تونس بعد عامين من الثورة

حجم الخط
0

رأي القدس قبل عامين بالتمام والكمال، اقدم الشاب محمد بوعزيزي في محافظة بوزيد، على بعد 350 كيلومترا جنوب غرب العاصمة، على احراق نفسه جراء اهانته من قبل شرطية صادرت عربة خضار كان يتعيش منها، وهو الخريج الجامعي العاطل عن العمل، فكانت هذه الطريقة الاحتجاجية التي تنطوي على قمة التضحية، والتعبير غير المسبوق، قد اشعلت شرارة الثورة ضد الطغيان في تونس، ومنها الى دول عربية عديدة.الرئاسات الثلاث في تونس، الدولة والحكومة والمجلس التأسيسي (البرلمان المؤقت) او ما يعرف بالترويكا الحاكمة في تونس تعهدت بجعل هذا اليوم عيدا وطنيا في تونس يرمز لتاريخ اندلاع الثورة، ولكنها تراجعت عن هذا الوعد، وفضلت ان يكون العيد هو يوم انتصار الثورة اي 14 شباط (فبراير) التاريخ الذي سقط فيه النظام، وفر فيه الرئيس زين العابدين بن علي واسرته الى المملكة العربية السعودية.الاحتفالات ستكون محدودة بطبيعة الحال، لكن هذا التاريخ يشكل فرصة بالنسبة الى الكثير من التونسيين لمراجعة احوال ثورتهم، والتغيير الديمقراطي الذي تمخضت عنه، والتوقف متأملين لنواحي النجاح والاخفاق، والصورة التي يجب ان تكون عليها تونس المستقبل.واذا بدأنا بالنجاحات فان ابرزها هو السلم الاجتماعي الذي تحقق طوال الاشهر الاربعة والعشرين الماضية، وترسخ التعددية السياسية والحزبية، جنبا الى جنب مع التعددية الاعلامية، وانتصار حرية التعبير رغم مضايقات عديدة تعرضت لها الصحف ومحطات التلفزة الخاصة حصرا، وما زالت، مثل محاولات الاحراق والتهديد والمصادرة والتوقف عن الصدور والبث ولكن في اطار قانوني يواجه الكثير من التحفظات والرفض والتشكيك.ولعل الاخفاق الاقتصادي هو النقطة الابرز التي يركز عليها منتقدو الحكومة، فمعدلات البطالة في ارتفاع مستمر تصل الى سقف المليون عاطل، وفشلت كل المحاولات التي بذلتها الحكومة من اجل فتح فرص عمل جديدة من بينها اللجوء الى الجار الليبي الثري، ولكنها محاولات منيت بالفشل، ولم تحقق الا ثمار محدودة للغاية.الاستقرار النسبي الذي عاشته تونس طوال العامين الماضيين ادى الى عودة الانتعاش للقطاع السياسي، وهو مصدر دخل مهم للدولة، بعد ان تعرض هذا القطاع لحالة اقرب الى الشلل في بداية الثورة، والفترة القصيرة التي تلتها.صحيح ان تركة الثورة التونسية كانت ثقيلة، حيث ورثت الكثير من المشاكل والازمات، ولكن يجب الاعتراف بان الاداء الحكومي لم يكن على الوجه المطلوب الامر الذي دفع اصواتا كثيرة، من بينها رئيس الجمهورية السيد المنصف المرزوقي، الذي لمح الى ضرورة الاتيان بحكومة جديدة بعدد اصغر من الوزراء، تعتمد على الكفاءة العلمية لادارة شؤون البلاد والتعاطي مع ازماتها.الحكومة التونسية الحالية ارتكبت اخطاء، بعضها يعود الى تقدم الولاء على الخبرة، ونقص التجربة، ولعل الخطأ الاكبر في رأينا هو وضع حقوق الانسان جانبا، مثلما حدث عندما قررت الحكومة تسليم البغدادي المحمودي رئيس وزراء ليبيا الاسبق في عهد القذافي الى بلاده التي تفتقر الى المؤسسة القضائية المهنية والعادلة. وعلى امل ان تقدم الدولة الليبية الجديدة مساعدات اقتصادية ضخمة لتونس، وفتح اسواق العمل فيها للعاطلين وهو لم يحدث، وان حدث فانه كان محدودا.تونس تواجه خطرا كبيرا هذه الايام عنوانه تدفق الاسلحة الى اراضيها، وتصاعد نفوذ التيار السلفي، ووجود تنظيمات جهادية متشددة في دول الجوار وخاصة في ليبيا، الامر الذي جعل امنها، الذي يعتبر عنصرا ضروريا للاستقرار، اكثر عرضة للتهديد من اي وقت مضى، ولا يمر اسبوع دون حدوث صدامات بين قوات الامن وبعض عناصر هذه المنظمات.الحكومة التونسية وعدت باجراء انتخابات في الصيف المقبل، لكن لم يتحدد موعد لهذه الانتخابات ولم يتم انجاز كتابة الدستور الذي سيحدد السلطات ويضبط العملية السياسية. ومع ذلك نرى ان التجربة الديمقراطية السياسية ما زالت هي الافضل بالمقارنة مع تجارب دول عربية اخرى شهدت ثورات مماثلة.qca

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية