رؤية غزَّة من خلال المشهد الفلسطيني

حجم الخط
0

د. علي محمد فخرودعنا من تفاصيل ماحدث في غزًة، فالحاقدون والمهرٍجون والمتئآمرون والمتعبون من السًير في دروب حروب الحقً يملؤن ساحات الدًراما الفلسطينية، ولنركَّز بهدوء تام على جوهر ما حدث.أولاَ: لو أن وزراء الخارجية العرب، في اجتماعهم المضحك المبكي في الجامعة العربية، مدَّوا بصرهم نحو المشهد الفلسطيني برمَّته لوجدوا أن الهجوم البربري الحقير على غزة هو جزء من مشهد أكثر بشاعة وهمجَّية وأقلً إنسانية من ذلك الهجوم. دعنا نستعيد صور ذلك المشهد الفلسطيني: إنه احتلال صهيوني ينتقل خطوة خطوة نحو مشروع فصل عنصري ليصل في النهاية للتخلص من السكان الأصليين، إنه إحتلال يمارس جغرافية الكارثة من خلال التحكًم في كل حركة إنتقال للإنسان الفلسطيني وذلك بوضع الحواجز في كل مكان فيسلب المكان الفلسطيني، وبسبب تلك الحواجز يُضيع الفلسطيني جزءاً كبيراً من وقته كل يوم وهو ينتظر عند الحواجز قبل السماح له للذهب إلى بيته أو مكان عمله أو مدرسته فيسلب الإحتلال الزمان الفلسطيني، اي الحياة الفلسطينية، إذ أن الزمن هو مادة الحياة. وهو احتلال قلب فلسطين إلى سوق وقف للبضاعة الصهيونية فأوقف كل تنمية. وهو إحتلال طبَع كل شيئ، فالاحتلال والفصل العنصري والعنف الظاهر والباطن والإغتيالات والتعامل مع الفلسطينيين وكأنهم مرض الجذام والطاعون الذين يعيشون في معسكرات الأوبئة بعيداً عن الأصحَاء اليهود وإرغام الفلسطيني على أن يعيش حياة اللاتوازن والهلع من المجهول بسبب تحكُم أي مسؤول صهيوني صغير في كل صغيرة أو كبيرة من نشاطاته الحياتية اليومية …كل ذلك وأكثر أصبح أمراً طبيعياً في الذهن الصهيوني يمارسه كحق للدفاع عن مزاعمه الأمنية.ثانيا: لو أن وزراء الخارجية العرب استحضروا ذلك المشهد وربطوه بما كان يجري في غزًة لأدركوا أن القرارات التي خرجوا بها، والجميع يعرفها، كانت معيبة وغامضة وحتى غير واقعية. من هنا كانت الحاجة لرجوع وزيرة الخارجية الأميركية لتضع اللُمسات الأخيرة على هدنة لن تقدم ولن توخًّر في الصراع العربي _ الصهيوني الحقيقي العميق.ثالثا: لكن أمام ذلك المشهد السياسي العربي البائس وجد مشهد المقاومة الفلسطينية في غزًة، فهو الذي كان له الدور الأكبر في مجريات ما انتهى إليه الأمر. هنا يجب أن نكون صريحين: أية مقاومة كانت ستكون لولا السٍّلاح العسكري الذي امتلكته المقاومة؟ كانت ستكون مقاومة محدودة وعاجزة.من هنا يجب أن نرجع الفضل لأصحابه: من قدًّم السلاح ونقله ودرُب رجال المقاومة على استعماله. وبغضٍّ النظر عن الخلافات السياسية أو المذهبية أو الاستراتيجية بين البعض وبين النظامين الإيراني والسَوري والمقاومة اللبنانية فانَ الجهات الثلاث هي التي قدمت سلاح الصواريخ وغيره ونقلته إلى غزُة ودرًبت المقاومة الغزًاوية وبالتالي لعبت دوراً هائلاً في صمود المقاومة أمام آلة الدُمار الصهيونية. وستكون قلًة مروءة أن لا يشاد بذلك الجانب من المشهد.رابعا: ليس المهم أن تتصالح حماس مع فتح، ولكن المهم أن تتصالحا على أي أسس؟ إذا كان التصالح سيتمُ على أسس مراجعة جذرية للأهداف والاستراتيجيات والمراحل والخطوط الحمر والإشراك التام لكل الشعب الفلسطيني في تلك المراجعة والعلاقة مع الفضائين العربي والإسلامي وإشراكهما في مقاومة ذلك المشهد المأساوي للأحتلال الصهيوني فانه تصالح مرحًب به ومفيد، وإلاُ فسيكون تصالح تقاسم للمنافع وللسلطة وللحظوة.هل يستطيع العرب والمسلمون والفلسطينيون الانتقال بالموضوع الفلسطيني إلى مثل تلك الأفاق؟ هذا هو السؤال.خامسا: انظمة ماقبل الثورات والحراكات العربية الحالية لن تستطيع استيعاب أعماق المشهد الفلسطيني إذ أنها تمارس بصور مختلفة وبمسمًيات اخرى نفس الخطايا التي يواجهها الفلسطينيون. الأمل الآن هو في أنظمة مابعد الثورات والحراكات، في أن تقوم بمراجعة متناسقة ومتناغمة مع المراجعة الفلسطينية تلك وذلك من منطلق أن القضية الفلسطينية هي قضية عربية وإسلامية تهمُ الجميع.مأساة غزًة يجب أن تكون شرارة تحيي نار الصًراع الوجودي بين صهيونية بربرية استعمارية لا محلً لها في أرض العرب وبين كل العرب وكل المسلمين وكل القوى الخيرٍة الإنسانية في العالم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية