كيف نتعلم من تحويل اليابانيين هزيمتهم لانتصار

حجم الخط
0

في الحرب العالمية الثانية وصلت هيروشيما ونجازاكي بعد ضربهما بالقنابل النووية الأميركية نهاية كل أشكال الحضارة الإنسانية ولم يبق من الأرض والإنسان شيء سوى الحطام، وركعت اليابان وختمت صفحة من التفوق والتحدي العسكري للقوى الكبرى. كان هدف أمريكا تجريب أسلحتها الجديدة وتلقين العالم وأعداءهم درسا لن ينسوه ومحو المدينتين عن الخريطة، وقد كادوا أن ينجحوا فنتائج الدمار الذي ما يزال أهل المنطقتين وما حولهما يذقونه الى اليوم في صحتهم وتلوث حياتهم كان كافيا ليقتل كل بذرة حياة وليدة لولا عنصر واحد لم يحسب له الأمريكان حسابا ولم يطوروا سلاحا للقضاء عليه وهو الإرادة البشرية التي جعلت العنقاء اليابانية تحيي الأسطورة حقيقة أمام العالم وتنهض من رماد وغبار القنابل النووية لتصبح من الدول الرائدة في مجال التصنيع التكنولوجي عالميا بعد ان حُظر عليها التصنيع العسكري.هي الإرادة التي حددت الموقف ما بين زوال اليابانيين كما أراد الأمريكان وما بين عودتهم لينافسوا أمريكا والعالم الرأسمالي في صلب اهتماماتهم الجديدة في التكنولوجيا والتصنيع. لقد أراد الشعب الياباني أن يعيش فاستجاب القدر وأراد أن يخلد فجعل من المأساة وقودا يذكّر الناس بضرورة المضي قدما حتى لا يعودوا لمرحلة دُفنوا فيها وهم أحياء.عاد المارد الياباني ليضع اسم اليابان على كل شيء وفي كل مكان وليدخل كل بيت رغما عن أمريكا بالتفوق في الانتاج والعمل، ولو كان لأحد أن يستسلم بعد المأساة الفادحة التي عاشها لكان حريا باليابانيين أن يفعلوا ولم يكن أحد ليلومهم، ولكنها الإرادة!إن الانتصار حالة ذهنية صورية وقلبية شعورية قبل أن يكون عملا واقعا على الأرض، والتخطيط وتربية الناس عليه هو أكثر من نصف الانتصار وتبقى الحلقة الأخيرة والحسم عند المعركة. إن الإيمان بالنصر يهيىء المرء لتحقيقه وتدريب النفس عليه يؤدي الى ممارسته ومحاكاته تؤدي الى تطبيقه.إن الجنود المهزمين نفسيا مهزمون عسكريا ولو كان بيدهم أقوى الأسلحة ولذلك كان هناك فرع خاص في الحرب اسمه (الحرب النفسية) ولها أسلحة ومضادات تعمل على نفسية الجنود والشعوب وكسبها أو خسارتها مقدمة لكسب أو خسارة الحروب التقليدية.وعليه فلا يمكن هزيمة شعب يرى نفسه منتصرا على أي الأحوال فالشهادة عنده نصر وأسمى الأمنيات والنصر نصر والتراجع نصر يمهد لكرة أخرى.لا يمكن هزيمة شعب يستقبل التضحية بالورود والزغاريد والأعراس وحتى دموعه تكون عزما على الثأر ومزيد من التضحيات.لا يمكن هزيمة شعب يؤمن أن توفيق الله هو أول النصر وأوسطه ومنتهاه ومع ذلك يستجيب لأمر الله بأخذ الأسباب في إعداد عدة القوة بالصناعة والاختراع والتجريب والتطوير. لا يمكن هزيمة شعب لا يرهبه تفوق العدو المادي والعددي لأنه يعرف أن الغلبة لم تكن يوما للكثرة.كتب الغزالي يوما مقالا بعنوان (كيف تصنع من الليمونة الحامضة شرابا حلوا) وبين فيه أن هذه الفكرة البسيطة في ظاهرها هي ما يقيم أود الحياة ويعطي القدرة للبشر على إدراك العظمة وتخطي المعوقات واجتراح المعجزات، واصلاح الخلل وتقوية القاعدة الضعيفة للبناء عليها، والبحث عن الايجابيات في ركام السلبيات، وبث طاقة الأمل التي تقوي البشر وتجعلهم أكثر قدرة على الصبر والاحتمال.وبذا لا يمكن أيضا هزيمة شعب يصنع من النصر والتضحيات على ضخامتها وألمها ثقافة وطريقة حياة يعبر عن نقاطها المضيئة جماليا بكل طرائق الفنون المرئية والمحكية والمحسوسة ويمكن الناس من أن يعيشوا النصر في دقائق حياتهم البسيطة ومأكلهم ومشربهم وقيامهم وقعودهم.إذا أردنا أن نرى شعبا منتصرا فلننظر كيف يرى نفسه وكيف يقدم نفسه للعالم في ثوب المنتصرين أم خلعة المهزومين، وهل يخاطب نفسه والناس بلغة العزة أم بلغة الضحية ،و بذا يكون عطر غزة M75 الذي حمل الاسم الميمون لصواريخ القسام التي كانت بالمدى الذي وصلته احدى الأسباب المادية للنصر ليس مجرد عطر أو منتج اقتصادي فهو يعبر عن حالة ثقافية ووعي جماعي يرى في المقاومة طريقة حياة ليست مجبولة فقط بالدماء والتضحية وإنما لها جانب إبداعي ورائق وحساس لا يفهمه الا أصحاب البصائر ومن تربوا في مدرسة الجهاد والنصر والشهادة، فالشهداء صفوة الله من خلقه وما يصنع فكرهم وحياتهم هي ثقافة بهذا الرقي والإبداع عطر غزة M75 هو وجه آخر للمقاومة تبين أن الشعب الذي يمسك بالبندقية يتشبث أيضا بالحياة ويرى الحياة في سبيل الله كالموت في سبيل الله كلاهما جهاد مقدس كما قال الغزالي، وهو مصداق للقول أن من يحرص على الموت توهب له ولمن خلفه الحياة في أبهى صورها بجمال المنظر والرائحة وعزة الناس. د. ديمة طارق طهبوب [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية