خيري منصورقبل بضعة عقود نشر في مجلة ‘مواقف’ التي كان يصدرها الشاعر ادونيس مقال للباحث منير العكش حول استجابة المتلقي العربي للشعر، وكان المقال مثيرا، بل فاتحا في هذا الباب، فمن يقرأ نزار قباني لا تكون لديه الاستجابة النفسية وحتى العضوية ذاتها لدى من يقرأ السيّاب. ثم اصدر العكش كتابين مكرسين لنقد الشعر وجمالياته، لكن من مقتربات غير تقليدية وربما غير مطروقة خصوصا في كتابه اسئلة الشعر، لهذا فالانطباع الذي ساد حول منير العكش هو كونه ناقد شعر وأدب بشكل أعم، لكن ما ان اصدر كتابين حول الابادة الجماعية والثقافية بذل في كليهما جهدا كبيرا، وفيهما من الحفريات المعرفية حول جذور الابادة حتى ادركت كقارئ على الأقل بأن الهاجس المعرفي المختلف والمضاد للقطعنة والامتثال لدى اي مثقف لا بد ان ينتهي به الى اجتراح آفاق أخرى، لهذا لم يدهشني تقديم منير العكش لنفسه باعتباره سوري المولد فلسطيني الاختيار، ذلك لأن الفلسطنة او (البالستنايزيشن) باتت اليوم حالة اخلاقية وموقفا تاريخيا بقدر ما هو معرفي، فالفتى الايطالي الذي انحاز لفلسطين وقتل في غزة، هو ايضا ايطالي المولد لكنه فلسطيني الاختيار، ويصدق هذا بالقدر ذاته على راشيل كوري وبقية هذه السلالة الخالدة.ان الصعوبة التي تصل حدّ العسر في الكتابة عن اطروحة كهذه التي يقدمها العكش تتلخص في مسألتين، اولاهما المجازفة باختيار مشاهد او روايات او مواقف لأن ذلك يقتضي بالضرورة ترك سواها، وهي كسياق متصل وعضوي لا تقبل مثل هذا الفرز رغم اننا مضطرون لاسباب اجرائية ان نقبل بهذه المجازفة.* * *نموذج الابادة المزدوجة والمؤدلجة هنا هي امريكا الرجل الابيض، والضحايا منتشرون من خلال هياكلهم العظمية وجماجمهم المحترقة في كوكبنا كله، لأن ما بدأ ابادة ميدانية سرعان ما تحول الى ايديولوجيا وفقه، خصوصا بعد ان تتلمذت الصهيونية على هذه الرياضة السوداء، وسبق للراحل عبد الوهاب المسيري ان ربط بين كيانين استيطانيين اشتركا في ابادة السكان الاصليين، هما امريكا واسرائيل، ذلك في كتابه الفردوس الارضي اضافة الى مجهودات اخرى في دراساته وموسوعته القيمة. نقرأ هذا المقتطف من كتاب اميركا والابادة الثقافية ص 41 :الاعتقاد السائد لدى الانجليز بأن اكل لحم الرجل الاسود يقوي الحياة ويطيل العمر، وصاحب هذا المقتطف هو أبرز علماء الانثربولوجيا المعاصرين والاستاذ في جامعة برستون غانانت اوبسيكير.وحكاية آكل لحوم الادميين في فقه الابادة لا تتوقف عند هذا، وما نسجته الخرافة السوداء للرجل الابيض عن السود والاعراق الأدنى يصيب القارىء بالغثيان، لفرط ما فيه من الوحشية والسادية، واحيانا النيكروفيلية، وهو مصطلح سايكولوجي يعني اغتصاب الهياكل العظمية ومضاجعة الموتى، والاغتصاب ليس بالضرورة جنسيا في البعد الجسدي فقط انه الاستباحة والانتهاك والنزعة الكلبية بكل ما تفرزه من لعاب لزج ومقزز سواء من خلال كتابات او ممارسات.وهناك مقتطفان قصيران لكنهما يختزلان هذه الوحشية الامريكية التي تعيدنا الى جذر الابادة، واحد من اناشيد الجيش الامريكي ص 223 :(اثخنوا في حناجرهم تقطيعاتحت الراية الامريكية المتلألئة بالنجوممدٍّنوهم ببندقية).والمقتطف الاخر على لسان جندي امريكي في العراق يقول :كفّنوا العرب المسلمين الارهابيينبرقائق من لحم الخنزير. والتمدين بالبنادق درس امريكي بامتياز عبرت عنه مشاهد حيّة وثبت على الهواء من الحرب الفيتنامية، منها مثلا ان جنرالا طلب من جنوده ابادة قرية بالكامل، وحين سئل عن الهدف من هذه الابادة اجاب بثقة: من اجل انقاذنا!وهذا التضاد بين الهدف والوسيلة لا يمكن وصفه بالدراماتيكية او حتى بالكوميديا الحمراء لا السوداء، انه القتل من اجل الاحياء، وهنا تضاف جرعة عالية من السادية الى التدمير هي تفضل الجلاد على الضحية بحيث يتوجب عليها ان تعبر عن الامتنان لأنها دمّرت من اجل ان تنقذ. السادية هنا تنزع من الفعل الوحشي اية امكانية لمراجعة الذات او الشعور بالذّنب لهذا فالجريمة مغلقة لكنها ليست كاملة، وهذا ما ادركه ماكلوهان خلال الستينات من القرن الماضي، وربما كان اول من استخدم مصطلح العولمة لأسباب اخرى غير المتداولة هذه الايام، حين قال ان الصورة في الحرب الفيتنامية اضافة الى افتضاحها الوحشية الامريكية تحالفت مع الضحية وكانت شريكتها في الانتصار!* * *يقتطف المؤلف من سناتور امريكي هو هارت بنتون عبارات قالها امام مجلس الشيوخ عام 1846 :’ان قدر امريكا الأبدي هو الغزو والتوسع، انها مثل عصا هارون التي صارت افعى وابتلعت كل الجبال، هكذا ستغزو امريكا الاراضي وتضمها اليها ارضا بعد ارض’.وقد ذكّرني هذا الاقتطاف بعبارة اخرى بعد ذلك الوقت بأكثر من قرن، وردت في خطاب لروزفلت يقول فيه ان قدر امريكا هو أمركة العالم، لهذا فإن مصطلح العولمة بعيدا عن السياق الذي وردت فيه لدى ماكلوهان اصبح المرادف للأمركة، لكنه المرادف الأقل قبحا من حيث الشكل فقط.وما كان لمشروع كهذا الذي استغرق عقودا من جهد العكش ان يغطي مساحة قارة هي المشهد الدامي للإبادة والاستيطان لولا ان الرجل كان مهجوسا بهذا الهم، يقول في كتابه حق التضحية بالاخر :ان عمله هذا ليس كتابا، انه شهادة جميع تفاصيلها خلال فترة طويلة من الزمن ومنذ وصوله الى واشنطن كان لديه فضول لا نهائي الى ما جرى للشعوب الامريكية الاصلية وكيف استطاع مستعمر ان يبيد اكثر من مئة واثني عشر مليون انسان’ وبالطبع قدمت ثقافة هذا المستوطن الوحشي تاريخا آخر مضادا للتاريخ سواء من حيث الزعم بفراغ تلك القارة من سكانها الاصليين او وحشية هؤلاء السكان.وهذا بالتحديد ما حاولته الصهيونية في فلسطين، فهي زعمت اولا بان تلك الارض كانت بلا شعب ثم لفقت من فلول الخرافات وهذيان الحاخامات ذرائع للإبادة، وان كانت الخاتمة مغايرة تماما، فالوجود الفلسطيني على ارض فلسطين او في المنافي هو كما قال ادوارد سعيد التكذيب الثقافي والعضوي والاخلاقي لتلك الخرافة.والمشترك الآخر بين توأمي الابادة المؤدلجة في امريكا واسرائيل هو ما ورد على لسان السيناتور البرت بفرج عام 1900 قال: ‘ان الله اصطفى الأمة الامريكية وفضلها على شعوب العالم وجعلها شعبه المختار وذلك من اجل قيادة العالم وتخليصه من شروره’.انها اسطورة الشعب المختار حسب الأدبيات الصهيونية التي حاولت خلق جغرافيا توراتية من مطاط، بحيث تتسع وتضيق لا تبعا لنص مقدس بل تبعا لموازين القوى والحروب.* * * عندما أصدرت كتابي ‘الاستشراق والوعي السالب’ منذ سنوات في عمان والقاهرة، اذهلني ما قرأت عن بواكير الاستشراق الامريكي، وبدايات الامبريالية الامريكية عام 1898 وكان قبل ذلك قد اشترى وزير خارجية امريكا اليان سيوارد الاسكا من قيصر روسيا عام 1867 وحاول شراء جزر الانتيل مثلما حاول الرئيس الامريكي غرانت ضم الدومينيك الى الولايات المتحدة، وحين راجعت خطبة د. فان دايك في افتتاح الجامعة الامريكية ببيروت وجدته جراحا امريكيا للجغرافيا العربية، اما المستشرق طومسون فقد وصف العقل العربي بأنه اشبه بثمرة الصّبير التي ما ان تنقى من بذورها حتى تتلاشى لكن ما قام به الباحث العكش هو العودة الى جذر الظاهرة، والحفر بعمق وقوة عن مرجعيات هذا الفقه الدموي الذي هو فقه ابادة مزدوجة ومؤدلجة بامتياز.