القناة الحائرة بين الاتحادية والتحريرالقاهرة القدس العربي – من كمال القاضي: في الأسبوع الأول لقيام ثورة 25 يناير وعلى صفحات القدس العربي وفي ذات المساحة كتبت مقالا بعنوان ‘القناة التي هزت عرش مصر’ وكنت أعني قناة الجزيرة فقد كانت الأبرز من بين كل القنوات تميزا ودقة وانحيازا للثوار الأحرار في مواجهة جحافل النظام السابق.ولا شك في أنها لعبت دورا مهما جدا في تعميم الثورة وتطاير شرارتها الى كل بقاع مصر من الإسكندرية إلى أسوان، وهذا ما ساعد بالفعل على سقوط دولة الاستبداد ‘المباراكية’ في ثمانية عشر يوما فقط لا غير، أعلنت بعدها أنباء الانتصار وتنفست مصر صبحاً جديداً.لم تكن هناك حينئذ خططاً للتقسيم والاستحواذ أو كلاما عن هيمنة فصيل الإسلام السياسي أو حتى هيمنة العسكر، لذا ظلت قناة الجزيرة ملتزمة برسالتها المهنية في التغطية الموضوعية وانتشر مراسليها في كل مكان واستطاعت أن تضيف لجمهورها مئات الآلاف من المشاهدين حتى صارت الوسيلة الإعلامية المعتمدة شعبياً لدى جموع المصريين.بدأت بوادر تغيير ملامح السياسة الإعلامية بعد صعود التيارات الإسلامية وبالتحديد الإخوان المسلمين وللدقة فإن انحراف القناة عن مسارها الموضوعي ظهر جلياً مع الدفع بمرشح ‘الجماعة’ خيرت الشاطر، حيث تمت العناية به وعملت الآلة الدعائية على تنجيمه ودعمه بطرق وأساليب غير مباشرة قبل أن يخيب الرجاء ويخرج الشاطر من السباق الانتخابي الرئاسي ويصعد محمد مرسي بديلا له، وإزاء هذا التغيير والتبديل لم تتخلى الجزيرة عن دعمها لمرشحها بل زادت تصميماً على التركيز والتلميع ومضت في غيها تضيق المساحة الإعلامية بشاشتها على المرشحين المنافسين، فيما تزيد في المقابل من توسيعها لمن يمثلون توجهها العام.وقد أوكلت القناة العربية الحيادية الشقيقة مهمة الترويج للتيار الإسلامي الى مذيعها البارز أحمد منصور لكونه وجهاً مقبولاً لدى الشارع ولا ريب في انتمائه الإخواني، فضلا عن إنه يمتلك خبرات عميقة في إدارة الحوار السياسي الإسلامي بما يضمن النتائج الايجابية المستهدفة.بعد انتهاء فترة الانتخابات وإعلان فوز مرسي اطمأنت الجزيرة على فكرة الاستمرار في دغدغة المشاعر الدينية للبسطاء والدهماء والعامة دون اعتراض أو مراجعة أو تهديد بإغلاق مكتبها بالقاهرة وهي من عانى من هذه المشكلة في فترة حكم المجلس العسكري الذي أغلق مكتبها بالفعل ولم تجد نصير سوى الشعب المصري بكل فئاته وعلى رأسه القوى الليبرالية التي نددت بقرار الإغلاق وناضلت من أجل العدول عنه وعودة النشاط الإعلامي للتمكن من التغطية ونقل الأخبار دون أية عوائق.ومع التزامن الدقيق للإعلان عن قيام أمير قطر بالتبرع بمبلغ 6 مليارات دولار لدعم حكومة مرسي ونظامه بدأت آلية مختلفة في أداء قناة الجزيرة لاستشعارها بأن الاتجاه العام الرسمي لدولتها وسياستها العليا يستلزم الإفصاح عن النوايا القطرية الحسنة في الوقوف بشكل حقيقي بجانب مصر الإسلامية، وبغض النظر عن مسألة الدعم المالي الرسمي وما إذا كان حقيقة و ضحك على الذقون لزوم ‘الشوق الإعلامي’ فإن المؤكد هو التحول الجذري في سياسة القناة وتراجعها عن الحيادية وانحيازها السافر لجماعة تطبيق الشريعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر!هذا الأمر الي أدى إلى قيام المغبونين والمضارين من جراء سياستها الجديدة بإشعال النار في استديو الهواء الخاص بها الكائن بميدان التحرير بعد التحذير مرات ومرات من مغبة التعصب الأعمى للخطاب الإسلامي المبطن بالحكمة والموعظة وآيات الذكر الحكيم، لقد وقعت القناة الاخبارية المهمة في المحظور بانتقائها للمعلومات التي تصب في صالح الإخوان وتغليفها بالشكل الإعلامي لتنطلي الحيلة على المشاهدين، غير أنها منذ تولي محمد مرسي أخذت في التركيز على قادة الإخوان والسلفيين وحزب الوسط بالإستضافة الدائمة، فيما تفعل ذلك على استحياء مع رموز القوى السياسية الليبرالية من باب ذر الرماد في العيون والمحافظة على ورقة التوت التي تستر عورتها فلا تنكشف تماما فتفقد البقية الباقية من جمهورها الذي لا يزال يثق في أدائها ارتكانا على مواقفها السابقة.لو قارنا بين قناة الجزيرة وقناة وليدة أخرى مثل ‘العربية سكاي نيوز’ سنجد أنه برغم حداثة الثانية إلا أنها تمتلك رؤية أكثر شمولية وتعتمد في وظيفتها الإعلامية المحضة على النظرية البديهية للإعلام المنصف الرأي والرأي الآخر، ويمكن القول دون مبالغة بأنها تمثل النموذج الأمثل للإعلام المحايد الذي يعرض وجهتي النظر ويعتني بالحقيقة الحقيقة فقط باعتبارها العنصر المستهدف من بين كل ما يطرح من مناقشات وحوارات وسجالات وصور.الرهان على الصدق وحده هو ما يؤدي الى نجاح المنظومة الإعلامية قطرية كانت أو إماراتية أو مصرية أو غير ذلك، أما إدعاء الموضوعية دون أدلة ملموسة عليها فهذا هو التزييف بعينه، وكما تقول الحكمة إنك تستطيع أن تخدع بعض الناس لبعض الوقت لكنك لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت.