باسل أبو حمدة مزيد من التضليل والتضليل المتبادل لا تزال تكتوي بناره الساحة الفلسطينية بالتزامن مع إعلان النصر على إسرائيل على جبهتين يقودهما القطبان الرئيسيان المهيمنان على مسار القضية الفلسطينية في اللحظة السياسية الراهنة متمثلان في حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح وحركة المقاومة الاسلامية حماس، جبهة العدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة وجبهة ترقية مكانة فلسطين في الأمم المتحدة إلى دولة مراقب غير عضو وبينهما جبهة ثالثة، ربما هي الأهم، جبهة الانقسام الفلسطيني العامودي والأفقي بين ضفة باتت رهينة خيار ما يسمى بالخيار الاستراتيجي للسلام وغزة تتمسك بكل أشكال المقاومة وعلى رأسها المقاومة المسلحة بوصفها خيارا استراتيجيا. ومن نافلة القول إن هذه الجبهات الثلاث شكلت ولا تزال محور العمل السياسي فيما يتعلق بالصراع العربي الاسرائيلي طوال العقدين المنصرمين من الزمن، وعنوانه الرئيسي بكل ما يعني ذلك من تخندقات هي أميل بطبيعتها إلى الطابع المستحكم الذي لا يمكن أن يتبدل بين ليلة وضحاها أو بالشكل البهلواني الذي يتم من خلاله إظهار مخرجاته على النحو الذي ينتهجه هاذان الفصيلان المتحكمان بمصير فلسطينيين لم ترفع قبضة الاحتلال عنهم وعن أرضهم بعد، وبالتالي، يصعب أخذ ما يعلناه حول إغلاق الجبهة الثالثة على محمل الجد إلا إذا كان لديهما ما يدعو إلى ذلك ونحن لا نعرفه، وهو أمر مستبعد بطبيعة الحال إذا أخذنا في الاعتبار مجمل العوامل التي أفضت إلى هذا الوضع الكارثي الذي تعيشه القضية الفلسطينية من أن تخلت حركة فتح عن خيار الكفاح المسلح وحملت حركة حماس راية هذا الخيار.أحد أهم عوامل الانقسام أو لنقل السير على طرفي نقيض تراكم عبر اذرع اقليمية ودولية لا تزال طويلة وفاعلة وقادرة على ممارسة تأثيرها المباشر على قطبي الصراع الفلسطيني الداخلي وتحديد مسارهما بشكل ملحوظ لافتقارهما لأي أداة ذاتية ضاغطة تمكنها معا أو كل منهما على حدى من نبذ حالة الاستقطاب التي أدت بهما إلى حالة الانقسام على الرغم من قطع حركة حماس لعلاقتها بالنظــــام السوري وتخفيف حدتها مع الايرانيين وعلى الرغم من إصرار حركة فتح على الذهاب إلى الأمم المتحدة، ذلك أن حالة الارتهــــان لعوامل خارجية لا تزال تشكل العنوان العريض لتحرك كلا الفصيلين بعيدا عن خيار استنهاض حالة جماهيرية فلسطينية ضاغطة والاستقواء بها في المواجهة المفتوحة مع عدو شرس متعدد الأذرع، ما يشي بأنهما بقاء خطابهما السياسي يغوص في أوحال الفصائلية المحدودة التي تحول دون رؤية المشهد الفلسطيني من نافذته الوطنية العريضة. حركة حماس، من جهتها، راهنت في العدوان الاسرائييلي على غزة على ترسانة من الصواريخ إيرانية ومحلية الصنع في إخراج مشهد النصر، الذي خلف أكثر من 160 شهيدا وآلاف الجرحى وحالة دمار واسعة النطاق، والذي أفضى إلى هدنة مع اسرائيل اسماها البعض بالمستدامة وبضمانة أكبر بلد عربي، بينما يعلم القاصي والداني أن جل ما تبتغيه الدولة العبرية هو حال من هذا القبيل لطالما أمنت لها الهدوء على بقية حدودها مع دول الطوق العربية، لا بل إنه في حالة غزة، لم تضطر إلى تقديم أي تنازلات سياسية أو جغرافية على الاطلاق، بينما بقيت قضية رفع الحصار عن غزة وفتح معابرها قيد التفاوض والأخذ والرد، فضلا عن تماديها في سياسة الاستطيان وتهويد القدس وانكار حق العودة لملايين الفلسطينيين الذين يعيشون في الشتات. أما حركة فتح، فإنها تنازلت طوعا عن استحقاقات المنجز الفلسطيني في الأمم المتحدة حتى قبل أن يجف قرار الجمعية العامة الذي أعطى فلسطين مكانتها الجديدة بين أمم العالم، فسرعان ما تنادت الأصوات الفتحاوية إلى الاعلان عن التخلي عن امكانية حصول فلسطين على عضوية محكمة الجنايات الدولية والتوقيع على اتفاقات جنيف الأربعة، التي تسمح للفلسطينيين بمحاكمة إسرائيل على جرائهما المتواصلة ضد الشعب الفلسطينين، لا بل إن ربط هذه الامكانية بحدوث انتهاكات وعدوانات اسرائيلية جديدة ينطوي على مسامحة إسرائيل على كل ما ارتكبت من جرائم سابقة بحق الشعب الفلسطيني على مدار أكثر من ستة عقود من الزمن.ثم إذا كان خيار المفاوضات الثنائية هو الخيار الشرعي والوحيد في المحاولات العرجاء لايجاد حل للصراع العربي الاسرائيلي من وجهة نظر قادة رام الله، فلماذا ذهبوا إلى الأمم المتحدة أصلا؟ مع أنهم يعلمون أن هذا الخيار الواهم هو خيار إسرائيل أولا وأخيرا، التي لطالما بذلت الجهود ووظفت أذرعها الطويلة حول العالم كي تسحب ملف القضية الفلسطينية من أروقة الأمم المتحدة وتحشره في قناة هذه المفاوضات ذات الطابع العبثي، التي توجهها وتديرها مجموعة إدارة الأزمات في الولايات المتحدة، والتي يقرأ عنوان تحركاتها من اسمها: إدارة الأزمات وليس حلها، هذا كل ما في الأمر باختصار، بحيث تنتفي الحاجة إلى الغوص في محاولة تحليل موقف الكيان الصهيوني وحلفائه من القضية الفلسطينية، في مشهد يشي بأحد أمرين: إما أن الأمر يتعلق في الجانب الفلسطيني الرسمي بممارسة سياسية ساذجة، وهذا أمر مستبعد بحكم عوامل عديدة لا مجال لذكرها في هذه العجالة، وإما على الأرجح أن القيادة الفسلطينية الرسمية تدرك ما هي فاعلة وتعلم أنها عاجزة عن الممارسة السياسية خارج المظلة الأميركية- الاسرائيلية وأن عليها القيام بالدور الوظيفي المناط بها تحت هذه المظلة بشكل حصري. ثم أين البطولة في منح الأمم المتحدة فلسطين صفة دولة مراقب غير عضو بعد أن صوتت لصالح الطلب الفلسطيني 138 دولة فيما عارضته 9 دول وامتنعت 41 دولة عن التصويت، إذا علمنا أن الجمعية العامة نفسها قد صوتت عام 1974 بأغلبية 105 أصوات مقابل 4، وامتناع 20 عن التصويت على قرارها رقم 2210 القاضي باعتبار منظمة التحرير الفلسطينية ممثلة الشعب الفلسطيني، مما يشير إلى تراجع في منسوب الدعم الأممي للقضية الفلسطينية حتى لو أخذنا في الاعتبار الفارق بين عدد أعضاء هذه المنظمة الدولية عام 1974 وعدد أعضائها عام 2012، فارق يكاد ينطق ويقول إن الفسلطينيين كانوا دائما قادرين على نيل اعتراف وتقدير هذه الهيئة الدولية، لا لشيء إلا لأنها لا تعتمد نظام استخدام حق النقض الفيتو المعتمد في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.وبالعودة إلى الجبهة الثالثة والأهم المتعلقة بملف المصالحة الوطنية الفلسطينية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: هل انتفت حقا العوامل التي أدت إلى حالة الانقسام الفلسطينية؟ وأي من طرفي الانقسام تخلى عن خياراته للتمهيد لحالة التفاؤل المرئية التي توحي بها تصريحيات قادتهما وممثليهما هذه الأيام؟ أم أنهما التقيا عند منتصف طريق يجهله العالم أجمع؟ أسئلة لها أجوبة واضحة تماما يقدمها لنا خطاب حركة فتح المتسمك بخيار السلام خيارا استراتيجيا وحيدا، وخطاب حركة حماس الذي يعتبر أن الكفاح المسلح هو أرقى أشكال المقاومة المشروعة التي يمكن أن يلجأ إليها شعب يرزح تحت إحتلال لا مثيل لبشاعته في تاريخ البشرية. ‘ كاتب فلسطيني