حذف الأدب أو حذف الإنسانِ المبدع القَلق المتسائل!؟

حجم الخط
0

حذف الأدب أو حذف الإنسانِ المبدع القَلق المتسائل!؟ حذف الأدب أو حذف الإنسانِ المبدع القَلق المتسائل!؟ صلاح بوسريفالذين يُطالِبُون بحذف شُعَب الآداب، من التعليم الجامعي في المغرب، إنما يطالبون بحذف العقل والفكر والإبداع والخيال. كما يطالبون بِحَجْب الجمال، وبتحويل الإنسان إلى آلةٍ وطاعَةٍ، واستبعادِ الحِسِّ النقدي التأمُّلِيِّ، أي استبعاد الإنسان المُبدِع المفكِّر القَلِق اليَقِظ، واستبداله بالإنسان التقنيّ المُنَفِّدالخاضِع.يعتقد، هؤلاء، أن كليات الآداب، أو شُعَب اللغات وآدابها، هي كليات لإنتاج البطالة، وأن الأموال التي تصرفها الدولة على هذه الكليات، أو على هذه الشُّعَب، هي أموال ضائعة، واستغلالُها في أماكن ‘مُنْتِجَة!’ ستكون له فائدة أفضل وأعم. بما يعنيه هذا الكلام، من أن هذه الكليات هي عِبْءٌ على الميزانية العامة للدولة.إن هؤلاء وغيرهم، ممن يَعْتَبِرُونَ الأدب أمراً غير ذي جدوى، ويَرَوْنَ في المعرفة والثقافة، مَضْيَعَةً للوقت والمال والجُهد، هم أشخاص لا صلة لهم بالمعرفة ولا بالثقافة، وهم أشخاص خارج معاني المحبة والحكمة والجمال. فطبيعة التربية، أو الثقافة الاستهلاكية النفعية الآنية التي نشأ عليها هؤلاء، هي تعبير عن فكرهم الذي هو فكر ماديّ مُتَخَشِّب، ليس فيه شيء من لُيونَة الفكر، ولا قابليته للانشراح والتَّمَدُّد، ما جعلهم يفقدون القُدْرةَ على التمييز والاختيار، وعلى الإحساس بالمعاني الكامنة في تفاصيل الحياة، وفي بعض جزئياتها الصغيرة، بما تعنيه من يقظة ورغبة في الوجود، وبما تعنيه من تجاوُب بين الإنسان، وبين الطبيعة، من جهة، وبين الإنسان، وبين ما تختزنه هذه الطبيعة من علامات ورموز، وما تُتيحه لفكر الإنسان ولخياله من تَمَثُّلات، ومن قدرة على الخلق والإضافة والابتكار، من جهة ثانية.فحين نحذف الأدب من فكر الناس، ومن وجودهم الاجتماعي والثقافي، فنحن، نحذف الموسيقى، ونحذف الرقص، والمسرح والسينما، أي نحذف الجميل والمُمْتِعَ، كما نحذف الدِّين نفسه الذي كان في خطابه الإيماني، مُعجِزاً بكلامه، أو بجماله، أي بما كان يختزنه في ذاته من قُدرةٍ على التأثير والإقناع.في الخطاب الديني، بما يعنيه مفهوم الخطاب من سلطة، بتعبير فوكو، كان تأثير اللغة وبيانيتُها، هما مصدر التأثير الكبير في المؤمنين، ممن دخلوا هذا الدِّين الجديد، أو هما، بالأحرى، مصدر الإعجاز والتأثير، في هذا الخطاب.فكُتُب الإعجاز، التي ألَّفَها لغويون وبلاغيون وعلماء لغة، بالمعنى التقليدي القديم، هي بحث في ‘سلطة’ هذا الخطاب، وفي هذا ‘الجبر’ أو ‘الإكراه’ الذي يفرضه الخطاب على مُتلقِّيه، وهو ما كان سَمَّاه عبد القاهر الجرجاني، بـ ‘النَّظْم’، وهي النظرية التي كانت في جوهرها لغوية لسانية، احتكمت لبناء الجملة، وتركيبها في لغة هذا النص ‘المُعْجِز’.كان جوهر هذه الدراسات، جمالياً، يفضح علاقة الإنسان باللغة، ليس باعتبارها هَذْراً، بل باعتبارها كَشْفاً وخلْقاً، وإمكانية باهرةً في الاستمالة والتأثير والإقناع. فنسبة الإيمان العقلي، أو الحجة العقلية المنطقية، كانت ضئيلة، دائماً، في الخطابات الدينية الإيمانية، لأن ثمة شيئاً آخر، كان هو ما احْتَكَمت إليه هذه الخطابات، هو الإيمان بحقيقة الخطاب في ذاته، أي بغيبيته، لا بِحِجِّيَته وما فيه من استدلال.لم يَتَّهِم العرب، ممن لم يُسْلِمُوا، القرآنَ بالشِّعر، إلا لكون القرآن راهَنَ على الخطاب الجمالي، أو راهن على التعبير الجمالي الذي يسلب العقل، وربما يُعَطِّله، أو يؤجِّلُه، لمصلحة التأثير الروحي، الذي كان هو ما يذهب إليه الدِّين، في مجمله. وحتى حين نخرج من دور التعبير الجمالي، والبلاغي، أو البياني السِّحْري، بتعبير الرسول، حين اعتبر البيان سحراً، أو ما كان افتتح به الجاحظ كتابه في ‘البيان والتبيين’، بقوله ‘اللَّهُمَّ إنَّا نَعُوذُ بِكَ من فِتْنَة القَوْلô’، فوُجودُ العالَم، بالمعنى الديني الغيبي، قام على الكلمة، على ما تتركُه الكلمةُ في الوجود من تأثير. فالذي طالبَ بحذف كليات الآداب، من السياق التعليمي المغربي، كان يخطب ويتكلَّم، وكان يستعمل خطابَ، أو أيديولوجية المؤسسة التي ينتمي إليها، أي أنه كان يستعمل آليات الخطاب الحجاجي الإقناعي لاسْتِمالَة مُتَلَقِّيه، للاقتناع بفكرته حول حذف ‘الأدب’ من معرفة الناس، ومن ثقافتهم ووجدانهم، ومن تكوينهم الفكري والعقلي.نَسِيَ الكثيرون، ممن شَغَلَتْهُم التقنية والاستهلاك، أن التقدُّم العِلميَّ والمعرفيَّ، في الغرب، قام على الخيال، أي على العقل المُبْدِع المُبْتَكِر الخلاَّق، الذي هو عقل مُغامِر، باحث، وليس عقلَ استعادة وتكرار، أو عقلَ طاعة وتبعية وتنفيذ. عقلٌ بهذا المعنى، هو العقل الذي خرج من كليات الآداب والعلوم الإنسانية، ومن معاهد الفنون الجميلة، وكتب الشِّعر والبلاغة والنقد والتاريخ. فاللغة التي تحمل ما نُدْلِي به من أفكار، وما تَسْتَبْطِنُه، في ذاتها، من مجازات، وتعبيرات تخييلية خارقة، خَرجتْ من الشِّعر، الذي كان هو التأسيس الجمالي الأول، لعلاقة العرب بالطبيعة، وبالأشياء، ومن هذا النثر العظيم الذي كان، هو الآخر، تطويعاً للغة، وتمريناً للإنسان في معرفة بعض ما تختزنه اللغة من أسرار.ليست اللغة مجرد وسيلة للكلام، بل إنها، هي حَتْفُ الكلام، ونهايته، حين يكون هذا الكلام هَذْراً، أو خالياً من سحر المعرفة، التي كانت كل الثقافات تعتبرها، هي ما تتأسَّسُ عليه تعبيرات الوجود، بكل ما فيه من دلالات ورموز وإشارات.أن نحذف الأدب، معناه، أن نحذف تاريخاً معرفياً وجمالياً، ما يزال يُغَذِّي، في كثير من جوانبه المُضيئة، قلقَنا، وشغَفَنا، ويُضْفِي على حياتنا الراهنة، حيويتَها، وحركيتها. وأيضاً معناه، أن نحذفَ كل هذه الكتب العظيمة التي تشي بعبقرية العقل والخيال العربيين، من مثل ما تركه الصوفية، من أمثال الحلاج وابن عربي والنفري، وما تركه الفلاسفة، من مثل ابن رشد، ثمثيلاً لا حصراً، وما تركه علماء اللغة والنقد، وكتب البلاغة، وما نقرأه اليوم من كتب السير والتاريخ، والطب والرياضة والمنطق، وغيرها، مما تعتبره أمم أخرى بين ما تتكوَّن به شخصيتُها، وما تتميَّز به عن غيرها من الأمم و الشعوب.سأكتفي بسرد عناوين بعض هذه الذخيرة الحية والعميقة، من هذا التراث الأدبي عند العرب، بنفس الترتيب الذي الذي تقع عليه عيني، في بعض رفوف مكتبتي الخاصة، وأنا بصدد كتابة مقالي هذا. كتاب ‘البيان والتبيين’ و’الحيوان’ و’رسائل الجاحظ’ لأبي عمر الجاحظ. ‘كتاب الأغاني’ للأصفهاني. ‘معجم الأدباء’ لياقوت الحموي. ‘خزانة الأدب’ للبغدادي. ‘خزانة الأدب’ لابن حجة الحموي. ‘يتيمة الدهر’ للثعالبي. ‘دلائل الإعجاز’ ‘أسرار البلاغة’ لعبد القاهر الجرجاني. ‘مجاز القرآن’ لأبي عبيدة. وغيرها مما يُعْتَبَر من عيون الأدب والثقافة العربيين، ومما لا يمكن أن تستقيم معرفة العربي وثقافته، إلاَّ باختبارها، وقراءتها، دون انقطاع. أعني، أن هذه الكتب وغيرها، مما احتفَظتُ به لِوَلَعِي الأدبي والمعرفي، هي كُتب لا تُسْتَنْفَذ، أو تُقْرَأ دُفْعةً واحدة، إنها كتب ترافق الباحث والقاريء باستمرار، وتحتاج للصبر والأُلْفَةِ، وطَيْب الخاطر، كما تحتاج للوقت.في هذه الكُتُب نتعلَّم تواضع الحاضر أمام الماضي، ليس بمعنى تجاوز الماضي للحاضر، بل لكون الماضي في هذه الكتب، وغيرها مما لم أذْكُره، هو ماضٍ لم يَمْض، ماضٍ يُغري بالاستكناه والتنقيب، ما يجعله يكون ماضياً حيّاً، مُتَوَثِّباً، كان في ماضيه، ينظر للمستقبل الذي هو اليوم، أو هو هذه الصيرورة المفتوحة على ما لا ينقطع أو يموت.هل نحرق كل هذه الكتب، ونُلغيها من حياتنا، لأن الآلة اليوم سكنت نفوسنا وعقولنا، وأصبحت تقودنا إلى حَتْف مجهولٍ؟ هل كليات العلوم والتقنيات، وكليات الهندسة والطب والاقتصاد، خرجت ببلادنا من وضع الاستهلاك والتقليد، إلى وضع الابتكار والتجديد؟ ماذا أضفنا على ما أخذناه من الغرب؟ هل اكتفينا بنفسنا في تحقيق الاكتفاء الذاتي في ما نأكله من خبز، لندَّعِي أن الأدب والفلسفة غير مُفيدَيْن في حياتنا؟إن الغيبوبة التي يعيش فيها بعض المسؤولين في بلادنا، تكفي للكشف عن حجم الخسارات التي نعانيها في كل شيء. ففي الوقت الذي نعتبر فيه الشريعة، هي القانون المثالي لحياتنا المعاصرة! ونبني المساجد، في كل مكان، رغم وَفْرَتِها، ورغم أن الصلاة ممكنة في أي مكان، ولو في الطبيعة المفتوحة على السماء، ننسى المدرسة، وما تحتاجه من تجهيز ودعم، وتقوية لبنياتها التحتية، وننسى المكتبة، كما ننسى دور الكتاب، ومختلف وسائط المعرفة، في بناء مجتمع العلم والمعرفة، وفي تنمية فكر الإنسان وخياله. لا يمكن حصر الأدب في الشعر والرواية والمسرح، فالأدب هو الإنسان الخالِقُ المُبدِع المُجَدِّد المُبْتَكِر، الذي يقلب تُرَبَ العقل، ويفتح طُرُقَ المعرفة، ويضع المجتمع في سياق التحديث والتجديد والابتكار. الأدب هو جوهر، ما نسميه اليوم بالتنمية البشرية، لأنه كان دائماً، يفتح الإنسان على مجهولات المعرفة، وعلى مجهولات السؤال، والأدب هو القَلَقُ والاشتعال، أو بتعبير نيتشه، هو ‘الروح القَلِقَةُ’ التي لا تطمئن للاستقرار، أو كما قال المتنبي ‘قَلِقٌ كأن الرِّيحَ تَحْتِي’. فأي ريح تحت هؤلاء الذين ينادون بلا جدوى الأدب، أو بحذفه تماماً من سياق التعليم، والعقل المغربيين؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية