احتفال مختلس لمهرجان القاهرة السينمائيالقاهرة – القدس العربي – من كمال القاضي: على ضفاف نهر النيل وبمسافة تبعد قليلا عن ميدان التحرير محور ارتكاز الثورة، شهدت دار الأوبرا المصرية الاحتفال بافتتاح الدورة ال35 لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، ولأول مرة وعلى غير العادة السنوية فقد الحفل المهيب اكثر من نصف ضيوفه، حيث انشغل الآلاف من المثقفين والسينمائيين والصحفيين بمعركة تحديد المصير فخرجوا أفواجا في مسيرات حاشدة تطوف ربوع وميادين العاصمة احتجاجاً على الإعلان الدستوري الي اصدره محمد مرسي رئيس الجمهورية ورأوا فيه استحواذا على كل السلطات وانفرادا بحكم البلاد.الآلاف المؤلفة التي خرجت استهدفت استكمال ‘المليونية’ التي عبرت عن الرفض الكامل للتيار الليبرالي والقوة الوطنية والغالبية العظمى من الشعب لهذا الاستبداد، وقد تأثرت بالقطع الاحتفالية السينمائية الدولية بالحدث الكبير الذي كانت له الأولوية في حسابات المعنيين بالشأن السياسي والثقافي.وعلى الرغم من ضرورة إقامة حفل افتتاح المهرجان التي تحتمها القوانين المنظمة للمهرجانات الدولية والمؤكدة لأهمية انتظام الدورات وانطلاقها في موعدها المحدد حفاظاً على الطابع الدولي، إلا أن الحضور والمشاركة اقتصرا فقط على النجوم المصريين والعرب والعالميين وعدد قليل من محبي السينما ومن يرونها فناً مستقلاً عن السياسة وهي النظرة المحدودة لتأثير الآلة السحرية المترجمة والشارحة والمصورة لكافة الهموم الاجتماعية وفي القلب منها السياسة.لقد أدى الإحساس بالخطر من الحشود الجماهيرية الى تشديد لحراسة الأمنية وتطويق أسوار دار الأوبرا المصرية بالمئات من أفراد الأمن المركزي والكلاب البوليسية لضمان سلامة الضيوف وعدم إشعارهم بالغليان الحادث خارج الأسوار والبوابات الرئيسية لمبنى المركز الثقافي العريق، المراسم الاحتفالية وإن لم تختلف كثيرا في طقوسها عن السنوات الماضية لكنها فقدت بريقها وألقها المعتاد وبذل فيها أضعاف الجهد الطبيعي من إدارة المهرجان وبقية المؤسسات المشاركة والداعمة التي عملت بأقصى طاقاتها لإنجاح الدورة الاستثنائية الحرجة.أولى الإضطرابات التي واجهت الإدارة المختصة كانت كيفية التعامل مع الصحفيين والإعلاميين والمحطات الفضائية في ضوء خطة متطورة للتواصل فتم الاقتراح بأن تكون المخاطبات والمراسلات الكترونية، بمعنى ألا يكون هناك احتكاك مباشر بالأفراد أو الجهات إلا في حدود تسديد الرسوم المقررة لاستخراج البطاقات الإعلامية اللازمة للتغطية، وحيث ان الغالبية العظمى من رواد المهرجان تعودوا على الطريقة التقليدية المتبعة طوال السنوات الماضية فلم يتعامل أحد مع النظام الجديد، فضلا عن عجز فريق العمل بالمركز الإعلامي ‘الحديث’ عن توفير الخدمة اللائقة، لذا فقد تراجع النظام المتطور في الوقت الضائع قبيل انطلاق الدورة بأيام قليلة وعادت الإدارة المختصة لنظامها القديم فخسر المهرجان جزءا كبيرا من جمهوره وأضيف هذا العائق التنظيمي إلى حزمة العوائق الجوهرية الأخرى المتمثلة في التوقيت السياسي غير الملائم والإضطرابات المصاحبة للمرحلة وقلة الموارد المالية وحالة الانفلات الأمني والدعاية السيئة للسياحة المصرية بفضل العنف والجهل ودعاوي التكفير والموقف العدائي من الفن والفنانين والإبداع بكل صوره وأشكاله.السجادة الحمراء التي امتدت لأكثر من مائة متر تحت أقدام الصفوة من نجوم العالم كانت لأول مرة لا تعاني من ذلك الزحام الذي شاهدناه وعانيناه في دورات المهرجان الماضية، اللهم بعض التلكؤ المعتمد أمام عدسات المصورين وكاميرات التليفزيون من جانب النجوم والنجمات الشابات المولعين بالأضواء.إنه فعل يشبه الزحام ولكنه ليس كذلك، وإنما الحقيقة ان كل شيء في حفل الافتتاح كان شبيهاً بما قبله، فساتين سواريه ساخنة ترتديها ممثلات صغيرات على الإغراء للفت النظر وجذب الحضور ونجوم شباب بالملابس الرسمية ومراسم استقبال وأعلام لدول مشاركة ترفرف في سماء الأوبرا وشعار المهرجان مشهد بالإضاءة الملونة وكلمات للحفاوة والتقدير وعرض مبهر يؤكد التاريخ القديم للسينما المصرية ورموزها.كل المفردات الاحتفالية حاضرة بلا نقصان، ولكنها الروح غائبة والعطر المعتاد لم يتجدد هذا العام والخوف من مصير مجهول ينتظر الإبداع شبح، مازال جاثماً على الصدور برغم المقاومة العنيدة من أهل الفكر والثقافة والطوفان المتفجر لحظة الاحتفال والمختلط هديرة بصوت الموسيقى ومفرقعات الزينة الملونة.مهرجان يشبه المهرجان وفرح مختلس يشبه الفرح ولا يحمل طعمه!