‘ليلى والثلج ولودميلا’ للروائية الأردنية كفى الزعبي: تراجيديا انهيار الأحلام الكبرى

حجم الخط
0

مهدي نصير هذه الرواية والصادرة بطبعتها الثانية عن دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر في دمشق عام 2012 والواقعة في 566 صفحة تمثِّل الرواية الأهم في نتاج الروائية الأردنية كفى الزعبي وهي التي لفتت الانتباه إلى روائية متميزة ومتمكنة من أدواتها الثقافية والفكرية واللغوية وإلى مهارتها في خلق الشخصيات ورسم حواراتها وتناقضاتها وصراعاتها بواقعية عالية وعمق ثقافي وفكري مميزين.سأتحدث عن هذه الرواية الثرية عبر إضاءات لبعض أجواء الرواية ومناخاتها وشخصياتها وتكوينهم الثقافي والفكري والسياسي والإنساني والمرحلة التاريخية القلقة التي شكَّلت الإطار الزمني للرواية ( مرحلة انهيار الإتحاد السوفييتي وتحولاته وتحولات العالم معه إلى هيمنة الرأسمالية الغربية الشرسة والمطلقة على حركة تاريخ العالم ) وكما يلي :أوَّلاً : كانت مدينة لينينغراد وموسكو وبعض المدن الروسية الصغيرة هي المكان الذي تحرَّكت فيه معظم أحداث وشخصيات الرواية بالإضافة إلى حضور الوطن ( الأردن ) في بعض فصول الرواية، أما زمن الرواية فهو مرحلة بروز غورباتشوف كزعيم للإتحاد السوفييتي وتبنيه البيروسترويكا ( إعادة البناء ) وما تلاها من انهيار وتفكُّك الإتحاد السوفييتي.ثانياً : ربما كان اسم الرواية ‘ ليلى والثلج ولودميلا ‘ والذي يحمل اسم شخصيتين رئيسيتين احتلتا معظم فضاء الرواية : ليلى طالبة الطب العربية والقادمة من الأردن ومن ثقافة شرقية متفتِّحة نسبياً وليست منغلقة ( فوالدها مناضل شيوعي يحلم بالتحرر والعدالة ويناضل في وطنه من أجل مستقبل أفضل لبلاده )، ولودميلا الروسية الفاتنة التي تحلم بالحياة وتمارسها بكل رعونتها وعمقها وبدون أية عُقَدٍ وبدون تكلُّف وبصدقٍ ذاتي وانسجام مع ذاتها، وبينهما برزخٌ عميقٌ من الثلج ( الجغرافيا والبيئة المختلفة عن الصحراء والتي أنجبت حضارة مختلفة ومغايرة لثقافة الصحراء )، لذلك كان من المشاهد ذات الدلالة العميقة أن الذي امتلك ليلى كان الثلج جسديا وذهنياً.ثالثاً : هذه الرواية تبحث في الزوايا الحادة المعتمة للمرأة تحديداً في ثقافتين مختلفتين في جذورهما وفي رؤيتهما للمرأة وتبحث بوعي عميق ومؤلم وتراجيدي أحيانا في هذا البرزخ العميق الذي يفصل زمنياً بين ثقافتين تتجاوران مكانياً وإنسانياً.وربما كانت المقولة الأكثر بروزاً كمكوِّن تراجيدي وتاريخي لهذه الرواية وعبر شخصياتها الفاعلة هي المرأة الشرقية واضطهادها وعبوديتها ونقصها وضعفها وتمردها وقمع حاجاتها الانسانية وحقوقها، في مقابل المرأة الغربية بتحررها وانطلاقها وامتلاك ذاتها كيف واجهت فتاة عربية بهذا الإرث الثقيل هذا التناقض التاريخي والثقافي الكبير والقاسي وكيف تعاملت معه ؟ رابعاً : هذه الرواية ذات لغة رشيقة ومشرقة وعالية المستوى ودخلت بكل احتراف ووعي لمكنونات ودوافع الشخصيات الدفينة والعميقة ( الآنيَّة والثقافية والحضارية والتاريخية الجمعية والشخصية ).خامساً : تم بناء الرواية عبر فصول تحمل أسماء الشخصيات المحورية ومن خلال راوٍ مستقلٍّ ومُطلٍّ وفي كل فصل كان يتم تقصي الشخصيَّة التي تحمل اسم الفصل وقراءة سلوكها ومواقفها وتقاطعاتها وتناقضاتها وصراعاتها مع ذاتها داخلياً ومع الشخصيات المرتبطة بها عبر مونولوجات وحوارات داخلية وخارجية كان من خلالها يتم قراءة فضاءات وتكوين وتناقضات هذه الشخصيات.سادساً : المحور الأهم في هذه الرواية هو( المرأة الجنس ) وتراجيديا حقها في امتلاك قرارها المتعلِّق بذاتها ومستقبلها وجسدها وعلاقاتها بعيداً عن تابوهات تمَّ تقديسها ( لا تقديساً دينيَّاً بل تقديساً فقهيَّاً توقَّف عند لحظة تاريخيَّةٍ قديمة ولم يتقدَّم بعدها ). وكانت مقولة الجنس كمُحرَّم هي الحدث الأكثر بروزاً في صراعات وتناقضات شخصيات هذه الرواية ومثَّلها بعمق عالي صراعات ليلى الداخلية بين عالمها المحافظ ووعيها الذي يتفجَّر في صراعه وتناقضه واقترابه وابتعاده عن الحريَّة الغربية والتي تمارسها لودميلا الروسية كنموذج لهذه الحريَّة.المرأة الشرقيَّة كمكوِّن أساسي في المجتمع العربي وعبوديتها واستعبادها وقمع الروح المتفجِّرة في داخلها ومنعها من ممارسة حياتها واختياراتها ومستقبلها ورعاية جسدها ضمن منظومة حرَّة وليس عبودية كان الهاجس الأكثر إلحاحاً في رصد وفهم سلوك وتناقضات ليلى كشخصية محورية لهذه الرواية.في مقابل ذلك كان هناك نقدٌ شديد ( شرقي وغربي : مثَّله رفض اندري الروسي للجنس الجماعي والتهتك والإباحية ومثَّله رفض ليلى لهذا الجنس البهيمي والحيواني )، هذا الجنس الذي انتشر بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وكانت تقوده المافيات الروسية والروس الجُدد ولصوص الثروة الجُدد ومثَّله في الرواية فكتور وزوجة اندري الصحفية وأصدقاؤها ومثَّلته أيضاً ببهيمية مقزِّزة غالينا زوجة رشيد.وهذا النقد المشترك لبهيمية الجنس الجماعي والإباحي وان الحق للرجل والمرأة فيه بعيداً عن البهيمية والتوحش والغريزية المنفلتة بل هو دعوة أن يكون سامياً وإنسانياً وراقياً، وربما كان المشهد بين رشيد وليلى وتفسيرها الراقي لذلك الجنس الروحي الممزوج بالحب والشفقة والخوف الانساني على الآخر واحداً من الصيغ التي تؤشِّر إلى الاحترام العالي للممارسة الجنسية عبر الحرية الشخصية المسئولة والواعية والإنسانية وليس عبر البهيمية المتوحشة والتي تُفرِّغ الروح الإنسانية الراقية وتسكب مكانها وحشاً جنسيَّاً أهوج. سابعاً : سقوط الحلم الاشتراكي ورصد بدايات الانهيار في هذا الحلم الإنساني ورصد انهيار القيم وانتشار الفساد والمافيات واللصوصية والدعارة والثروات الطارئة والملوَّثة في نسيج الحياة الروسية بعد الانهيار الكبير والسريع كان بارزاً بحزنٍ شديدٍ عَكَسَ انهيار حلمٍ إنسانيٍّ كبيرٍ لم يرتبط بروسيا والاتحاد السوفييتي فقط بل ارتبطت به أحلام شعوبٍ كثيرةٍ مقهورةٍ، وارتبطت به أحلامٌ فرديَّةٌ لأشخاص كان هذا الانهيار انهيارا لأحلامهم الشخصية الصغيرة، فرشيد مثلاً وعبر تحوُّلاته من مناضل شيوعي ومسئول للطلبة في لينينغراد والمثقف الثوري انساق مع تحوُّلات المجتمع الروسي الكارثية وعمل بالتجارة الصاعدة وأصبح ثريَّاً ولكنه لم يستطع احتمال انكسار أحلامه الكبيرة والصغيرة مما أدى إلى انتحاره التراجيدي كنموذج لموت وسقوط جيل في اليأس والضياع. ثامناً : الشخصيات الروسية التي بكت أحلامها ووعت حجم الدمار والخراب في المجتمع الروسي نتيجة للبروسترويكا كان حضورها تراجيدياً وقاسياً ( كأنَّك تقرأ شخصيات من التراجيديات اليونانية الكبرى ) : فمكسيم نيكولايفيتش الاستاذ الجامعي وتحوَّلات زوجته المتصابية لاريسا، وأندرية باراسيفيتش الطبيب الناجح والأخصائي ومعلم أندري الذي طُرد من عمله ليتشرَّد ويتسوَّل ، وكبيرة الأطباء وصديقة أندري وموتها المفاجيء لعدم توفر الدواء والمال ووسيلة نقلها للمستشفى وهي الشيوعية المخلصة والمتفانية في عملها وحبها لوطنها، والدة الكسي صديق أندري والذي قتلته المافيا والتي أصبحت متسوِّلة في محطات القطارات هذه بعضٌ من نماذج الانهيارات التي شكَّلت مكوِّناً من أبرز مكوِّنات هذه الرواية ومقولاتها.تاسعاً : في المقابل انكسرت أحلام رشيد وليلى ووالدها وكل الحالمين والثوريين العرب الذين آمنوا بالحُلم الكبير، فرشيد لم يستطع التأقلم والاحتمال فانتحر، ووالد ليلى الذي شكَّل حضوره الرمزي محوراً هاماً من محاور صراعات ليلى الداخلية بين التقاليد واحترام هذا الأب المناضل الشيوعي الذي سُجن وثبت على مبادئه والذي أصبح يصلي ويقود صلوات الاستسقاء الشعبية والذي يبكي سِرَّاً وتبكي ليلى عليه ومعه وتشفق عليه وعلى حالها كأنها واحدة من نساء سوفوكليس في تراجيدياته الكبرى.في إحدى حواراتها الداخلية تسأل ليلى سؤالها القاسي والعميق : لا أعلم أيُّنا الضحية أنا أم أبي ؟ هذا السؤال الهام والمحوري والذي يدلُّ على عمق استيعابها للإشكالية التي تناقشها في حوارها مع ذاتها وتقاليدها وثقافتها وثقافة وتقاليد المجتمع الروسي الذي ينتمي اليه الرجل الذي أحبته : أندري .عاشراً : ليلى في هذه الرواية تمثِّل البنت والفتاة والمرأة الشرقية المثقفة والواعية والمتعلِّمة والتي أصبحت طبيبة وعاشت في مجتمع روسي غربيِّ الثقافة وتحاورت معه وتصارعت معه وقاومته وأخذت منه وأعطته وعشقت طبيباً روسيَّاً بكل كيانها الإنساني ‘ أندري ‘ ورفضته سنوات طويلة أقامت خلالها بعض العلاقات الإنسانية العابرة مع ايجور وجينيا الرسام ثم مع رشيد في لحظةٍ إنسانيَّةٍ صاعقةٍ استطاعت الرواية وصفها بأدقِّ تفاصيلِ عذاب وتناقضاتِ المشاعر الإنسانيَّة والوطنية والقومية بدقةٍ وصفاءٍ عاليين.حادي عشر : هذه الرواية والتي صوَّرت انهيارات الشخصية الروسية بنفس القدر الذي صوَّرت ورصدت انهيارات الطلاب والمثقفين والثوريين العرب وربما صوَّرت بطريقة غير مباشرة هشاشة هؤلاء الثوريين العرب الذين وضعوا حلمهم في سلَّة الحلم الروسي ولم يعملوا على تطوير قواهم الذاتية وربما كانت تشير إلى أن الشيوعية والتقدمية العربية كانت قشرة فارغة ونسخ لنموذج لم يتجذَّر في ثقافة من حملوه وكانوا في تكوينهم يحملون جينات فكر تقليدي غير قادر على بناء مشروع نهضوي مستقل.ثاني عشر : حملت الرواية كثيراً من المقاطع الشعرية لشعراء روس كبوشكين ومايكوفسكي وحملت بعض الأغاني الشعبية الروسية بنوعٍ من الحنين والتذكار لذلك العالم النقيِّ الذي قاد الثقافة الروسية التي تنهار أمام الجميع بسرعةٍ خرافيَّةٍ وبدون قدرة على إيقاف هذا الانهيار أو استيعاب محرِّكاته الشيطانية ومن المشاهد القاسية ذات الدلالة وقوف تمثال بوشكين الذي كان يحتل قلب مقهى ومطعم الأدباء والمثقفين على باب المطعم السياحي الذي حلَّ محله كنادل وجرسون وسلعة للترويج.هذه الرواية تستحق أن تُقرأ وتُناقش وتُحلَّل لولوجها تابوهات شرقيَّة مقدَّسة برؤية إنسانية عميقة وجريئة ولتصويرها ذلك اللقاء القاسي والتراجيدي بين حضارتين وثقافتين مختلفتين في جذورهما وبحثها عن الخطاب الإنساني العميق والذي يشكِّل نقطة لقاء حقيقية بين كل ثقافات الشُّعوب بشرقها وغربها.كفى الزعبي في روايتها هذه كانت تُصوِّر بصدق ووعي عميق تناقضات هذا التخلُّف الذي تعيشه مجتمعاتنا العربية وعدم قدرتها على مواكبة الحضارة الإنسانية وعدم قدرتها على ولوج العصر سياسيَّاً واقتصاديَّاً وإنسانيَّاً وأشَّرت إلى مُحرِّكات ومُغذِّيات هذا التخلّف وبيَّنت أن تحرُّر المرأة العربية روحاً وجسداً ووقوفها ككائن إنساني كامل الأهلية هو المفتاح الأهم في التحرُّر الوطني والقومي والمدخل الحقيقي للمشاركة في بناء حضارة شرقيَّة إنسانيَّة متميَّزة عن الحضارة الغربية وغير تابعة لها وهي أيضاً المدخل لنقل الإنسان العربي الذي ما زال يرزح نحت نير تاريخٍ هائلٍ من التخلُّف والعبودية والجهل والذكورية الهوجاء والناقصة والهشَّة والتي تقضم زمانه وجغرافيته وتعمل على إخراجه كليَّاً من التاريخ والجغرافيا البشريّة برمَّتها.الحصن 6-11-2012

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية