محمود معروف الرباط ـ ‘القدس العربي’: نجح الاشتراكيون المغاربة في الانبعاث من جديد واستنهضوا روحا كانت تميز حزبهم، الذي اسسه الزعيم المهدي بن بركة، طوال عقود ماضية في قيادتهم للمغرب من موقع المعارضة او موقع تدبير الشأن العام قبل ان تدب في صفوف قيادتهم روح اخرى تبحث عن المصالح والامتيازات الشخصية والانية، مما افقدهم مصداقيتهم في الشارع المغربي ليتراجع ترتيب حزبهم من المرتبة الاولى للمرتبة الخامسة في المؤسسات المنتخبة.الانبعاث ظهرت ملامحه بالمؤتمر التاسع للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي عقد تحت شعار ‘معا من اجل بناء مغرب الديمقراطية والحداثة’ وانطلق صباح الجمعة بمدينة بوزنيقة القريبة من الرباط وما زالت اشغاله مستمرة حتى مساء امس الاحد، واظهر الاتحاديون الذين التقتهم ‘القدس العربي’ اصرارا على ازالة ما علق بحزبهم طوال السنوات الماضية من سلبيات مرحلة مغربية تتميز بالتمييع وتسخيف العمل السياسي، لعبوا دورا في تسييدها وانتقالها الى حزبهم.وخلال الايام الثلاثة بدد الاتحاديون توقعات بان يكون مؤتمرهم اعلانا رسميا عن التحاق حزبهم بما هو سائد والاستكانة به وبالتالي نهايته، كحزب قادر على السؤال والمبادرة، دون ان يعني ذلك ان الحزب سيعود الى موقعه ويسترد مكانته، اذا لم تبق هذه الروح مستمرة ومعقلنة في برنامج مرقم ومحدد، وتطويق منهجية البحث عن المكاسب الذاتية والانية.هذه الانتظارات للاشتراكيين المغاربة، لا زالت ايضا رهينة زعيمهم الذي يجري، اثناء اعداد هذا التقرير، انتخابه بعد فوز كل من ادريس لشكر واحمد الزايدي بانتخابات الدور الاول التي جرت مساء اول امس السبت في اول تجربة حزبية مغربية بنتخاب زعيم الحزب على دورتين.وحصل إدريس لشكر على 543 صوتا بنسبة 34.23 بالمائة من أصل حوالى 1580 المعبر عنها وحصل الزايدي على 443 صوتا بنسبة 27.81 بالمائة فيما حصل كل من فتح الله ولعلو والحبيب المالكي على التوالي على 345 صوتا بنسبة 21.64 بالمائة و258 صوتا بنسبة 16.30بالمائة وذلك حسب نتائج الفرز التي جرت بحضور عدد من ممثلي وسائل الإعلام للتصويت الذي جرى بطريقة التقليدية نزولا عند رغبة المرشحين الأربعة الذين رفضوا الطريقة الالكترونية خوفا من حدوث اختلالات.ولعل الخطوة الصحيحة الاولى هي اقرارهم اثناء الاعداد لمؤتمرهم، في وثائقهم او تصريحات قياداتهم، ان حزبهم يعيش ازمة والاجتهادات انصبت حول كيفية الخروج من هذه الازمة، لكن ما اقر من وثائق يبقى رهينة القيادة الحزبية الجديدة وقدرتها على استنباط الاساليب الكفيلة بتطبيق البرنامج الحزبي الذي اقره المؤتمر السبت.ولوحظ بالجلسة الافتتاحية للمؤتمر حضور مكثف للاحزاب المغربية واحزاب عربية وداوروبية وايضا غياب أن ثلاثة وجوه ذات رمزية عن محطة الحزب الحالية وهم عبد الرحمن اليوسفي، الكاتب الأول الأسبق ورئيس أول تجربة حكومية يقودها الحزب، ومحمد الأشعري أحد الوجوه البارزة في تاريخ الحزب، وعلي بوعبيد، نجل القيادي التاريخي للحزب عبد الرحيم بوعبيد. عبد الواحد الراضي الكاتب الأول للحزب (2007 2012) أكد في تقريره على أن انعقاد المؤتمر الوطني التاسع للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية يأتي في ظروف وسياقات مخالفة للسياقات الأخرى التي انعقد فيها المؤتمر الوطني الثامن للحزب، فالسياق الدولي يتميز بأزمة اقتصادية ومالية صعبة ضربت العالم، وكانت لها تأثيراتها الواضحة على الجميع، وهذا علامة بارزة على ان العالم تغير، وعلى المستوى الجهوي بما عرفته المنطقة العربية من ثورات في البلدان العربية من أجل الحرية والديمقراطية والكرامة، بالإضافة إلى ما شهد المغرب من إصلاحات سياسية ودستورية، هذه التحولات السياسية في المنطقة وكذلك ما عرفه المغرب من دينامية كبيرة من قبل حركة 20فبراير والشعب المغربي .ودعا الراضي مؤتمر حزبه لأن يجد الأجوبة الملائمة للاسئلة الحارقة، التي تدعم الإصلاحات السياسية والدستورية التي شهدتنها البلاد، مسجلا ان الإصلاحات بالمغرب كانت قد دخلت في قاعة الانتظار بعدما أن كانت في اجندته الساسية منذ عقدين لكن مع ما عرفته المنطقة العربية ودينامية 20 فبراير، فقد عرفت هذه الإصلاحات انطلاقة جديدة من اجل الحرية والديمقراطية والكرامة.وتطرق الراضي لتجربة حكومة التناوب التي قادها حزبه نهاية تسعينات القرن الماضي وجنبت البلاد انهيارا اقتصاديا واجتماعي ودفع ثمن ذلك باهضا من مصداقيته، وقال ان هذه التجربة اقنعت الاتحاديين بأن البلاد محتاجة لوقت أكثر من مضى الى إصلاحات سياسية ودستورية عميقة تتعلق بكيفية توزيع السلط بكيفية عقلانيةوعملية تسمح لكل المسؤولين القيام بواجبهم. كما أن فصل السلط وتوازنها والتعاون فيما بين أصبح ضرورة ملحة، ثم تخليق الحياة العامة والحياة السياسية بالبلاد ومحاربة الريع بشتى أنواعه وسياسة الامتيازات الى غير ذلك من الإصلاحات السياسية والاقتصادية والهيكلية ، نقط برنامجية في الأجندة السياسية للاتحاد.وفي اشارة لما يقع اليوم في الساحة المغربية من عراكات هامشية ومجانية، أوضح الراضي أن الديمقراطية بالنسبة للاتحاد هي قبول الاخر عبر الحوار الديمقراطي والنقاش السليم والتفاوض، والديمقراطية تنازلات وأخد بعين الاعتبار لآراء الآخرين، والديمقراطية كذلك إدماج وجمع وليس تفرقة وإقصاء، فالمطلوب البحث عن الاتفاقات الممكنة، وقال أن في حقل السياسة ليس هناك حقيقة مطلقة ولا يمكن لأي احد ان يمتلك الحقيقة لوحد المهم في السياسة ان يكون الإنسان مقتنعا وصادقا.وانتقد الراضي حكومة عبد الاله بن كيران، الذي كان حاضرا مع عدد من الوزراء، بعدم اقدامها على اية مبادرات سياسية واقتصادية واجتماعية، حيث لاحظ على أنه في هذه السنة لم نر أية مبادرة تستحق الذكر في هذا الاطار، أن الحكومة تفتقد الى رؤية مستقبلية وأجندتها السياسية غير واضحة، بحيث هناك غياب استراتيجية في تدبير الزمن السياسي في المستقبل،كجهل الحكومة لتاريخ اجراء الانتخابات الجماعية، وتاريخ انتخابات المهنية وتاريخ انتخابات الغرفة الثانية، واين وصل مشروع الجهوية، التصميم التشريعي والمطط الزمني لاخراج القوانين التنظيمية التي نص عليها الدستور.وقال الراضي ان الجو الذي نعيشه اليوم في ظل هذه الحكومة جو غير صحي تماما، جو تغلب عليه كثرة الكلام ‘الهدرة’ ولا يتم فيه التواصل بالشكل المطلوب ‘اننا لا نتواصل ولكن نقوم بالبوليميك السياسي الغير المجدي’ فمن مصلحة البلاد أن نخرج من هذا الوضع داعيا الى حوار وطني جدي ومسؤول ما بين الأغلبية والمعارضة والحكومة والمجتمع المدني بعيدا عن اي بوليميك ويغلب المصلحة العليا للبلاد، على المصالح الحزبية الضيقة.وصب الاتحاديون جام غضبهم على قياداتهم وقال متدخلون ان ‘الاتحاد فوت فرصة تاريخية عندما شارك في حكومة إدريس جطو وعباس الفاسي’ 2002 الى 2011، وان ‘الاتحاد لم يعد ذلك الحزب الذي يرتبط بالقواعد ويؤطر الجماهير’ وان ‘المكتب السياسي جبان وكان يخاف اتخاذ القرارات لمواجهة المخزن وكان يهرب القرارات عن المجلس الوطني آخرها الموقف من 20 فبراير’ وشارك في مهزلة الدستور وطبل له إلى جانب المقدمين والشيوخ’ مما افقد الاتحاد وخطه السياسي والأيديولوجي’.وأجمعت جل المداخلات، على ضرورة إعادة النظر في تعامل الحزب مع الدولة ممثلة في ‘المخزن’ كما وصفه بعض من المؤتمرين المتدخلين، وتسطير خط سياسي وأيديولوجي واضح يعيد لقيم الاشتراكية والحداثة والديمقراطية معناها الحقيقي في فعل الحزب داخل المجتمع.المؤتمر الذي من المقرر ان ينتخب زعيمه مساء امس الاحد سينتخب ايضا لجنة ادارية (هيئة تقريرية) تقوم بدورها في بعد بانتخاب المكتب السياسي الذي يقود الحزب للسنوات الاربع القادمة قبل ان يعقد جلسته الختامية يتلى خلالها البيان الصادر عن المؤتمر.