المُنقَرِضات

حجم الخط
0

المُنقَرِضات في حديثي اليوم ليست مخلوقات ضخمة كانت تمشي على أربع على هذه الأرض قبل عدة ملايين من السنين، أو طيوراً غريبة ذات مناقير ضخمة لا حظ لها من الطيران، عاشت وماتت قبل أن أولد ويولد أبي وجدي وجد جدي.حديثي ليس عن مخلوقات، إنما عن أشياء وأصوات وروائح ومشاعر عرفناها وعايشناها وكانت جزءاً من حياتنا. نستيقظ على صوتها ونعيش يومنا على رائحتها وننام ليلاً نفكر بها، فإذا بها يوماً تختفي، أو تبدأ بالاختفاء، بشكل يوحي أنها ستلاقي نفس مصير سابقاتها من المنقرضات.راودتني هذه الخاطرة بعد أن استمعت إلى أحد البرامج الإذاعية عن الأصوات التي انقرضت من حياتنا. كان الحديث عن أشياء بديهية، كصوت الآلة الطابعة الذي استبدل الآن بصوت نقرات لوحة المفاتيح، أو صوت إغلاق سماعة الهاتف بقوة ناطقة بالغضب والذي استبدل بنقرة على زر إغلاق، أو لمسة على شاشة جهاز محمول يستوي فيها الفتى الهاديء المُسالم والرجل الغاضب المعاتب.شغلتني هذه الفكرة، وأخذت أتساءل عن أشياء أخرى قد لا يعايشها أولادي كما عايشها أبوهم. هل ستبقى الإشارات الضوئية تملأ شوارعنا؟ أم أنني سآخذهم إلى المتحف الوطني لأريهم عموداً في أعلاه ثلاثة أضواء كنا نستعملها لتنظيم المرور منذ عدة سنين؟ هل سيتندرون من غرابة فكرة؟ هل سيأخذون صوراً تذكارية بجوار ذاك العمود ليروها لأصدقائهم؟هل سألت نفسك يوماً عن الأشياء التي عايشتها بشكل يومي لكن أبناءك قد لا يعاصرونها كما فعلت؟ هل ستنقرض المفاتيح لتحل محلها لوحات أرقام تستعمل لفتح الأبواب والسيارات؟ هل ستختفي النقود من جيوبنا لتحل محلها حسابات الكترونية يتم السحب منها عند الشراء؟ هل سينسى الناس كيفية قيادة السيارة حين تنتشر السيارات التي تقود نفسها؟ وإن حدث ذلك، هل سيصبح في مقدور الفتى الصغير أن يأخذ سيارة أبيه إلى أي مكان يريده دون الحاجة إلى رخصة قيادة؟ ما مصير ما نمسك في أيدينا من كتب ومجلات وصحف؟ هل مصيرها هو كلمات إلكترونية تصلنا عبر الإنترنت لنقرأها ثم نحفظها في مساحة الكترونية خفية؟ هل يعني هذا اختفاء المكتبات العامة من شوارعنا والمكتبات الخاصة من بيوتنا؟ ما الداعي لوجود قلم الرصاص والمبراة في حياتنا إن كنا نستطيع نقر كلماتنا على شاشة زجاجية؟ هل من داعٍ لتعلم الخط العربي وكيفية كتابة الحروف؟ أم أن ذاك سيصبح جزءاً من تراث أمتنا نسمع عنه في برنامج ‘حدث في مثل هذا اليوم’؟الكثير مما ذكرت في الفقرة السابقة بدأ يتحقق منذ مدة، إلا أن انتشاره لم يطغَ بعد بشكل يؤدي إلى انقراض سلفِه. أنا أقرُّ بفائدة التكنولوجيا في حياتنا وما توفره من سرعة وكفاءة بالإضافة إلى حفاظها على البيئة وتقليلها لعدد الأشجار المقطوعة لصناعة الورق، لكنني أخاف كل الخوف على حياتنا حين تختفي كل الأوراق والأخشاب والمعادن التي اعتدنا استعمالها لأغراضنا المختلفة لتحل محلها أجهزة الكترونية قد تبعدنا عن القريب بقدر ما تقربنا من البعيد.قد لا أستطيع، ولا أريد، اختصار الموضوع ببساطة في حلول الاختراعات الحديثة مكان القديمة. الموضوع يتعدى ذلك ليصل إلى مواقف كنا نعيشها فأصبحت جزءاً من الماضي، أو مشاعر كنا نشعر بها فلم يبقَ منها سوى ذكرى قديمة بين آلاف الذكريات في رؤوسنا، أو حتى أصواتٍ كانت جزءاً من نسيج يومنا فكادت أن تصبح ذكرى من الماضي.و لعل الأحداث السياسية التي نعايشــــها الآن تبشرنا بمستقـــبل قريــــب ينقــــرض فيه بشكل كامل تقديس الحاكم الأوحد الملهم الذي لا يقول إلا حقاً ولا يفعل إلا خيراً. قد ينقرض ذاك الحاكم ويتحول إلى إنسان طبيعي يصيب فيُشكر ويخطيء فيُقَوَّم، لا توضع صورته على الصفحة الأولى من الصحيفة إلا حين تستدعي الحاجة ذلك.من يسكن مصر يعرف النداء الشهير ‘بيكياااااا بيكياااااا’ لبائع الروبابيكيا (الخردوات) المتنقل، ويقابله في الأردن عربة الخردوات والأجهزة القديمة التي تذيع النداء المسجل الشهير ‘تلاجاااات غسالااااات’. سكان الاسكندرية يعرفون صوت بائع الفريسكا من بعيد ‘فريسكااااا’ فيهرع إليه الأطفال طمعاً في قطعة من تلك الحلوى اللذيذة. هل ستبقى هذه النداءات التي اعتدنا سماعها منذ نعومة أظفارنا؟ أم أنها ستتحول إلى سلع تستدعى بنقرة واحدة حين الحاجة إليها.هذه المقالة ليست دعوة للبكاء على الماضي والتحجر ضد أي اختراعات تسهل الحياة، إنما هي دعوة لتقدير ما بين أيدينا الآن وعدم التفريط فيه، والتعقل في كمية التكنولوجيا المستعملة في حياتنا وعدم الإفراط فيها.ساري بشر الأسد – عمان – الأردنsaryaad.blogspot.com

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية