د. خليل قطاطو وضعت الحرب أوزارها وآن لنا أن نحللها بموضوعية وشفافية. هل كانت النتيجة نصرا أم هزيمة، وما هو المقياس الحقيقي للحكم؟. هل هي الخسائر البشرية والمادية، أم الاهداف التي تحققت او لم تتحقق، ام الروح المعنوية، أم ما ترتب عن هذه الحرب من نتائج، ام الموقف الاقليمي بمتغيراته والموقف الدولي الآخذ للوضع الجديد بالحسبان، أم ما يستشرفه المستقبل القريب والبعيد بعد هذه الواقعة، أم كلها مجتمعة؟.خرج ثلاثي الارهاب والشؤم معا من مخابئهم تحت الارض (نتنياهو ،ليبرمان، وباراك) ليعلنوا انتهاء العمليات العسكرية بعد أن حققت أهدافها المعلنة وهي تدمير القدرة الصاروخية لحماس خاصة والمقاومة عامة. كانوا متجهمي الوجوه كمن حطت على روؤسهم الطيور. ولم يقنعوا أحدا، فالصواريخ لم تتوقف. الهدف غير المعلن كان أختبار قدرة القبة الحديدية على اعتراض الصواريخ (تحضيرا لحرب أوسع لاحقا) وهذا لم ينجح ايضا فسقوط القتلى (المحدود) والجرحى في الجانب الاسرائيلي كان دليلا ملموسا على فشل هذه القبة (ولو جزئيا). امريكا ستدفع من جديد لتطوير هذه القبة. اسرائيل أعطت للمقاومة فرصة ذهبية لإختبار صواريخها (أيضا) بعيدة المدى التي جربت لأول مرة. صحيح ان الدقة كانت معضلة لكن المدى تحقق عمليا والمدى الجديد وحده كان مرعبا للاسرائيليين وقادتهم.الروح المعنوية للمقاومة كانت مرتفعة، وشوارع غزة امتلأت بالناس حتى في ذروة ساعات القصف فغزة لا تعرف صفارات الانذار، اما على الجانب الآخر فقد كان الهلع جليا لا يمكن اخفاؤه. أحد ألأصدقاء علق على هذا الموقف بكلمات بسيطة ولكنها صادقة: الناس في غزة يموتون راضين في وطنهم ومن اجله أما في تل أبيب (تل الربيع) والقدس الغربية وسديروت وهرتزيليا وعسقلان فيخافون الموت لأن هذه الارض ليست وطنهم.الخسائر البشرية في صفوف الفلسطينيين لا تشكل نصرا لاسرائيل. الهدف كان استهداف قادة وأعضاء المقاومة ولكن استشهاد الكثير من الاطفال والنساء لدليل على جبن وتخبط المعتدي واجرامه واستهتاره وفشله في الوصول لأهدافه فقتل ألأبرياء لأنهم أهداف سهلة جدا. القيادة العسكرية الاسرائيلية كان أجدر بها أن تخجل من أفعال كهذه، ولكن متى كان يعرف القاتل معنى الخجل أو الندم؟.المتغيرات الاقليمية، خاصة في مصر، لعبت دورا في كبح جماح المعتدي. مبارك كان حليفا لاسرائيل حتى ان وزيرة الخارجية الاسرئيلية ليفني اعلنت الحرب على غزة (بوقاحة) عام 2008 من القاهرة. الرئيس المصري اليوم، محمد مرسي، لا بد أنه هدد بقطع العلاقات الدبلوماسية وتجميد كامب ديفيد في حال بدأت اسرائيل حربها البرية على غزة. ولا بد أن الجانب الأمريكي أدرك أن مصر الجديدة مختلفة فنصح نتنياهو ألأرعن بعدم الاقدام على خطوة الحرب البرية. تقول هيلاري كلينتون أن العلاقات الامريكية الأسرائيلية والدعم الامريكي لأسرائيل متين كالصخر،هذا في العلن، اما في الواقع فلعلها أقنعت نتنياهو المتهور أن الوضع الآن مختلف عن ديسمبر 2008 ويناير 2009. وربما أن نتنياهو هذا لم يكن يرغب بالاقدام على الحرب البرية أصلا، ولكنه أستعملها ورقة لترهيب المقاومة، وهو يدرك حقيقة أن هذا الخيار لن يرهبها فبدا غبيا وبدت أوراقه كلها مكشوفة للجميع.زيارة رئيس الوزراء المصري، ووزراء خارجية عرب (والتركي) والامين العام للجامعة العربية، وخمسمائة متضامن مصري، وفتح معبر رفح للمساعدات الانسانية، رفعت من معنويات الغزيين (المرتفعة أصلا) واجابت نتنياهو بوضوح ان كان يختبر الوضع العربي الجديد.المشككون في هوية الثورة السورية وأهدافها وعلاقتها بالمقاومة جاءتهم الأجابة من المتظاهرين في المدن السورية تحت النار وهم يتضامنون مع غزة ويهتفون لها، فالشعب السوري الثائر (وليست حكومته التي تتاجر بالمقاومة والممانعة) هو العنوان الحقيقي للمقاومة. وقف اطلاق النار وموافقة اسرائيل على فتح المعابر هو نصر للمقاومة، المقاومة تحتاج لالتقاط الانفاس في مرحلة وقف الاغتيالات المقبلة وهذه خطوة (ولو جزئية) لفك الحصار.تضامن أهل الضفة مع غزة عزز تيار المقاومة مقابل تيار المفاوضات والتنازلات والحل السلمي المتوقف قطاره منذ 1993 كما عزز من فرص تحقيق المصالحة الفلسطينية كما يقول خالد مشعل وأن كانت ألأيام القادمة ستثبت هذا من عدمه، ويعتمد على القراءة المتفهمة لعباس وسلطته للوضع الجديد.فجر 5 أيقظ نتنياهو من أحلامه المزيفة الى كوابيس الواقع، ولعله يفكر بطريقة أفضل في الملاجيء تحت ألأرض. فجر 5 التي هبطت في تل أبيب والقدس الغربية، عرفت طريقها الآن، وربما في المرة القادمة تعرف ضالتها الى مكتبه (او من سيحل محله) في رئاسة الوزراء أو الكنيست أو الى غرفة نومه.نعم كان نصرا، تماما مثل الحديبية الذي سبق فتح مكة.’ كاتب فلسطيني