صلاح بوسريف’وقد نجد الرَّجُل يطلب الآثار وتأويل القرآن، ويجالس الفقهاء خمسين عاماً،وهو لا يُعَدُّ فقيهاً ولا يُجْعَل قاضياً، فما هو إلا أن ينظر في كتب أبي حنيفة،وأشباه أبي حنيفة، ويحفظ كتب الشروط في مقدار سَنة أو سنتين، حتى تَمُرَّببابه، فتظن أنه من بعض العمَّال، وبالأحرى، ألاَّ يمر عليه من الأيام إلاَّ اليسير، حتى يصير حاكماً على مصر من الأمصار، أو بلد من البلدان ‘[عن كتاب الحيوان لأبي عمر الجاحظ]من الأمور التي كانت تَحْدُثُ، دائماً، في الصراعات الفكرية والمذهبية، وفي كل أشكال الاختصامات الأيديولوجية، تحريفُ المفاهيم، وتَمْييعُها. والمعروف أن المفهوم حين يَتِمُّ تحريفُه وتمييعُه، يصبح مُشَوَّهاً، وقابلاً للتأويل وفق ما دخل عليه من تحريف، أو ما احْتَمَلَه من معنًى، ليس، بالضرورة، هو معناه الأصلي، أو المعنى الذي كان من المفترض أن يوحي به.من بين هذه المفاهيم التي تعرَّضت لهذا التحريف والتمييع، مثلاً، الاشتراكية والعلمانية.فإذا كانت الاشتراكية تعني، ضمن ما عَنَتْه، الشِّرْكُ بالله! وحرمان الناس من ممتلكاتهم، وثرواتهم، واقتسام كل شيء، مهما تكن قيمته، فالعلمانية، هي الأخرى، حظيتْ، وما زالت، باحتمال ما لا تحتمله، في تاريخها، وفي معناها الذي ظهرت به، أو ما دخل عليه من إضافات، أو تفسيرات وتعديلات، ساعدت على وضعها في غير سياق المعنى الذي وُضِعَت له.ولعلَّ أخطر ما يعرفه هذا المفهوم، تحديداً، من تحريف وتزوير، هو وضعُه في مقابل الشِّرْك، ورفض الدِّين ومحاربته. هذا ما نقرأه اليوم، وما نسمعه على لسان الأصوليين، ممن باتوا اليوم حاضرين في وسائل الإعلام، وفي مؤسسات الدولة، ومواقع القرار السياسي.يعرف الذين قرأوا تاريخ الفكر الأوربي، أو ‘قصة الأفكار الغربية’، منذ العصر الوسيط، إلى يومنا هذا، وما ظهر من أفكار، وتيارات ومدارس فلسفية، مختلفة، والدور الذي لعبه هذا الفكر في النهضة الأوربية، أن العلمانية هي فكرة، في جوهرها، تقوم على فصل الدولة عن الدين، أو وضع الدين في سياقه المرجعي الروحي، والسياسة في سياقها المرجعي المادي، القائم على تسيير وتدبير شؤون البلاد، وفق ما تقتضيه المتغيِّرات المختلفة، مما لا يمكن أن يكون تابعاً للدين، أو داخلاً فيه. فلله ما لله، ولقيصر ما لقيصر، كما قال المسيح نفسه.فكما حاول مارسيل غوشيه أن يوضح المفهوم أكثر، ويبنيه، في سياقه الصحيح، فهو لم ير في العلمانية تعارضاً مع الدين، أو اعتراضاً عليه، بل إنه، اعتبر حيادية الدولة، هي ما يُشَكِّل ‘الارتكاز لرؤية من نوع مختلف عن الهدف الذي تقدمه الأديان’، أي بما يعنيه هذا من بقاء الدولة خارج المطلق، لأن سلطتها، هي سلطة العالم الدنيوي.أما ما يتعلَّق بالشأن الإيماني، فالدولة لا تتدخَّل فيه، ولا تمنعه، أو تُقَيِّدُه، لأن هذا الشأن يبقى ‘ضمن نظام الخيار الفردي’.لم يمنع الغرب، العلماني، وجود الكنيسة، ولا أداء الصلوات، والطقوس، أو استعمال الإشارات المرتبطة بالتعبيرات الدينية. قد يكون هذا حدث نتيجة مواقف فردية، لكنه لم يكن ضمن السياسة العامة، ولا في ما يحتمله هذا المفهوم من معان.ولعلَّ من التشويهات الجاهلة بتاريخ هذا المفهوم، وبسياقاته، وما صدر عنه من تعبيرات، اعتبار ‘أنصار الشريعة بالمغرب’، العلمانية ‘كفر بَواحٌ، ومروقُها ظاهر من الدين’. وهذا بين ما تعرَّض له المفهوم من تحريف وتمييع، بالنظر، طبعاً، لمن يُعْتَبَرون علمانيين، أو يدعون للفكر العلماني، ويُدافعون عنه.قد يكون بعض العلمانيين، ممن تنقصهم الخبرة بتاريخ المفهوم، هم أيضاً، متطرفون، مثل ‘أنصار الشريعة’، في النظر إلى الدين، باعتباره خارج كل شيء، أو لا ينبغي أن يكون ظاهراً في المشهد العام، أو موجوداً، بتاتاً، وهذا بدوره مبالغة، تحتاج لمراجعة، وهي، أيضاً، تحريف للمفهوم وتمييع له، وإقصاء للمعنى الديني الإيماني الفردي، الذي هو اختيار، لا دَخْل فيه لأي كان، خصوصاً، حين يكون اقتناعاً، بالمطلق، مهما تكن حُجج المُقْتَنِع به.لا بد من التَنوُّع، والتعدد في الآراء والمواقف، وأشكال التعبير، وفي المعتقدات، وهذا التعدد، هو ما يسمح بالحوار، وبقبول الآخر، مهما يكن موقفه ورأيه، لأنه، في جميع الحالات، هو موقف صادر عن فكر ونظر، لا عن تبعية وتكرار. فحتى حين لا أفكر مثلك، فأنا لا أُقصيك، ولا أمنعك، بل أستمع إليك، وأحاورك، وأبني معك الفكرة بالتدريج، لتعرف الفرق، بين فكر يقوم على الحُجَّة والمنطق والاستدلال، وبين فكر يذهب للفكرة، دون سَنَدٍ استدلالي، ودون معرفة بما يقتضيه الاعتقاد من تَبَصُّر، ومعرفة بالشيء في عمقه وجوهره، لا في سطحه وظاهره.العلماني، ليس كافراً ولا مارقاً، ولا رافضاً للدين، أو مُعادياً له، ومُتحاملاً عليه. العلماني يرفض التَّدَيُّنَ، القائمَ على التعصُّب والاستبعاد، ورفض أفكار الآخرين، واعتبار ما يقوله المُتَدَيِّن، وما يؤمن به، هو ما ينبغي اتِّباعُه، والإيمان به، وهذا هو أوج الخلل في هذا التفكير الإقصائي، الأُحادي الانفرادي، الذي لا يقبل بأفكار الآخرين، ولا بقَناعاتهم، أو بما يصدرن عنه من فكر ونظر.التعددية، والاختلاف، وأعود لغوشيه ثانيةً، لا تعني ‘مجرَّد التسليم بالوجود الفعلي لأشخاص لا يفكِّرون مثلك، وإنما[يعني] أن يُدْرِجَ المؤمن في عقيدته الخاصة، الوجود المشروع لمعتقدات أخرى’، أي أنَّ ‘التعددية بوصفها مُعْطىً وقاعدةً، يقوم عليها المجتمع، شيء، والتعددية الموجودة في ذهن المُتديِّنين، شيء آخر’. فليس معقولاً أن تبقى الديمقراطية، وهذا مفهوم، هو الآخر، تَمَّ تحريفُه وتمييعه، بدون روح ديمقراطية. وهذا ما تلتقي فيه الدولة التي تدَّعِي الديمقراطية، دون تنفيذها، والمُتَدَيِّنين، الذين يعتبرونها وسيلة فقط للوصول إلى السلطة، ثم يتنكَّرون لها، ويعتبرونها من أسباب الكفر والانحراف، ما دامت تُبيح للجميع حقَّ التعبير، والتفكير، والجَهْر بأفكارهم وآراءهم. ولعلَّ في الإعلان الدستوري الذي أقدم عليه الرئيس المصري، وسانده فيه حزب ‘العدالة والحرية’، وما ورد في مشروع الدستور الذي صاغه الإسلامويون، ما يفضح هذا السلوك الانتهازي الاستفرادي، الذي يستعمل فكر الآخر، ويقبل به، ليرفضه كاملاً، أو يعتبره منافياً لـ ‘الشريعة’!يفرض هذا اللَّعِب بالمفاهيم، والتوظيف التَّزْوِيريّ التحريفي لها، أن تكون ‘فكرة الإيمان’، قابلةً لِتَعَلُّم الحوار والتعدُّد والاختلاف، ليس باعتبارها، تكتيكاً، أو استراتيجية مؤقتة، بل باعتبارها ثقافة، وروحاً، كان الدِّين نفسه دعا لها، وأكَّد عليها، دون مُوارَبَة، أو مزايدة وتأويل.فالتعددية، ليست معطًى مؤقَّتاً، فهي ‘مبدأ فكري’، وثقافة، وتربية، وسلوك، بقدر ما يعكس فكرة الفرد عن الجماعة، أو غيرها من الأفراد الآخرين، بقدر ما يعكس تماسُك المجتمع، في سياق فكر الفرد ذاته، وباحترامه لفكر الآخرين ومعتقداتهم.انطلاقاً من هذا، وفي ضوء ما ذهبتُ إليه، فثمة ما يجعل ‘المدينة’ هي غير المسجد و’الكنيسة’، إذا عرفنا الفرق بينهما، باعتبارهما مجالين، كل واحد منهما له رموزه وعلاماته، وهو غير الآخر، ولا يمكن أن يذوب الواحد منها في غيره. فوجودهما بهذه الصورة المنفصلة، يجعل كل واحد منهما، في منأًى عن استفراد الآخر، وعن ازدرائه لفكر الآخر، ولطريقته في تدبير رموزه وتصريفها، في فضائه الخاص به.سيتدعي هذا التمييز، إعادة بناء مفهوم العلمانية، ووضعه في فهمه الصحيح الواضح الذي باتتْ يَدُ رجل الدِّين، أو المُتَدَيِّن، ولِسانُه يعبثان به، ويعملان على تشويهه، كما شَوَّهوا الدِّينَ نفسَه، بتحويله إلى أداة للاستبداد، والهيمنة، والتكفير والقَتْل.ففكرة العلمانية يمكن تلخيصُها، في كون ‘المدى السياسي موجود بذاته ومحكوم بما يصنع هويته، وهو متباين عن المدى الدِّيني، ولا يُنَظَّم من قِبَل الله، بل يخضع لقوانين الطبيعة التي تتحقَّق بواسطة العقل. وسن القانون الذي ينظم المدى السياسي ويعود إلى الشعب بأكمله، أو إلى الشخص العام الذي يتحمَّل تبعة الشعب، ولا يملك سلطة الإكراه، إلا إذا عمل بواسطة القانون ولمصلحة الجماعة بأكملها’. وإلى جانب فكرة العلمانية، هذه، بهذا المعنى الذي ساقه غوشيه، ستظهر فكرة دولة الحق، ومبدأ الشرعية، وفكرة الحق الطبيعي. كما ستظهر فكرة الاختلاف، والرأي، والرأي الآخر، بما تُمَثِّلُه كل هذه الأفكار من معاني التسامُح، وقبول الأخر المُخْتَلِف.في تزييف المفاهيم، ما يفضح الرغبةَ في رفض الفكر المرتبط بها، أو ما يصدر عنها من أفكار، وهو ما يبدو واضحاً في ما يتعرَّض له مفهوم العلمانية من تشويش وتشويه، وما يتعرَّض له العلمانيون من إقصاء وإبعاد ورفض. وهو إبعاد لفكر المدينة، ولفكر الحداثة والتنوير، في مقابل فكر المسجد والكنيسة، بما يعنيانه من تسييد للدين على الدُّنيا، وإقصاء للأرض في مقابل السماء، والإنسان في مقابل الله.ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوأنا بصدد مراجعة مقالي هذا علمتُ أن رئيس بلدية مدينة تطوان، وهو برلماني أيضاً، من حزب ‘العدالة والتنمية’ المغربي، منع لقاءً بقاعة البلدية، حول ‘العلمانية رافعة لحقوق الإنسان’، كان مفترضاً أن يشارك فيه، كل من الأساتذة، خديجة الرياضي، وحفيظ إسلامي، وأحمد عصيد، ما أكَّدَ لي أن الإسلامويين، يصدرون عن نفس الفكر، وأن التلوينات التي يظهرون بها أمام الناس، ما هي إلاَّ أقنعة، تُخفي وراءها فكراً سلفياً أصولياً ماضوياً، لا علاقة له بالحاضر، ولا بالرغبة في الحوار، وسماع الرأي الآخر، أو قبوله، بالأحرى، وهذا ما بدا في أحداث تونس الأخيرة، وتصريحات زعيم ‘ حزب النهضة ‘التونسي، رشيد الغنوشي.