عِبَر التاريخ

حجم الخط
0

اعتلى الججاج ابن يوسف المنبر، فقذفه الجمهور بالحصى، ودخل التاريخ كطاغية يحمل لقبه بجدارة، واعتلى محمد مرسي كرسي الرئاسة، فأشبعوه تشريحاً وتجريحاً، الفاصل الزمني: ثلاثة عشر قرناً، فما سر التشابه؟ الرفض المسبق يقود إلى عدم التسليم، ويحرك سيكولوجية الغوغاء في الشغب والتنغيص، وهذه المقدمة بالطبع هي نوع من التثوير التدريجي الذي يلجأ فيما بعد، إلى أساليب أكثر عنفاً! ويبقى الخيار المفتوح أمام الأنظمة المستهدفة، هو اللجوء إلى القمع، إذا لم تكن مضطرة إلى حساب النتائج! أمّا في الديمقراطيات الراسخة، فيستبدل القمع الجسدي بالقمع القانوني، كما حصل في الولايات المتحدة، حين أطيح بالكثير من الرموز السياسية، بشبهة الشيوعية أو التعاطف معها، فيما عرف تاريخياً، بالمكارثية، نسبة إلى جون مكارثي!الديمقراطيات الناشئة، والخارجة لتوها من تحت ربقة الديكتاتورية، تجد نفسها في وضع أكثر حرجا، وأمام خيارات أكثر ضيقاً، فهي تود تجميل صورتها، وبناء قواعدها الشعبية، حين يُلقى في وجهها بمثل تلك التحديات! وهكذا بدا الرئيس مرسي وهو يمشي على الحبل، يتمايل دون أن يسقط، ويراجع خطواته في كل تقدم، إلى أن هرول نحو نهاية الحبل حين لم يبق وقت للمراجعة، ولعله كسب الجولة فيما يبدو أنها مغامرة، خالفت حسابات معارضيه، لا بل نقلت بعض حلفائهم إلى صفّه!الديمقراطيات كما هي أنظمة الحكم الأخرى، ليست محصنة ضد أي شيء، فهنا أمثلة بارزة في التاريخ، اغتالت فيها الديمقراطيات زعماءها، هكذا فعلت أمريكا بجون كينيدي ثم روبرت كينيدي، وهكذا فعلت الهند بزعيمتها البارزة إنديرا غاندي! بل اغتالت اسرائيل زعيمها اسحق رابين، وقتلت أنبياءها قبل ذلك، عبر رحلة تاريخية، لم تُبدّل شيئا في سيكولوجية الأمم!يفسر المؤرخون ذلك وفق مذاهب مختلفة:قالوا إن كينيدي كان كاثوليكياً، مخالفاً لمعيار الرئاسة المُنصّب’أبيض، بروتاستنتي انجلو ساكسوني’، ويأتي التاريخ ليفند هذا التفسير، فرئيس الولايات المتحدة:أسود البشرة!الدين مقاس’مُحيّر’! ولا علاقة له بالأنجلو سكسون من قريب أوبعيد!الذين شقوا عصى الطاعة على الرئيس مرسي، تذرعوا بانحيازه لتيار الإسلام السياسي، بينما برزت أصوان سلفية، تلومه على التفريط في الدين، وتتهم دستوره بالعلمانية!وهذا ما تكرر أيضاً مع راشد الغنوشي!فهل ضاعت الحقيقة؟ وهل لو أمسك العلمانيون بزمام السلطة ستتوقف عربة الحكم عن الدوران حول الحلبة؟للتاريخ سننه ومبادؤه ومعاييره للجدارة، بعيداً عن لغط السياسة ومهاتراتها، لعل أبرزها ما يحقق مصالح الشعوب وطموحاتها:فهل تقرأ الشعوب ذلك بطريق صحيحة، وكيف يستمر خداعها واستعبادها طويلاً، قبل أن تحاول فك عقالها؟ ولماذا تُعظّم ديكتاتوريات فاسدة وتُحنى لها الرقاب أمداً طويلاً، بينما يتم تحدي ديمقراطيات ناشئة، قبل أن يتبين خيرها من شرها، أم هي سيكولوجية استضعاف الضعيف والإنقضاض عليه قبل أن يقوى؟يقول هيجل لو أنّ سيدا حرر عبداً، وفتح له الباب إلى حريته، ثم خرج بعد حين ليعرف ما حدث له، لو جده جالسا على عتبته يتوسل إليه أن يعيده إلى العبودية، ببساطة لأنه لا يعرف كيف يتصرف بهذه الحرية التي امتلكها فجأة، لأن العبودية أصبحت بالنسبة إليه انتماء وهوية!ترى هل يفسر ذلك تعلق من يسمون الفلول بالسيد القديم؟يقول شكسبير على لسان أنطونيو بطله في مسرحية’يوليوس قيصر’: إن الشعوب ضعيفة العقل ومن السهل استمالتها، وهي تفضل الملوك وهيلمانهم على الحرية التي رفع شعارها بروتسحين أجهز بخنجره على القيصر!وحين أتلو عليهم وصية القيصر التي ابتدعتها بنفسي: سينقلبون ضد هذا الخائن، الذي اغتال سيده متذرّعاً بحُبّ روما!وسيهتفون للملك الجديد!ترى هل نقرأ ملامح ما يقوله هؤلاء في محنتنا الحاضرة؟!نزار حسين راشد[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية