مزعل في ‘ شخصية العربيّ في الأدب العبْري الحديث ‘ 1986 وصالح عياري في كتاب ‘ في الشعر العبري المعاصر ‘ 1987 وبديعة أمين في ‘ الأسس الإيديولوجية في الأدب الصهيوني ‘ 1988. وهذه العناوين تطرحُ – بلا ريب – إشكاليّة عرَض لها صلاح حزين(1946- 2009) في كتابهِ إضاءات على الأدَب الإسرائيليّ الحديث (2012) عرضًا وافيًا يجيبُ فيه عن السؤال: ما المُصْطلح المناسب لوصف هذا الأدب؟ وهل هو صهيوني أم يهودي أم عبري أم ماذا؟ فهذا الأدب ينطوي على أعْمالٍ لم تكتب بالعبرية، ومن هنا لا مندوحة لنا من استبعاد مُصطلح الأدب العبريّ، ولأنَّ بعض هذا الأدب يمثلُ وجهة النظر الإسرائيليّة، وبعضُ كتابهِ علمانيّون، أو لا يعدُّون يهودًا، لأنهم ولدوا من أمّهاتٍ غير يهوديّات، فلذلك لا بدّ من إقصاء مصطلح الأدب اليهودي. وبعض هذا الأدب لا يخلو من انشقاقٍ عن مضامين الفكر الصهيونيّ، ويمثل خروجًا على هذا الفكر، وانتقادًا للمُمارسة الصهيونية، وتبعًا لذلك لا بد من تجاوز مصطلح الأدب الصهْيونيّ، وتخطيه لآخر، هو مُصطلح الأدَب الإسرائيلي، الذي ابتدأ ظهورُهُ في زمن مُبكّر جدًا، أيْ مُنْذ ظهور حاييم نحْمان بياليك، الذي توفي عام 1917.ومن اللافتِ للنّظر أنَّ الإسرائيلين اتصفوا بالحساسية المفرطة تجاه الأدَب الذي يُخالف في مُحْتواهُ النظرة المنحازة للفكرة الإسرائيلية القائمة على تفضيل العنْصُر اليهودي على غيره، وبصفة خاصَّة تجلَّتْ هذه الحساسية تجاهَ الأدباء الإسرائيليّين الذي حاولوا أنْ يصوّروا، بقليل من الموْضوعيّة، الاعتداءات على العرب في قراهم، ومُدُنهمْ، وعلى عمليات الإبادة التي رافقت ما يسمى بحرْب الاستقلال بالمُصطلح الإسْرائيلي. فعلى سبيل المثال أثارتْ روايَة ‘ خرْبة خزْعة ‘ ليزهار سيملانسكي الكثيرَ من السخْط، في الأوساط الرسميّة، لكوْن الكاتبِ يصوِّرُ بشاعة المُمارسات التي رافقت تلكَ الحرْب. وقد أثارت رواية يَهوشاع الموسومَة بعنوان ‘ في مواجهة الغابة ‘ جدلا مماثلا لكوْن الكاتب يسلط فيها الضوء على تدمير إحْدى القرى العربية فيما راح المُعْتدون يتنزَّهونَ على شاطئ البَحْر بدَم بارد، وكأنَّ شيئا لمْ يحدث. وقوبلتْ رواية ‘ اعترافاتُ عربيّ طيّب ‘ للكاتب يورام كانيوك بعاصفة من الانتقادِ لأنّ المؤلفَ اختار لها بطلا من أبٍ عربيّ، وأمٍّ يهودية، يدوّنُ اعترافاته مشيرًا لبَشاعة ردّ الفعلِ الإسرائيلي، مُؤكدًا زيفَ المقولاتِ الإسْرائيلية، مُبَرْهنًا على أنّ إسرائيل قامَتْ على أباطيلَ ليْس فيها منَ الحَقيقةِ إلا العَسْفُ، ومُصادرة الأراضي، والقتل، والتعْذيب، والاعتقال، ممّا يدفعُ ببَطلِ الرواية (عزوري) في صحوةِ ضمير، للهجْرة خارج ما يُعْرفُ بأرْض الميعاد. ويقفنا المؤلفُ في الفَصْل الثاني من ‘ إضاءات ‘ إزاءَ مَسْألةٍ في غاية الأهميّة، وهي صورةُ العربيّ في الأدب الإسرائيلي، وهي الصورةُ التي سَبَقَ لبَعْض الدارسين أنْ أشاروا إليها، وتناولوها بالدراسة، ومن ذلك الكتابُ الذي وضعته ريزا دومْب بعنوان ‘ صورة العربي في الأدَبِ العبْري 1911- 1948 ‘ الذي ترجمَهُ عارف توفيق عطاري، وصدر عن دار الجليل في عمان. كذلك الكتابُ الذي وضعه غانم مزعل بعنوان ‘ شخصية العربي في الأدبِ العبريِّ الحديث ‘ 1986 ففي معظم الرواياتِ التي تناولَها الكتابُ صورةٌ نمَطيّة ثابتةٌ لا تتغيَّرُ؛ فالعربيُّ بدويٌّ، ومتخلفٌ، وبدائيّ، وعدْوانيٌّ، والإجرام سجيَّة مغروسَة فيه، ولا تغيبُ هذه الصورة حتى عن الروايات التي يتعاطفُ فيها مؤلفوها مع الفلسطينيِّين، فرواية يورام كينيوك المذكورَة لا تشذ عنْ هذه القاعدة. وقد غالى بعضُ الكتابِ في ذلك، ومن بينهم الروائي عاموس كينان، والروائي عاموس عوز، والروائي ذو الأصل العراقي سمير نقاش. وتنبَّه بعضُ الكتابِ الإسرائيليّين لما يُسمّيه المؤلف بالشعور الآثم (بالذنْبِ) تِجاهَ الفلسطينيّين، فاهتموا بالفلسطيني العائد، أيْ: الفلسطيني الذي عاد إلى قريته بعد اللجوء، وقد أفرد المؤلفُ لهؤلاء فصْلا مُسْتقلا تناولَ فيه الكتابُ قصة ‘ الكنز’ لأهارون ميغد التي يقف بنا فيها إزاءَ فلسطينيٍّ عاد إلى قريته ليكتشفَ أنّ منزله الذي طُردَ منْهُ تقيمُ فيه أسْرة يهودية، فيفكّر باغتصاب المَرْأة. ويرى المؤلفُ في ذلك رمزًا للثأر ممَّنْ أخذوا بيْته، واستولوا على كنْزه، فهو يهمّ باغتصاب اليهوديّة تلك في دفاعٍ لا شعوريٍّ عن الذات. ونحْو ذلك يشْعُرُ المُجنَّد الإسرائيليّ بالندم بعد أنْ قامَ بقتل الأسْرى في قصّة سيملانسكي ‘ الأسير ‘. وفي قصة لعاموس عوز يرى المؤلف في ظهور عزيز، وخليل، وهما عربيّان، لِحَنّة، بطلة الرواية، في كابوس يَتكرَّر، ويَحْرمُها من النوم، تعبيرًا عن الندم، والشعور بالإثم، فهْي، وميخائيل، مسؤولانِ عنْ نكْبَةِ رشيد شحادة، وعائلته، بعد أن هُّجّرا قسْرًا، وأقامتْ، هي وميخائيل، في البيت الذي بدلا ممّن أقاموه. أمّا رواية ‘ الطريق إلى عين حارود ‘ لعاموس كينان، فتنظرُ للأمْر منْ زاويةٍ أخرى، إذ تتنبأ بانقلابٍ فاشيٍّ يَسْتهْدفُ بقواهُ جلَّ السكان المقيمين في فلسطين عربًا ويهودًا. ويرى الأديبُ صلاح حزيّن في انتصار الفاشيّة، ها هنا، تعبيرًا عن ضيق الكاتبِ كينان بالشعارات الزائفة التي قامتْ عليْها الدوْلة العبْرية، فهي شعاراتٌ ليْست خلوًا من العدالة حَسْبُ، بلْ تؤدي إلى الطغيان.وليْسَ أدلَّ على زيفِ تلك الشعارات من لجوء الإسرائيليّين إلى قتل الأسْرى، وذلكَ شيءٌ يفنّد بقوّة ما يدّعيهِ الإسرائيليون من حرْص على حقوق الإنسان، و من مزاعم يكرّرونها عن مراعاتهم لقوانينِ الحَرْب. فالمؤلفُ يُشيرُ لقصَصِ قصيرة، ورواياتٍ، يزهو فيها المُجنَّدونَ الإسرائيليون بفِعْلتهمْ الشنيعَة، وهي التخلُّصُ منَ الأسْرى بقتلهم. فإحدى القصص التي يَتناوَلُها صَلاح حزيِّن وعنوانُها ‘ الثغرة ‘ لسمير نقّاش، تدور حول ما جرى في حرب سيناء عام 1967 وفيها يطلبُ أحَدُ القادة من المُجنَّد (صادوق) قتل الأسير المصري عبد الفتاح، على الرغم منْ أنّ قواعد الاشتباك، في تلك اللحظة، لا تسوّغ لهما القيامَ بذلك، وعندما يتردَّد صادوق في تنفيذ الأمْر، لعدم قناعتهِ به، يقوم القائدُ نفسُه بذلكَ، هذا على الرغم من أنَّ الضابطَ الأسيرَ جريحٌ، وللجرحى في الحربِ ظروفٌ تستدعي العلاج عوضًا عن التصْفيَة. ومشاهدُ إذلالِ الأسرى، وتعْذيبهِمْ، كثيرة في القصص الإسْرائيلي، نجدُ ذلك في قصة ‘ مُباراة في السباحَة ‘ وقصّة ‘ الأسير ‘ ليزهار سيملانسكي، وغيرها ممّا أشار إليه المؤلف، أوْ لمْ يُشرْ. ويتابعُ صلاح حزيّن تسليط الضوء على الأدب الإسرائيلي، فيخصّصُ فصلا للشاعر يَهودا عميحاي الذي قضى نَحْبَهُ في 24 سبتمبر- أيلول من العام 2000 فما الذي يَحْدو بالمؤلف لتخصيص فصلٍ مُسْتقلّ لهذا الشاعر الذي ينعته نعتًا لا يَخْلو من طرافة، وتهكّم، وهو ‘ رئيسُ أركان الشعْر الإسْرائيلي الحديث ‘؟منَ المَعْروف أنَّ عميحاي من مواليد ألمانيا 1924 وقد هاجَرَ منها إلى فلسطين سنة 1936وظهرتْ بواكيرُ شعره في أربعينات القرْن الماضي، وهي بواكيرُ تشفّ عن تأثرهِ بشُعَراء منهم: هولدرن، وريلكه، وت. س. إليوت Eliot. وفي بداياته يتجلّى أيضًا الأثر الوجوديُّ الفلسَفيّ. ومعروفٌ أيضًا أنه شاعرٌ منْ جيل البالماخ، الذي أوْغَلَ في تسْييس الأدَب، وَضَيَّقَ أدَباؤهُ أفق الرؤية الأدبيّة لتنْحصِرَ في السعي لإقامةِ الدّوْلة العبريّة على أرْض فلسطين. وفي شعْره الكثيرُ منَ التماثلات التي تجْمَعُ بيْن العادي والأسطوري، على الرغْم منَ أنَّ المؤلفَ يؤكدُ – في غير تحفُّظٍ – أنّ الميثولوجيا عندَهُ لا تعني شيئًا سِوى التوْراة. ولهذا يتسمُ شعرُه بالكثير من الحشْو الذي غايَتهُ الربْط بين ثقافةِ ‘ إسْرائيل الجديدة ‘ والإرْث اليهوديّ. ومن أجل ذلك نجدُه في بَعْض قصائدهِ يَغوصُ عميقا للنَّبْش في تراث الملك شاؤول، وهو أوّلُ ملوك العبرانيّين. أما عنْ نظرته للقدْس، فلا تختلفُ عن نظرة أيِّ إسْرائيليٍّ يَعُدّها إرثا يهوديًا مُنذ الأزل، وهو في ذلكَ لا يَخْتلفُ عن أولئك الذين كتبوا رواياتٍ، وقِصَصًا تجري بعضُ حوادثها في تلك المدينة. وهو الشيء الذي سَبَقَ للمؤلف أنْ تناوله مُفصلا في الفصل المَوْسوم بعنوان ‘ القدسُ في الكتابةِ الإسْرائيلية ‘. لقد تجلتْ شوفينيّة عميحاي بصفةٍ لافتةٍ في شِعْره الذي كتَبَهُ، وَنشَرهُ، في أثناء الانتفاضَةِ الفلسطينيّة ضدّ الاحْتلال، فالشبانُ الذين يرشقونَ جنودَهُ بالحِجارَةِ آثمونَ في رأيهِ، وَشِرّيرون: إنهم يقذفونني بالحجارة قذفوا في 1936 وفي 1939 قذفوا في 1948و 1988 أشرار يقذفونَ وأخيار يقذفونآثمون يقذفونَ وأخيار يقذفون.. ومِمّا يُسوّغ تخْصيصَ المؤلفِ لعميحاي فصْلا في الكتاب أنّه من أكثر الشعراء الإسْرائيليين شُهْرةً في العَصْر الحديث، وقد تُرجمَ الكثيرُ منْ شعْرهِ للغاتٍ عدّة، منها الإنجليزية. ونشرتْ مقابلاتٌ تُعرِّفُ به، وبسيرتهِ، وبأعماله الغزيرة، علاوةً على أنه في أواخر أيامهِ أصابَهُ بعْضُ الندم، والشعور بالإثم، وقد عبّرَ عنْ هذا بقوله إنّه كانَ في الماضي يتحدَّثُ بصوْتِ الجَماعَةِ الإسْرائيليّة، أيْ: ضمير ‘ النحْنُ ‘ وأما قصائدهُ الأخيرَةُ، فيَغلبُ عليْها صوْته الخاصّ، صوتُ الأنا. ومثلما عُني صلاح حزيّن بعميحاي، عُني بالكاتبِ الإسْرائيليّ ذي الأصل العراقيّ سمير نقاش. فعلى الرغم من أنَّه اشار لبعْضِ قصَصِه، ورواياته، في الفصول المتقدّمة من الكتاب، نجدُهُ يخصِّصُ له ثلاثة فصول متتابعَة تمثل في الواقع مقالاتٍ ثلاثةً نُشرتْ آحادًا، وهذا يؤكدُ أنّ الكتاب لا يَخْلو من تكرار على الرغم من أنّ وليدَ أبو بكر وحزامة حبايب- مُحقّقيْ الكتاب – حاولا أسْتبعادَ ذلك. وأمّا عاموس عوز فقد خصَّص له فصلا تناول فيه روايته السيرة ‘ حكاية حبٍّ وظُلْمَة ‘ الصادرة بالعبرية عام 2003 والمترجمة للغة الإنجليزية عام 2005. وهي سيرة تمتزجُ فيها ثلاثة أنواع منَ الكتابَة، هي: التاريخ، والسيرة، والرواية. فهي سيرةٌ، لكوْن البطلِ فيها هو الكاتبُ نفسُه، وهي تاريخية، لكونها لا تخلو من الحوادث التي رافقت ولادة البطل في فلسطين، مع ما يتخلَّلُ ذلكَ منْ حكاياتٍ سَمِعَها عن موطنهم الأصلي قبل أنْ يهاجروا إلى فلسطين. فهْو على وَفْق رؤية صلاح حزين يُحاولُ أنْ يجمع بين تصويره مأساة البطل و’ مأساة ‘ الشعب اليهودي بتعْبيره. وهذا يُسوّغ الدمْج الواعي، والمقصودَ، بين أدب السيرة الذاتية والمُتخيَّل الروائي. بيْدَ أن هذا المُتخيَّلَ لا يَخْلو، وفقاً لرأي المؤلّف، من تحيُّز تجاهَ الفلسطينيين؛ فملخصُ السيرة التي تقع في نيف و500 صفحة لا يَعْدو التأكيد على أنَّ الفلسطينيّينَ لا حقوقَ لهم في فلسطين، ولا حقوق لهمْ في العَوْدة إلى الديار التي أخرجوا منْها، وشرّدوا، وطردوا شرَّ طَرْدَة. ومن المفارقاتِ العجيبة أنّ عاموس عوز يتعاطفُ معَ اليهود الباقين في البلاد العربية، ولا يتعاطفُ مع اللاجئين الفلسطينيّين المقيمينَ في مُخيَّماتٍ لا تصْلحُ للإقامَة. وأما التاريخُ، فيرى المؤلفُ أنّ هذه السيرة، بتقاطعها مع الحوادث، تسْهمُ كغيرها من نصوص الأدَب الإسرائيلي، في تزْييف التاريخ. فروايتهُ لِما حَدَثَ، وجرى، في العام 1948، روايةٌ لا تَتَجاوزُ الرواية الرسْميّة الزائفة التي تدّعي أنَّ الدول العربيّة هاجمَتْ إسرائيل، وأنَّ إسرائيل انْتَصَرَتْ على هاتيكَ الدول، وأنَّ الفلسطينيين غادروا البلادَ بمَحْض إرادتهمْ، دون ضُغوطٍ.وأيًا ما كانَ الأمْرُ، فإنّ بعضَ ما يثيرُ شهيَّة القارئ لهذا الكتاب، فضْلا عمّا سَبَق ذكْرُهُ، أنّهُ يلتفتُ لرواية ‘ عَرَبْسك ‘ في فصْلٍ خاصّ، هو الفصل الأخير، وهي رواية عبرية لكاتب عربي أنطون شمّاس- فيها الكثيرُ ممّا له صلة وثيقة بالأدَبِ العبْري، وبحياة الفلسطينيّين في (الجليل) شماليّ البلاد، وما يواجهونه يوميًّا منْ قهْر، يصلُ حدَّ التعسُّف. وصلاح حزيّن، بتناوُلهِ لهذه الرواية- ها هنا – يحقّقُ مزيّة إضافيَّة لكتابه هذا، بالنظر للوَجْه الآخر لقطعة النقود. فحتى تكتملَ الرؤيةُ لا بدّ من مقابلاتٍ بيْنَ الأدبيْن العربيّ والإسرائيلي. وتقومُ هذه الرواية على حبْكة طريفة، ونادرة، فالبطلُ هوَ الكاتبُ، لكنَّهُ ينْشَطرُ على مستوى المُتخيّل إلى اثنيْن: أحدُهُما يكتبُ النصف الخاص بمن نزحوا، وشُرّدوا ( أنطون جريس شماس) والثاني يكتبُ عن الذين صَمدوا، وظلّوا في الجليل (أنطون حنا شماس) ومن هذا المزيج المُتناغم تجلّى عرْضُ الكاتب لحوادثَ جَرَتْ في العام 1936 وأخرى في العام 1948 في نسَق تتراسلُ فيه السيرَةُ، والتاريخ، والسرْد الروائي. فَهْو، على سَبيلِ المثال، لا يفوتهُ أنْ يَصفَ طريقة الإسرائيليِّينَ في احتلال قريتهِ (فسّوطة) عام 1948 مثلما يصفُ طريقتهم في تنفيذ المَذابح، ومنها: مَجْزرَة صبرا وشاتيلا في لبنان عام 1982. وقد أثارتْ الروايَةُ عنْد ظهورها بالعِبْريّة عام 1986 جدلا عنيفًا في أوْساطِ الإسرائيليينَ، لأسْبابٍ من أهمِّها: أنَّ الكاتب كَسَرَ الاحتكارَ اليهوديَّ للّغة العبْريّة، فها هوَ ذا كاتبٌ عربيٌّ منْ فلسطين يكتبُ رواية بلغة عبْريّة أنيقة، ورفيعة المُسْتوى. وسببٌ آخر، وهو أنَّ الفضائحَ، والفَظائعَ، التي تعبِّرُ عنها الرواية لا تخاطبُ القارئَ العَرَبيّ المُنحازَ للفلسطينيّين، مثلما هي الحالُ في رواية ‘ المُتشائل ‘ لإميل حبيبي، بلْ تخاطبُ القارئَ الإسْرائيليَّ، وفي ذلكَ ما فيه من كدَرٍ يَمَسّ بالصّورَة التي تحاولُ إسرائيلُ الإدّعاءَ بانَّها صافيَةٌ صفاءَ البلّور، ونقيةٌ نقاءَ ماءَ المَطَر.وصفوةُ القول أنّ في كتاب صلاح حزيّن الكثيرَ منَ المَلامِح التي نَراها في الأدَبِ الإسرائيليّ، بعْدَ أنْ سلَّط الراحلُ الضوءَ عليْها، كاشفًا ما فيها من زوايا ظليلة، وسَراديبَ مُعْتمة، يظنُّها الكثيرونَ خافيةً عنِ الأنْظار، فجاءَ ليجلوَ عنْها الغُموضَ بُعَيدَ رحيلهِ الفاجع 2009. ويذكرُ أن للمؤلف كتابًا بعنوان غسانُ القلب 2010 وكانَ قدْ ترجمَ رواية جوزيف كونراد قلب الظلام Heart of Darkne وترجم أيضًا رواية هوراس مكوي Mecoy المعروفة بعنوان ‘ إنهم يقتلون الجياد أليس كذلك؟ ‘They Shoot Horses, Don’t They وهذا الكتابُ الذي اعتنى بنشره وليد أبو بكر، وصدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت. ناقد وأكاديمي من الأردن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية