أجرى الحوار محمد البغوري: عبد اللطيف الزكري كاتب ومبدع مغربي، اختار لنفسه سَننا فريدا في الإبداع والكتابة، سعى فيه بكل قواه لأن يمزج بين مقولات الفلسفة وومضات الأدب، فأتى هذا الإندماغ والتواشج ليقدم للساحة الإبداعية المغربية عرائس بهيجة للعقل والوجدان.. كل ذلك نتقراه ونتذوقه في هذه المحاورة المنقصفة باستشكالاتها، والمخضخضة بميتافزيقا إيقاعاتها وتموجاتها.. وللقارئ العزيز سوح الإمتاع والإنتشاء. ‘ ماذا عن الأسباب التي دعتك إلى كتابة القصة القصيرة، ولماذا هذا الجنس تحديدا؟’ كتبت القصة القصيرة، لأنني وجدت نفسي أكتبها، كما كتبت صنوفا من الكتابات الأدبية، من يوميات ومذكرات وأشعار نثرية وشذرات ونقد روائي وقصصي وشعري وهذينات تسترخي فيها الذاكرة وتتحرر من التجنيس أو التوصيف النقدي ….إن الكتابة الأدبية تروم الحرية، ولقد وجدت بعضا من هذه الحرية في كتابة القصة القصيرة خاصة، ولعله لهذا السبب أفردت لهذا الجنس الأدبي تحديدا ثلاثة مصنفات هي: ‘أشياء معتادة، منشورات سليكي إخوان، طنجة 2002’، ‘المخلوقات العجيبة، دار النشر المغربية، الدار البيضاء 2006′ و’جرح في الحائط، منشورات اتحاد كتاب المغرب، الرباط 2011′.’ ما حظ الكتابة القصصية من المتابعة النقدية؟’ إن الكتابة القصصية تحظى الآن، بالمتابعة النقدية، أكثر من أي وقت مضى، خاصة في المغرب، ربما لأن الحراك الثقافي الأدبي المغربي قد صب روافده كلها في هذا الجنس الأدبي بأشكاله المختلفة ‘القصة، القصة القصيرة، الأقصوصة، القصة القصيرة جدا….’.والكتابات النقدية القصصية تسير في اتجاه تحقيق التراكم المطلوب، الذي لربما يُـَمكِّنُ مستقبلا، من بناء نظرية للقصة القصيرة المغربية.’ في الآونة الأخيرة بدأنا نسمع عن القصة ‘الومضة’، فهل قربتنا من هذا التصنيف أكثر؟’ إن القصة الومضة أو الكتابة القصصية المدللة المسماة القصة القصيرة جدا هي سليلة أجناس أدبية إنسانية متداخلة ومتناسجة منها: القصة القصيرة (الأم الرؤوم الولود) والكتابة الشذرية، وقصيدة النثر وقصيدة الهايكو، والأمثال والحكم السائرة مسرى نفوذ المياه العميقة في الأرض الغبراء.. على أي إني لا أرى ميزة تخص هذه الكتابة والهالة التي منحت لها في المغرب تنطوي على ادعاءات ومبالغات يمجها الذوق النقدي السليم.’ هل يمكننا أن نتحدث عن الفنطاستيك في الكتابة القصصية بالمغرب؟’ لم لا؟’! إن الفنطاستيك يلف علمنا، والقصة القصيرة مرآة من مرايا الحياة في هذا العالم، لقد خاضت القصة القصيرة المغربية في عباب الفنطاستيك في لج وعباب أمواجه العاتية، وخرجت إلى الشاطئ سليمة مزدانة بالوهج والإبداعية، لا أريد أن أذكر أسماء خاضوا هذه التجربة الجميلة، لكن قارئ القصة المغربية الـمهتم سيلاقي في قديمها وجديدها هذا الفنطاستيك أو بعضا من سماته في تلافيف هذه القصة أو تلك، لهذا الكاتب أو ذاك حتى نكاد نقول، دونما وجل، إن جل كتاب القصة القصيرة المغربية لهم من المتخيل الفنطاستيكي.’ أنت سليل الحقل التربوي والتعليمي وكاتب للقصة، فهل راودتكم فكرة توصيف الظاهرة أو الحياة المدرسية إبداعيا؟’ قمت بهذا في غير قليل من قصصي، وفي مجموعاتي القصصية الثلاث كلها، لكن قصة ‘سيدة القوارب البحرية’ من مجموعة (أشياء معتادة) تتضمن رؤيتي التركيبية للعملية التعليمية برمتها.’ إلى أية حدود تمكنت الكتابة الإبداعية المغربية أن تتحرر من سلطة الشرق؟ وهل من حديث عن خصوصية مغربية في الإنتاج الروائي والقصصي؟’ اعذرني، فأنا لا أتفق البتة مع هذه الرؤيا التقليدية للنظر إلى العلاقة الإبداعية بين المشرق والمغرب، ربما كان النقاد الأوائل مرغمين على الحديث عن التأثير المشرقي في الأدب المغربي. إني عندما أقرأ كتاب عبد الله كنون ‘أحاديث عن الأدب المغربي الحديث’ أجد ما قاله منسجما مع المرحلة التي كان يتحدث عنها سواء في المغرب أم في المشرق، لكني عندما أقرأ (حوار المشرق والمغرب) لمحمد عابد الجابري وحسن حنفي، أستشعر تحولا كبيرا قد طرأ في هذه العلاقة، وأن الندية قد أوصلتنا إلى مضاهاة المشارقة، بل وتجاوزهم فكريا وأدبيا، بيد أن هذا لا يعني تمركزا حول الذات بقدر ما يعني أن هناك وضعية جديدة في الأدب العربي تأدت عنها خريطة جديدة في البروز الفكري والإبداعي، وإن كانت هذه الخريطة توحدنا وتكشف عن غنانا وثرواتنا الإنسانية الهامة. لهذا بالذات أرفض الحديث عن الخصوصية التي تنبثق من الشوفينية، وأرى إلى الخصوصية باعتبارها جهودا فكرية وإبداعية ينبغي أن تحظى بحقها من الظهور والتجلي بل والهيمنة المستحقة.’ هل فكرتم في تجريب الكتابة الروائية؟ وهل من حدود فاصلة أوواصلة بين جنسي. القصة والرواية؟’ قمت بكتابة ‘بدايات’ روايات، وصلت الآن إلى خمس روايات، لكني من كل منها جميعا منشد إلى رواية واحدة أكتب فيها سيرة مدينتي هما طنجة وأكادير وحياتي فيها وعلاقتي الإنسانية بالآخرين، إنها رواية وليست سيرة ذاتية، لذلك يتوافر فيها المتخيل على احتمالات حيوات ممكنة أكثر من الحيوات التي كانت أو عشتها أو عاشها معي الآخرون. إنها رواية اليوطوبيا أو الحلم الإنساني الجميل بأفضل العوالم الممكنة. عندما كتبت مجموعتي القصصية الثانية ( المخلوقات العجيبة ) اتفق (الخُـلَّصْ من أصدقائي (النقاد والمبدعون) على وصلها بين القصة القصيرة والرواية، لذلك فهي يمكن أن تقرأ باعتبارها قصصا قصيرة وباعتبارها رواية أيضا، قال هذا محمد المسعودي وعبد الرحمن التمارة وأحمد الويزي وهذا ليس بجديد في الكتابة السردية العالمية والعربية، إن الطبعة الأولى من رواية (رامة والتنين) لإدوار الخراط تحمل في غلافها الأخير كلمة تقول : هذا بالذات، تقول إن الكتاب يمكن أن يقرأ كقصص قصيرة مثلما نشرت في المرة الأولى منجمة هنا وهناك، ويمكن أن تقرأ كرواية باعتبار الانسجام والتناغم الكلي بين نصوصها فصولها، فهي مجموعة قصصية في قراءة وهي رواية في قراءة أخرى، ولقد قام القاص والروائي خوليو كور تثار بعمل مماثل في رواية صريحة هذه المرة ـ لكن إعادة ترتيب فصولها المرقمة تعطينا روايات كامنة داخل هذه الرواية، وهذه أشكال من الإبداعية في الكتابة الروائية والقصصية.’ ما تصورك للتوجهات التي تصنف الأدب إلى أدب ذكوري وآخر نسائي؟’ أحيانا نجد أنفسنا مرغمين ضمن القطيع، ونكون إزاء ‘لا فكاك’ و ‘لا مناص’ و’لا محيد’…الخ. فنقول – بإكراه ـ ما يقوله الاخرون، حتى لا يقال لنا إننا نغرد وحدنا خارج السرب، لقد تحدث عبد الكريم الخطـيبي في ـ كتاب الدم ـ عن شخصية صوفية فريدة وهي شخصية ‘خنثى’، وكان ابن عربي قد قال ضمن واحدة من تجلياته ‘كل ما لا يؤنث لا يعول عليه’، ومن المفكرين خاصة المتصوفة من قادته تجربته في المكابدة والمجاهدة إلى القول بأن الكائن الأول كان أنثى ولم يكن ذكرا، بيد أن الشرائع السماوية كلها تتفق على أن الخلق بدأ بآدم. ما ذا يعني كل هذا؟ يعني أن القائلين بأدب ذكوري وآخر نسوي إنما يصنفون هذه التصنيفات بإيحاءات ميتافيزيقية. وما هو ميتافيزيقي قد أصبح الآن بيد العلم يصنع به ما يشاء، إني أحب الأدب والفكر والفلسفة والعلم وكفى.’ ما تقويمك للأدب المغربي المعاصر، والطنجي خاصة؟’ لقد عبرت عن موقفي، فيما قلته لك أعلاه، عن الأدب المغربي الحديث والمعاصر، إني امرؤ ابتليت بداء التفاؤل، ولذلك يهمني الآتي الكامن في الآني، قد يكون الآتي هو الأفضل.قيل لمحمد شكري مرة إنك كاتب عالمي، فأعجب باللقب وصار يتباهى به على سبيل التفكه والتندر من الآخرين الذين لم يحظوا مثله بهذا اللقب (الكبير) لكنه في آخر حياته صار يتغنى بكونه (كاتبا طنجاويا) لقد راقه هذا الوسم أكثر من كل ما سبقه من التوسيمات، فهل يعني هذا أن هناك أدبا طنجيا وآخر ‘زيلاشيا’ وثالثا ‘بيضاويا’ ورابعا ‘رباطيا’ وهكذا من ‘طنجة ‘ إلى ‘الكويرة’، أعتقد أن الأدب إذا استحق جدارة هذا الوسم في كتابات المبدعين، أيا كانوا كنَّ فهو (أدب ) وذاك هو (مجده)…’ هل في مكنتنا أن نتحدث عن التربية على الكتاب والمعرفة وزمننا يرزح تحت نير شكول من البدائل والوسائل المختلفة والمتعددة؟’ سنبقى دوما رازحين تحت مجهر التربية ما بقينا، قرأنا الكتاب الورقي أو الإلكتروني أو النووي’! فإننا نقرأ أحببنا ذلك أم لم نحبه. إن كتاب الحياة مفتوح ولن يستطيع أحد أن يغلقه وسنقرأه ما دمنا نحيا….’ من يتابع الأنشطة الثقافية والإبداعية، يلاحظ أنها تنشط أكثر في الهوامش (زاكورة، بركان، الفقيه بن صالح، مريرت، جرسيف، زرهون….) فهل ذلك يؤشر على أن دور المركز ثقافيا وإبداعيا انتهى وارتخت توهجاته؟’ فاضت الثقافة في المراكز الكبرى (الرباط) و (الدار البيضاء) و(أصيلة) ووصل فيضها دافقا إلى الهوامش (زكورة، زرهون….) وحتى هذه الهوامش أصبح لديها (فائض الثقافة ) حتى أنها أضحت تحن إلى هامشيتها الهاربة….إن العالم ذاته هامش إذا ما وضعناه إزاء العوالم الكثيرة التي نحتاج إلى معرفتها واكتشافها وأحيانا اختراقها لنعيش الحياة التي نحب، أوليست هذه الحياة هي السعادة’! أي أن السعادة ينبغي أن تصبح هامشا لتحلو الحياة في أعيننا؟’!’ الأستاذ والقاص عبد اللطيف الزكري ما ذا تمثل لك هذه الأسماء: أحمد بوزفور، محمد صوف، عبد الله المتقي، عبد الجبار السحيمي، عبد الحميد الغرباوي، أحمد عبد السلام البقالي….؟’ أحمد بوزفور: كاتب جميل ورائع….. لو تركوه يبدع كما يستطيع لأصبح أغزر كاتب قصة قصيرة في المغرب، ولكانت غزارته دليل عبقريته.محمد صوف : كاتب أحببته وهو صحافي في جريدة (البيان) يناضل من أجل الثقافة المغربية، ما أعطاه كثير بالمقارنة مع آخرين أتيحت لهم فرص أفضل منه ولم يصلوا إلى ما وصل إليه من إنتاجية وإبداعية.عبد الله المتقي: كاتب من جيلي، يكتب مثل ما يحب جيلنا أن يكتب، لربما ما ينتظر منه هو الأصعب، أعني هو الأهم.عبد الجبار السحيمي: أحببته دون أن أراه، ولو كنت رأيته عن قرب لكتبت القصة القصيرة أفضل مما كتبتها لحد الآن.عبد الحميد الغرباوي: كاتب من قدماء الأدباء ومن الكتاب الجدد، هنا وهناك له مكان يريحه .أحمد عبد السلام البقالي: أول كاتب عالمي قرأت له في أدب الخيال العلمي، قرأت له رواية (الطوفان الأزرق) فأعجبتني كما أتخيل الآن. روايته (سأبكي يوم ترجعين) شغفتني بعنوانها ولم يتح لي لحد الآن قراءتها. قرأت له ما استطعت في (العالم الثقافي) وفي بعض المجلات، كما قرأت له في صنوف مختلفة من الكتابة الشعرية والنثرية، وجدت فيه دائما الدبلوماسي عاشق الأدب….’ أخيرا ما ذا عن مشاريعكم المقبلة؟’ لدي مشاريع متعددة، منها ما يتعلق بالعمل على نشر أعمال منجزة، منها بالأخص كتابين شذريين، أولهما من تأليفي يحمل عنوان (ومض الأعماق) ويتكون من اثني عشرة فصلا، نشرت تسعا منها في الملحق الثقافي لجريدة العلم. وثانيهما من ترجمتي لشذرات كل من الألماني ـ نوفاليس ـ، والفرنسي ـ برنار جراسي ـ حول الشعر والحاجة إلى الإبداع، هذان العملان أنهيت العمل فيهما وهما الآن بحاجة إلى ناشر.أما العمل. المشروع المقبل فهو رغبتي القوية في إنهاء كتابة روايتي الأولى التي شرعت في العمل عليها منذ 2001 ولم أنتهي من كتابتها إلى الآن، وإني لعلى عجل من أمري لإكمالها، لأن أمر كتابتها قد طال جدا وتجاوز الحد المرسوم لها منذ الشروع في كتابتها، ولا أريدها أن تكون (يتيمة الدهر) فلدي مشاريع روايات أخرى أرغب في كتابتها.هناك عمل شبه منجز وهو مجموعة قصصية تحمل عنوان (ما تقوله الوردة)، وهذا العمل سأنتهي من كتابته وتنظيم قصصه تنظيما تتابعيا في القريب الآتي، على أن مشاريعي المقبلة ليست هي هذه فقط، فأنا مواظب مواظبة جدية صارمة على القراءة وهي التي تلهمني بالكتابة والإبداع…