سلمى التجانيفي أواسط التسعينات كانت المعارك بالجنوب في أوجها، كنا حينها طلبة بالجامعات، وكان الطلاب يتسابقون للإنضمام لكتائب المجاهدين، كنا كلما ذهبنا للمركز العام للدفاع الشعبي نرى أفواجا تتدفق من كل حدبٍ وصوب يرتدون الكاكي ويقفون في الصفوف ولا هم لهم إلا الذهاب الى مناطق العمليات، كنا نودعهم هناك لنستقبل بعضهم جرحى بالمستشفيات وكان مستشفى إبراهـــيم مالك أحداها، لا مجال أمامنا للمقارنة بين لحظات الوداع والإستقبال، فالعزيمة تملأهم في الحالتين لكنهم كانوا يعودون محمولين على النقالات، بعضهم فقد رجله أو يده أو عينه. أحد المجاهدين كانت تصيبه حالةُ من الهياج والصياح والغضب ولا يهدأ إلا بعد أن يأتيه الطبيب، قال رفقاؤه أنه فقد أعز أصدقائه في إحدى المعارك ورفض العودة من مناطق العمليات لكن قائده أمره بالعودة فكان ذلك سر غضبه. الرابط بينهم كان قويا جدا فكانوا يتحلقون حول من يتألم ولا يفارقونه حتى يطمئنوا عليه، أظنها رابطة السلاح والموت وانتظار المجهول التي تخلق منهم كيانا واحدا، قال لي أحدهم اسمه انور كان يدرس بجامعة السودان أن هذا الرابط لا يدري كنهه إلا من عاش حياة الخطوط الأمامية حيث رفيقك في الخندق قد يكون رفيقك وانت تسلم روحك إلى بارئها، لذلك يقول العسكر أن رفيقك هو الذي تنام وتعلم أنه سيموت لأجل أن تكمل نومتك.بعض من ودعناهم عادوا جرحى وبعضهم عاد بإعاقة دائمة وآخرين لم يعودوا قط، إما أسلموا أرواحهم إلى بارئها وإما فُقدوا ليدونوا بعد فترة أظنها عام في سجلات الشهداء.أشعر الآن بذات الروح كلما اطلعت على صفحة (السائحون) بموقع التواصل الإجتماعي الفيسبوك، وفي الحقيقة لم أزر هذه الصفحة قبل الخميس الماضي لكنني عندما دخلتها خلتني أدخل أحد ساحات الجامعة في أيام وداع المجاهدين أو المركز العام للدفاع الشعبي، هم ذات الشباب الذي لملموا أغراضهم ووضعوا فوقها كتبهم ليحاربوا من أجل مشروعهم الأسمى، ذات الشباب الذين تتحدث أهازيجهم عن طلاق الدنيا ويلا نفارق الحلة نجاهد في سبيل الله، لم يتغير شيء في عزائمهم يملأون الصفحة بصورهم وصور قادتهم وهم في ميادين القتال، يضعون على بروفايلاتهم صورا لرجال قاتلوا معهم في الأحراش، قادوهم للنصر، حموا ظهورهم، دفنوا شهداءهم وأخلوا جرحاهم. هؤلاء القادة الآن في معتقلات حكومة المؤتمر الوطني التي ظل هؤلاء القادة يدافعون عنه بأرواحهم.ويبدأ الحديث عن الإصلاح، إصلاح حال البلد وحال المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، وعندما يتحدث هؤلاء عن الإصلاح فإنهم يتحدثون عن مشروعٍ سقوه بدمائهم لكنه سُرق منهم. يقول عبد الغني أحمد ادريس في كتابه الإسلاميون أزمة الرؤيا والقيادة عن الخذلان (عندما يقاتل هذا الجندي في الخطوط الأمامية ويجد أن طفله قد طرد من المدرسة بسبب رسوم الدراسة وأن زوجته لقت حتفها في عنبر الولادة بسبب عدم توفر معقم أو طبيب مقتدر مهنيا) إلى أن يقول (تصبح هذه خيانة ووصمة عار على المجتمع بأسره وليست الطبقة الحاكمة وحدها).هذه الهبة التي تشهدها دوائر مقاتلي الحركة الإسلامية تستوجب التوقف عندها طويلا، فمؤتمر الحركة الإسلامية الاخير تجاهل مطالب الإصلاح وكرس لذات الوجوه الحاكمة منذ أكثر من عقدين واحتفظ بكثير من الملفات الساخنة في أضابيره، ملف الفساد، ترهل الدولة ـ تحكم الحزب في الحكرة الإسلامية وفي مفاصل الدولة، الضائقة المعيشية وتدهور الإقتصاد وغياب رؤية لمعالجة قضايا البلاد السياسية اما نتج عنه من استمرار الحرب في دارفور وانتقالها للنيل الأزرف وجنوب كردفان. وعلى الرغم من عدم وضوح الرؤية عن من هم المنادين بالاصلاح أهو تيار عام اخذ صوته يعلو رويدا رويدا أم هو منبر للاصلاح كما ظهر اخيرا وهو يصدر بيانات تطالب بتقديم المعتقلين للمحاكمة، أهو منبر لديه رؤية واضحة تمت فيه مناقشات ووضعت حلول أم هي مجرد أشواق لأفراد في مؤسسات مختلفة يريدون اصلاح هذه المؤسسات؟.في كل الاحوال فإن الشباب الذين نادوا بالإصلاح هم أهل الجلد والرأس وهم الذين تقدموا الصفوف للذود عن مشروعهم عندما تقاصرت الهمم لذلك لا يوجد ما يمنعهم من الدفاع عنه مجددا بكل ما يرونه مناسبا، سواء اكان بالكلمة أو الصوت العالي المنادي بالإصلاح أو غيره.وأعتقد أن من إيجابيات ما حدث مؤخرا أن يعلم المؤتمر الوطني أن شبابه الذي دفع به إلى المحارق في الجنوب ثم شعر بالخيانة لدماء الشهداء عند الإنفصال لا زال يجد من يلتف حوله من رجلات الحركة الإسلامية ولا زال يجد بصيص أمل في إصلاح الحال وبريق الأمل هذا يتمثل في قادتهم المتهمون بالمحاولة الأخيرة، فإن فقدوا هذا الأمل لا يعلم إلا الله الخيارات التي يمكن أن يتجهوا نحوها، وليست بالضرورة من بينها تخريب البلاد التي دافعوا عنها بأرواحهم.لذلك على العقلاء بالمؤتمر الوطني والحركة الإسلامية وبعد أن تيقنوا من التفاف شباب لا يستهان بعددهم وقدراتهم حول قيادة محددة أن يتمسكوا بهذا الخيط ويتجهوا لمراجعات جادة يتم فيها تقييم تجربتهم وإجراء مصالحات في الصف الأسلامي ثم البحث عن صيغة للتحاور مع السودانيين الذين يحملون السلاح بعيدا عن التخوين والعنتريات، مع الأخذ في الإعتبار أن عددا ليس صغيرا من الأسلاميين عامة بات يؤمن بضرورة الأصلاح وإن اختلفت الرؤى حول كيفيته.الخيار الآخر هو الإستمرار في خوض الصراع بين أطراف الحكومة والإستمرار في سياسة الإعتقالات، ستدين الأمور مؤقتا لأحد الأطراف، لكن ستتسع ميادين التناحر وتختلف أشكالها ولن تجد أمامها إلا الهاوية التي لن تستثني أحدا.صور الشهداء على صفحة (السائحون) تشعرني بأن المعارك لا زالت تدور، ربما يتتغير كيفيتها ومواقعها، لكنها تدور، فيها شهداء وأبطال وفيها خونة وطابور خامس وبالطبع فيها عدو.’ صحافية من السودان