د. لؤي منور الريماوي نرفض كل التحليلات المتشـــــائمة في الشأن الأردني بالرغم من الضائقة المالية الخانقة والمنعطف السياسي الخطير الذي يمر به هذا البلد في ظل الإضطرابات الأخيرة التي لا تسر الا ألاعداء وأصحاب الأجندات الخاصة. فالإعتداء من قِبل الأقلية على المرافق الأردنية العامة مؤخراً والتخريب المتعمد الذي حصل عقب قرار رفع الدعم الحكومي عن بعض السلع والمشتقات النفطيّة هو أمر مرفرض جملة وتفصيلاً. فحتى لو ‘طفح الكيل’ فإن الخروج الى الشوارع للتعبير عن الغضب العارم ليس بمبررللهتافات الشخصية الجارحة ضد الملك عبدالله الثاني المتجاوزة لكل إعتبارات الأخلاق الوطنية. ولا يوجد ما يسوغ مهاجمة المرافق الأمنية وعناصرها في ظل المحاولات المتعمدة لإشاعة الفلتان الأمني والخروج على القانون.هنالك وبالتأكيد أزمة تعصف بالطبقات المتحكمة في الأردن من حيث عدم الإحتكام الى بوصلة وطنية أخلاقية واضحة المعالم. فمن الملاحظ وبشكل مُلفت للإنتباه الإفلاس السياسي للعديد ممن إعتبروا أنفسهم أقطاب النظام الأردني من رؤساء وزراء ووزراء سابقين وحاليين، حيث ليس لمعظم هؤلاء اي دور حقيقي ومُقنع في دعم النظام في هذه الفترة الحساسة. فهم في نظر الكثيرين مجرد بؤر للفساد الممنهج بثرواتهم الطائلة ومدارسهم لتصدير قيم الإنتهازية الرخيصة، بالرغم من أن العديد منهم اليوم ليسوا بأكثر من مخاتير الجهوية والشلليات السياسية في تكريس الفرقة يجوبون الأعراس الأردنية كفرسانٌ للجاهات الإستعراضية.وبالرغم من متاهة الأرقام الإقتصادية المتناقضة والدفوع القانونية الهزيلة خدمة للفاسدين والمتطاولين على المال الأردني العام تبقى مسألة مكافحة الفساد وإسترداد المال الأردني العام ورمي المعتدين بالسجون هي المحك الحقيقي لنوايا النظام الأصلاحية. فهذه الإنتقائية والإنتقامية وهذا التباطؤ غير المُبرر في حسم هذا الملف الوطني الهام فسره الكثيرون أنه بمثابة إعطاء الوقت الكافي للفاسدين واللصوص الكبار على إختلاف القابهم التبجيليّة والرسميّة لإخفاء معالم جرائمهم ولصوصيتهم في ظل مقايضات الولاء والمصالح الإستنفاعية المشتركة.ففي ظل هذه الأوضاع الإقتصادية المتردية ومليارات العجز الحكومي والتي يُطالب في ظلها الأردنيون بشد الأحزمة لن يكون هنالك وئام وطني حقيقي في الأردن قبل أن يقتنع الشعب أن مصلحة أبنائه وقوتهم المستقبلي أهم بألف مرة من مصالح الفاسدين الكبار وحمايتهم المزعومة من النظام. فلن يقبل الأردني الجوع لأبنائه ورموز الفساد المعروفين وغير المعروفين بأن يسرحوا ويمرحوا في قصورهم وفللهم في عمان الغربية وغيرها في تحد صارخ لقيم النزاهة الوطنية الأردنية. هذا كله مدعاة إلى أن يُعيد النظام تعريف هويته الوطنية والشعبية في التخلص وبشكل حاسم من الحمولة الإسترزاقيّة الزائدة من منافقيه ومحاسيبه وإعادة صياغة رموزه وأدواته لتكون رموزا للوطن تتمثل فيها قيم الأردن العليا في القادم من الأيام. لا بُد من نقلة نوعية وديناميكية تنظر إلى المستقبل وبشكل إستراتيجي بأسلوب يؤطّر الإنسجام مع الشارع الوطني الأردني بكل مصداقيّة وبشكل بعيد عن الأساليب التضليلية التي مارستها لعقود طويلة مختلف الشخصيات الرسمية، والتي لم تنجح الا بتأجيج الإحتقان وإضعاف الرصيد الوطني والشعبي للنظام الأردني.ولا بُد كذلك من مراجعة شاملة للأولويات الوطنية الأردنيّة والتي ستفتح صفحة جديدة للنظام عندما يؤكد أنه لا تساهل ولا محاباة عندما تتعلق المسألة بحماية قيم النزاهة الوطنية وحقوق المواطن الأساسية. هذا بالضرورة يتطلب أن يكون الملك عبدالله الثاني شخصياً رأس الحربة الضاربة في هذه المعركة الضروسة في محاربة الفاسدين الكبار، حيث يتم إستخدام كل ثقل النظام الأمني والأستخباراتي والقانوني والرقابي ضمن ميزانيات مالية ضخمة بلا حدود وكفاءات بشرية متخصصة وبتنسيق كامل مع أجهزة الرقابة والمتابعة المالية (الإقليمية والدولية). فالملك عبدالله الثاني مؤهل اليوم اكثر من أي وقت مضي لينتصر لقيم النزاهة الوطنية الأردنيّة من خلال الإعلان الواضح والصريح بأن مسألة محاربة المحسوبية الممنهجة في المواقع العليا ومحاسبة الفاسديين وإسترجاع المال العام هي معركة شخصية ووجوديّة وأنه لن يدخلها الا لينتصر تأسيساً لعهد أردني جديد عنوانه الحزم والحسم عندما تتعلق المسألة بالثوابت الوطنية الأردنية والتي على رأسها إشاعة قيم العدالة إنتصاراً لمواطننا الأردني البسيط.حيث يقوم النظام أيضاً بممارسة الضغط السياسي (الصريح والمبطن) ضد كل رموز الفساد الكبيرة المعروفة بقربها منه محذراً بأشد العواقب وأوخمها أن لم تُرجع للخزينة الأردنية طوعاً أموال الأردنيين العامة وأراضيهم. هذا كله في ظل تقديم تخويلات بالمتابعة والملاحقة القضائية والإجرائية الأردنية في ظل تعاونات دولية لكشف الأرصدة السرية في البنوك الأجنبية والممتلكات العينية وغير العينية أينما تكون في سابقة وطنية أردنية تكون درساً للمنطقة بأكملها عن مدى فاعلية ونزاهة وجديّة النظام الأردني في حسم هذه المسألة وبشكل يُعزز الثقة الإستثمارية العربية والدولية في أردنٍ خالٍ من الفساد المُمنهج وشبكات العلاقات المشبوهة.ولكل من يُغالط ويقول أن الفاسدين الكبار في الأردن يتربعون اليوم على هرم التركيبة الإجتماعية والسياسية الأردنية مؤصلين منهجّية قائمة الى يوم الدين في تواطؤ للمصالح الإستنفاعيّة المتشّعبة مع النظام، نقول إن العشائر الأردنية بتنوع ثقافات أبنائها وهذه الأجيال الجديدة والشابة لن تكون الإّ معاقل للشموخ الوطني الأردني. فعندما يتساقط الفاسدون الكبار ويجبر هؤلاء على اعادة ما سرقوه من اموال الشعب للخزينة العامة للدولة ويتم القضاء على المحسوبية الممنهجة في المواقع الحكومية العليا يرتدع بقية الفاسدين وتتحجم المحسوبية في المواقع الحكومية تحت طائلة القانون الذي يُطبق بحد السيف على الكبير قبل الصغير. بعدها يمكن للمواطن الأردني أن يطمئن بإيمان لسيادة القانون، ويتحمل بكل شرف واجبه الوطني في حمل الأعباء التقشفيّة في ظل هذه الظروف الأقتصادية الصعبة إنتصاراً لأردن القيم العليا.محاضر أردني زائر في جامعة كامبريدج ورئيس برنامج الماجستير في القانون المالي الإسلامي في جامعة BPP/لندن