جدعون ليفيهاتفوا قُبيل المساء من البيت يقولون ان الشاي أصبح جاهزا، فماذا حدث لكعكة يوم الميلاد؟ كانت هذه آخر مكالمة هاتفية للفتى محمد السلايمة. في يوم الاربعاء الماضي احتفل بيوم ميلاده السابع عشر، وكانت احدى أخواته هي التي هاتفته تستحثه على العودة الى البيت مع الكعكة التي وعد بشرائها. قبل ذلك بيوم احتفل به اصدقاؤه في الصف الحادي عشر. وزينت صورته مع كعكة يوم ميلاد اخرى صفحته في الشبكة الاجتماعية وكانت صورته الأخيرة.خرج محمد في حوالي السادسة مساءا من البيت لصلاة المغرب في المسجد القريب. بعد ذلك بوقت قصير طرق جار هائج الباب الحديدي للبيت الحجري القديم البائس يقول هُبوا الى إبنكم انه في الحاجز. فهب الوالد زياد فورا نحو الحاجز الواقع عند أسفل الطريق على مبعدة بضعة عشرات من الأمتار عن البيت. وأخذت الأم دلال معها معطف ابنها وهي على يقين من أن الجنود اعتقلوه تخشى عليه من البرد في المعتقل.وصل الأب أولا فرأى ابنه مُلقى على الشارع قرب الحاجز والدم يسيل من صدره ويحاول الطبيب الفلسطيني الدكتور عارف الرجبي الذي يسكن بيتا قرب الحاجز إحياءه. وحاول الجنود إحياءه ايضا كما يبدو وكانت تلك أنفاسه الأخيرة.ما الذي حدث في مساء يوم الاربعاء الماضي في المدينة القديمة من الخليل في الجزء الذي تسيطر عليه اسرائيل قرب الحاجز عند الانعطافة 160 كما يسميها الجيش الاسرائيلي؟ هل كان محمد مخربا حقا كما سارعوا الى وصفه في بعض وسائل الاعلام؟ هل كان ضحية عبث ليد خفيفة جدا على الزناد؟ ان الحقيقة الواضحة الوحيدة هذا الاسبوع هي ان شرطية حرس الحدود أطلقت على محمد رصاصتين أو ثلاثا مزقت احداها صدره والثانية خصره عن مبعدة نحو من اربعة أمتار. ومن الواضح كذلك انه انقض قبل ذلك على واحد من رجال الشرطة. وفيما يتعلق بما سبق اطلاق النار القاتل هذا الذي جعل شرطية حرس الحدود بطلة اللحظة في اسرائيل، توجد صورة أقل وضوحا.يتبين من الشهادات التي جمعها محقق ‘بتسيلم’ في الخليل، موسى أبو هش، الصورة التالية: دعاه شرطيو حرس الحدود الى التقدم نحوهم. آنذاك كما يبدو تبين لهم المسدس ولا يُعرف أهو مسدس دُمية أم ولاعة كتلك التي تُشترى في سوق الخليل. يقول والد محمد انه لم يرَ قط المسدس مع ابنه وقد يكون محمد تلقاه هدية في يوم ميلاده. وقد صور فلسطيني المسدس بعد ان قُتل محمد ورأيت الصور أمس، فهو في الظلام مطروحا عند أقدام رجال حرس الحدود يبدو مثل مسدس حقيقي.على حسب الشهادات صادر شرطيو الحاجز مسدس محمد وآنئذ كما يبدو نشب شجار بينهم في محاولة لمحمد لأن يعيد المسدس إليه. وتحدث شاهد آخر عن انه سمع محمد يقول: ‘هذا لي، هذا لي’. وفي ذروة هذا الشجار أُطلقت عليه النار فأردته قتيلا. وعلى حسب رواية الجيش الاسرائيلي، هاجم محمد رجال حرس الحدود وأحسنت الشرطية الصنع حينما أطلقت النار عليه، وهذا ما يبدو ايضا في فيلم الحراسة الذي نشره الجيش الاسرائيلي لكنه قطعة من الفيلم كما قلنا آنفا. وهم في بيت العزاء على يقين من ان محمد لم يخطط للهجوم على رجال الشرطة.تجول أولاد المدرسة أمس وهم لا يفعلون شيئا في حي الترحيل هذا من الخليل ‘إتش 2’ بسبب اضراب المعلمين الفلسطينيين الذين لم تدفع السلطة اليهم رواتبهم. ‘هؤلاء يهود’، صاح بنا الاولاد بالعبرية. في الحاجز 160 وقفت جماعة من الجنود وأقامت جدارا وربما يكون ذلك درسا مما حدث هنا في الاسبوع الماضي. ان حاجزا حديديا أصفر يمنع السيارات الفلسطينية من دخول حي المستوطنين والى جانبه موقع لحرس الحدود محصن موضوع فوق كتل اسمنتية يراقب الحاجز. وتوثق كاميرات حراسة هنا في كل لحظة من السقف البيت الفلسطيني المتعدد الطوابق الذي يرتفع فوق الحاجز. وقد كُتب على الجدار بالعبرية ‘الانعطافة 160’.في البيت عند أعلى الزقاق يجلس الوالد الثاكل زياد السلايمة عند مدخله البائس يشعل سيجارة من سيجارة يحشوها هو نفسه ويتكيء على عكازه. حينما حاول ان يدخل سيارة الاسعاف الاسرائيلية التي أخذت جثة ابنه صده الجنود وضربوه الى ان جُرح وأُخذ الى مستشفى. وقبل ست سنوات جُرح في حادثة سير وجرحت ضربات الجنود الآن رجله المعوقة وأصبح طريح الفراش. وان خمسة من أبناء العائلة السبعة في سمعهم وقر. كان محمد وحده يسمع جيدا ومثله أخوه البكر عوض الذي حُكم عليه بالسجن المؤبد في 1991 لقتله مستوطنا وأُفرج عنه في صفقة شليط وأُجلي الى غزة. قبل أكثر من شهر سافرت العائلة وفيها محمد عن طريق الاردن ومصر لزيارة عوض في مستقره الجديد في غزة. وبيتها بيت فقير كأكثر بيوت الحي التي بقي فيها الى الآن سكان فلسطينيون.درس محمد في الثانوية وتدرب في ساعات الفراغ على المصارعة في نادي رياضي قريب. ومنذ وقت ليس بالبعيد فاز بميدالية برونزية في مسابقة في الاردن ودُعي للسفر للاستكمال في المصارعة في فرنسا لكن الوالدين أرادا ان ينهي دراسته قبل ذلك. وقالا انهما خشيا ان يسافر وحده ايضا. وكان محمد نشيطا ايضا في الحلقة المحلية لمدرسة السيرك في رام الله. وفي اليوم الذي مات فيه اشترى لنفسه كتاب تدريس بالانجليزية.اجتاز محمد الحاجز 160 بضع مرات كل يوم في طريقه الى المدرسة والى نادي المصارعة. ويقول والداه انه لم يُحتجز ولم يتورط قط. وقد يكون شرطيو الحاجز يعرفونه فما الذي حدث اذا في ذلك المساء المصيري؟ رفض شهود العيان المعدودون اجراء المقابلات أمس خشية على أنفسهم. وحرر الجيش الاسرائيلي أمس قطعة من فيلم الحراسة يبدو فيها محمد يهاجم رجال حرس الحدود. فما الذي حدث قبل ذلك؟ يصعب ان نعلم. ونشك في ان يكون محمد جاء ليهاجم الجنود على عمد بمسدسه الدمية فما كان أي شاب عاقل ليخطر بباله ان يفعل ذلك في الخليل.في الانتفاضة الأخيرة قُتل على الأقل خمسة فتيان واولاد بعد ان كانوا يمسكون بأيديهم بنادق دُمية.هآرتس 19/12/2012