تونس تغلي مرة اخرى

حجم الخط
0

تسفي بارئيليوم الاثنين القادم يحيي المواطنون التونسيون سنتين على انتحار محمد بوعزيزي، الخريج الجامعي ابن 26 الذي كان يعمل لنيل رزقه كبائع متجول للخضار، أحرق نفسه قرب محطة الشرطة بعد أن صادر أفراد الشرطة عربة الخضار خاصته وشتموا اباه الراحل. وكان هو المعيل الوحيد لعائلته، ولم ينل فرصة لرؤية نتائج يأسه. بعد 28 يوما من ذلك فر الرئيس التونسي مع عائلته وتونس، مع الشرق الاوسط بأسره، بدأ فصلا جديدا في تاريخ المنطقة. ولكن، مثلما كان بالنسبة للمصريين، اليمنيين والليبيين، لم يكن اسقاط النظام الا المقدمة. فتونس، التي سبقت باقي دول الثورة في اجراء انتخابات حرة وتشكيل حكومة جديدة، تغلي مرة اخرى. مظاهرات واشتباكات عنف وقعت الاسبوع الماضي في مدينة سيلينيا جنوبي العاصمة تونس، واسبابها قديمة ومعروفة. السنتان اللتان مرتا لم تحسنا الوضع الاقتصادي في الدولة. فقد ازداد التضخم المالي الى 5.5 في المئة في شهر، اما البطالة فبلغت 18 في المئة، مثلما في عهد النظام السابق، ونحو ربع خريجي الجامعات لا يجدون عملا. ودفعت هذه الاشتباكات بالاتحاد المهني للعمال في تونس الى أن يعلن لاول مرة منذ 34 سنة عن الاضراب فينقل بذلك الصراع من المستوى الاقتصادي الى المستوى السياسي. ومع أن الحكومة التونسية، التي تعتمد على ائتلاف حزب النهضة الاسلامي مع أحزاب علمانية، عرضت خطة اقتصادية مثيرة للانطباع، وهي تتضمن تعديلات على قوانين الاستثمار، بيع مشاريع حكومية واعادة بناء وضع البنوك، الى جانب حملة لتشجيع السياحة، الفرع الذي شفي على نحو شبه تام من الاضرار الجسيمة التي الحقتها به الثورة، بل ان الحكومة نجحت في نيل قروض بمبلغ 485 مليون دولار من الولايات المتحدة ونحو 600 مليون دولار من اليابان، وقريبا ستحصل على قرض بمبلغ 500 مليون دولار من البنك الدولي.الا انه بالمقابل، لا يعتبر توقع نمو بمعدل 3.5 في المئة كافيا لخلق نحو 700 ألف مكان عمل جديد لتقليص البطالة المستشرية. وفي اقصى الاحوال، يمكن لهذا النمو، اذا ما تحقق، ان ينتج نحو 75 الف مكان عمل. والتطلع الى التوفير في نفقات الحكومة تعرض الى ضربة بسبب ارتفاع اسعار الوقود في الاسواق العالمية، مما ألزم الحكومة بزيادة ميزانية الدعم، التي هي 8 في المئة من الناتج المحلي الخام. اضافة الى ذلك تدفع الحكومة رواتب شهرية لعائلات ضحايا الثورة، وقد بدأت بخطة تأهيل مهني للسجناء السياسيين كجزء من ‘اصلاح مظالم الماضي’.ولا يحمل مشروع ميزانية الحكومة للعام 2013 بشرى كبيرة لنحو 10 مليون مواطن في الدولة. وتتضمن بنودها نفقات حكومية أكثر، علاوة اجور لموظفي الدولة وعجز بمعدل 6 في المئة من اجمالي الناتج المحلي الخام، الامر الذي يثير الخوف من أن تكون تونس تسير على خطى اليونان. ويمكن للارقام الكبرى التي تتضمنها الميزانية ان يكون تعبير مباشر في رد فعل الجمهور، من شأنه أن يهز الاستقرار السياسي النسبي. ظاهرا، تعد مشاكل تونس الاقتصادية قليلة مقارنة بالجبل الاقتصادي السلس الذي تتسلق اليه مصر. وحيال توقع وزير المالية التونسي، في أن الدولة تحتاج ‘فقط’ الى نحو 4 مليار دولار كي يستقر اقتصادها، فان مبلغا أعلى بعشرة اضعاف لن يرضي المصريين. ولكن تونس ليست فقط ‘مشكلة اقتصادية’. بصفتها طليعة الثورات، فانها أيضا رمز يفحص كل يوم من جديد تحت ناظر الدول العربية المجاورة وتلك التي لم تشهد الثورة، مثل دول الخليج. فتونس، التي بثت روح الثورة في مصر وفي ليبيا، اصبحت حالة اختبار ليس فقط لنجاح الثورة بل وايضا لقدرة الحركات الدينية، مثل النهضة، على ادارة الدولة، التغلب على العوائق السياسية لتحقيق الازدهار الاقتصادي مثلما نجح حزب العدالة والتنمية التركي في عمله.ومع ان هذا مطلب غير عادل، وذلك لان الوضع الاقتصادي في تونس لا يتعلق فقط بعدد الصلوات التي يصليها زعماؤها، بل وأيضا بالظروف الدولية المتشددة وبالارث الاقتصادي الثقيل. ولكن الرمز لا يمكن ان يتعلل بتبريرات عقلانية. تونس تحمل على ظهرها ‘واجب النجاح’ للثورات العربية، التي لن تغفر لها فشلها. مشكوك أن يقنع هذا التعليل العاطلين عن العمل التونسيين بعدم الخروج الى الشوارع.هآرتس/ذي ماركر13/12/2012

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية