المشهد السوري اليوم: اقتربت الساعة وآن النصر

حجم الخط
0

نور الله السيّد يبدو أن النظام السوري قد وقع في شر أعماله. فهو من قابل المتظاهرين بالرصاص ودفعهم دفعاً إلى حمل السلاح لجرهم إلى ميدانه المفضل آملا في القضاء عليهم وفقاً لحساب بسيط: أنا من يملك السلاح، كل السلاح وبكل أنواعه، وهم لن يملكون إلا السلاح الخفيف وسأدكهم دكاً. وخاصة في عالم متواطئ أو متخاذل على الأقل، يمكن فيه للنظام السوري أن يُمنح كل الفرص.وفي الواقع فقد أُعطي النظام السوري من الفرص ما لم يعط غيره، فقد انقضى عشرون شهراً على بدء الانتفاضة السورية ولم يحدث أي تدخل جدي، سياسي أو عسكري، تمكن النظام خلالها من قتل عشرات الآلاف وسجن مئات الآلاف وتشريد الملايين، وأصبحت مناظر المدن والبلدات السورية لا شبيه لها في العالم لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. فمن مهلة الجامعة العربية الأولى في منتصف 2011 ومن ثم مهلة الجامعة العربية الثانية ومراقبيها ومن ثم مهلة الأمم المتحدة، والمهلة الأهم المتمثلة في عدم اكتراث أمريكا بما يحدث لشعب يطالب بالحرية والكرامة على نحو مستهجن لأنه يأتي من دولة تدعي تزعمها نشر الحرية في العالم والدفاع عنها. وعدم الاكتراث هذا رافقه دفاع روسي مستميت عن النظام السوري وآخر إيراني ميداني ليس بأقل استماتة.ومع مهلة الأمم المتحدة كان النظام قد نجح نجاحاً كاملا في عسكرة الانتفاضة السورية وجرها إلى ساحته المفضلة. ولم يكن للمعارضة المسلحة في الحقيقة من نصير يمكن الاعتماد عليه اعتماداً حاسماً سواء لجهة الإمداد في السلاح أو المال أو حتى الدعم السياسي. لذا رأينا معارك الانتفاضة المسلحة الأولى أشبه بالعمليات الانتحارية على ما كانت تسجله من بطولات، إلا أن انسحاباتها التكتيكية التي تكررت في حمص ودمشق ودوما وبعض مناطق محافظة إدلب أخذت تثير الشكوك حول إمكاناتها. ولكن هذه المعارضة المسلحة اتسمت بجرأة نادرة في مهاجمتها لوحدات وحواجز الجيش النظامي مما أفقد هذا الجيش الكثير من تفوقه المادي. وكان انقضاض المعارضة على مدينة حلب واجتياحها لأكثر من نصف مناطقها عملاً فيه الكثير من المخاطرة، واعتبر جيش النظام أنه أمام فرصة العمر في وأد المعارضة المسلحة التي دخلت بقدميها إلى شرك حلب. وأعلن جيش النظام أن معركة حلب هي ‘أم المعارك’ وأنه سيقضي على المعارضة المسلحة في غضون يومين أو عشرة أيام على أقصى حد. ولكن شيئاً من هذا لم يحدث بعد خمسة أشهر. وقائع الأرض تقول إن حلب هي تحت سيطرة المعارضة المسلحة، وتحوّل وجود الجيش فيها، كما في كل المنطقة الشمالية، إلى جيوب محاصرة بانتظار استسلامها. لأنه، بحسب مصادر المعارضة المسلحة، لا داع لاقتحامها في كثير من الحالات وإيقاع خسائر بشرية من الطرفين وهم سوريون جميعهم! كما تحاصر المعارضة المسلحة مطار حلب من جهات ثلاث وهي قادرة على اجتياحه ولكنها تخشى أن تقصفه طائرات الجيش، وتفقد حلب رئتها الوحيدة. كما تحاصر قوات المعارضة المسلحة أكبر مصانع إنتاج الذخيرة في المنطقة الجنوبية الشرقية من حلب منذ أكثر من شهرين وسقوط هذه المصانع سيعني مشكلة التزود بالذخيرة لجيش النظام على الأمد المتوسط. ومن بين المناطق العسكرية الكبيرة المحاصرة منطقة الشيخ سليمان في ريف حلب حيث يجري قتال يومي حول محيطها. وهي آيلة للسقوط لا محالة وستسقط مع جيوب صغيرة متفرقة محيطة بالمنطقة. وسقوطها مع ما فيها من سلاح ومستودعات ذخيرة يعني سقوط الشمال السوري بالكامل في أيدي المعارضة السورية المسلحة.لم يستطع الجيش استرداد معرة النعمان بعد محاولته ذلك في الأسبوع الفائت، بل تخلى عن كل الحواجز بين هذه المدينة ومدينة حلب! يُضاف إلى ذلك سقوط المنطقة الشرقية عملياً بيد المعارضة المسلحة. ولن يكون بمقدور الجيش أن يستعيد الشمال والشمال الغربي وشرق سورية إلا بقدرة قادر، خاصة إذا استسلمت الجيوب الباقية فيها. وهذا السقوط يعني السيطرة على آبار النفط والغاز وصوامع القمح وهي الأهم.وتجري الآن معارك في أطراف دمشق وريفها مما اضطر الجيش لسحب بعضاً من قواته التي وزعها على محافظات أخرى، ذلك أن سقوط العاصمة يعني سقوط النظام. سقط العديد من القواعد العسكرية في محيط غوطة دمشق في أيدي المعارضة المسلحة بما فيها من أسلحة وذخيرة. تتميز معارك دمشق بالشراسة، نشهدها ونسمعها، يستخدم فيها الجيش كافة صنوف الأسلحة. أصوات المدافع والطائرات خفتت في اليومين الأخيرين ليحل محلهما صوت الرصاص مما يعني أن الاشتباك المباشر هو سيد الساحة وهو ما يتحاشاه جيش النظام خوفاً من تكبده خسائر بشرية أصبحت ثقيلة على أهل المناطق التي تساند النظام.الجنوب السوري يمارس أداءه الاعتيادي. المعارضة المسلحة هناك سيطرت على البلدات المتاخمة للجولان وتمركزت في بعضها حيث لن يقوم جيش النظام بقصفها حتى لا يقع في مصادمات مع إسرائيل هو بغنى عنها. وسيطرت المعارضة على مناطق كان جيش النظام يقصف منها ممرات اللجوء إلى الأردن. الجنوب بمعارضته المسلحة قد يكون العامل الحاسم في السيطرة على دمشق، والجنوب السوري هو العمق الاستراتيجي لمدينة دمشق وأحيائها المنتفضة. بدأت الكفة ترجح فعلاً لصالح المعارضة، وهو رجحان لن يتمكن جيش النظام المتعب من قلبه أو حتى المحافظة على الوضع الحالي وهو ما قد يدفع بالنظام إلى الجنون. ومثل هذا الرجحان يُفسر نشر صواريخ باتريوت على الحدود التركية الذي لا يبدو له من فائدة فعلية، إلا تأكيد سيطرة المعارضة المسلحة على المناطق الشمالية أو تحذير قوى إقليمية من التدخل. وكذلك قيام أمريكا وتركيا بمناورات عسكرية لا هدف منها سوى الضغط على الدول المساندة لسورية وربما التدخل للسيطرة على الأسلحة الكيميائية الموجودة في الشمال إذا اضطر الأمر ذلك.أما على الجانب السياسي، فائتلاف المعارضة السورية أصبح حقيقة تتوالى الاعترافات به. وهو مشغول حتى الآن بلوائحه الداخلية ومؤسساته وتشكيلاته وتأمين الاعتراف به دولياً. الداخل ينظر إليه بعين الرضى مبدئياً وينتظر منه خطوات عملية. لقيادته احترام واضح في الداخل، كانت كلمة رئيسه المنتخب موفقة، لاقت صدى مشجعاً في الأوساط المعارضة للنظام والصامتة. المعارضة المسلحة سابقة للإتلاف في خطواتها على الأرض. وقد اعترفت معظم مكوناتها بالإئتلاف مظلة سياسية تنضوي تحتها. ولكن على هذا الإئتلاف أن يكون ذا حضور ملموس في الشارع السوري وأن يكون قائداً للمعارضة المسلحة، وعليه أن يفعل ذلك بسرعة وإلا فسيواجه مشاكل كثيرة قد تفقده كل أهمية على الأرض لمثل هذا الائتلاف بقيادته الحالية أن تلجم المعارضة المسلحة التي تجنح نحو التطرف الديني. الأيام القادمة قد تكون حاسمة بالنسبة للائتلاف وعلى أكثر من صعيد.وبالرغم من كل هذا، لا يزال العالم يفضل المراقبة على الفعل، ولا تزال المساندات مساندات شفهية أو على الأقل لا تسمح بالحسم أو قلب الموازين. هو يترقب ليرى كيف ستميل الكفة ليتدخل في اللحظات الأخيرة. بعض الدول الأوروبية قد تقوم بخطوات عملية دون التورط مباشرة وإنما بتقديم مساعدات قد يصل بعضها إلى أن تكون مساعدات عسكرية، وإن تكن المعارضة المسلحة الآن قد تخطت مرحلة الحاجة إلى التسليح، فما تغنمه وغنمته من جيش النظام يزيد عن حاجتها. أمريكا لن تتدخل على عكس ما كان ينتظره الكثير من المراقبين بعد فروغها من الانتخابات الرئاسية. هي الرابحة الأكبر حتى الآن. حتى على المستوى السياسي بالمعنى الدولي. فقد دفعت بروسيا لإرتكاب كل الحماقات السياسية، حيث اعتقدت الأخيرة أن معركة سورية السياسية ستكون فرصة لروسيا لتعيد أمجاد الاتحاد السوفييتي على المسرح الدولي. ولكن أمريكا تركت روسيا تندفع في ميدان لا يهمها إلا تركه يتداعى بمفرده طالما أن تداعيه لمصلحتها وليس رافعة لتهديدات على أمريكا مواجهتها. فقد أظهر لقاء كلينتون ولافروف في بنوم بنه أنهما لم يتوصلا فيه ‘إلى خط مشترك حتى الآن’ بخصوص سورية أي أن أمريكا لا تزال تنأى بنفسها عن الأزمة السورية وستبقى على هذا الحال حتى اللحظات الأخيرة. الإبراهيمي مشغول للشهر الثالث بإعداد خطته. وبحسب التسريبات فإنها تُبقي الأسد رئيساً حتى 2014، وهو ما سترفضه أغلبية الشارع السوري رفضاً قاطعاً حتى لو بقي بلا صلاحيات. الرباعية المصرية ماتت. وهي في الواقع ولدت ميتة، وهي لم توجد لحل الأزمة السورية في الأصل وهو ما أدركته السعودية منذ الاجتماع الأول لها.الوضع الإنساني مخيف وأكثر من مأساوي في بعض المناطق. التضامن الشعبي ربما هو في أحسن حالاته، لكن نزوح مناطق بكل سكانها إلى مناطق أخرى غير مستعدة بالضرورة لاستقبالهم يجعل الجميع في مواجهة ما لا يقدرون تحمله. ويزيد الأمر صعوبة مضايقة الشبيحة للنازحين ومطاردتهم في بعض المناطق، وكذلك السطو على المساعدات الإنسانية التي يؤمنها الداخل أو المساعدات الخارجية التي تسلّم في نهاية المطاف إلى الهلال الأحمر السوري، الذي يقوم بتوزيعها بإشراف المخابرات السورية. الوضع الاقتصادي صعب للغاية. فقدت الليرة السورية أكثر من 15′ في الأسابيع الأخيرة. أسعار المواد الغذائية بارتفاع مضطرد، مع أنها من إنتاج محلي، بسبب ارتفاع أجور النقل نتيجة مخاطر التنقل والسفر والسرقة والنهب التي تتعرض لها هذه البضائع وخاصة من رجال النظام نفسه وحواجز جيش النظام التي لم تعد تصلها المؤن. وارتفاع الأسعار أيضاً لا يغيب الجشع عن أسبابه بالطبع.الأسد يكرر أغنيته الممجوجة بالإصلاح والحوار على أنغام مدافعه التي سئمها حتى من دار في فلكه، وخاصة ضباط جيشه الذين يستشعرون الآن معركتهم الخاسرة، وربما سيضعون حداً لذلك بأنفسهم، فيريحون ويستريحون.سيخرج السوريون من نفق نظامهم البائس، فقد كان شعار الجمعة الماضية: ‘اقتربت الساعة وآن النصر’، وهو لا يبدو أنه مجرد شعار عابر في مظاهرات عابرة. ولكن المؤكد أن هذا النفق لن يكون آخر الأنفاق. الأيام القادمة حبلى بالمفاجآت، والله أعلم. اكاديمي سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية