مصر ولحظة الحسم

حجم الخط
0

د. خالد سليمان هل تذكرون تلك القصة القديمة التي قيل إنها حدثت عندما رشح أحمد لطفي السيد ـ الذي لقب بأستاذ الجيل وأب الليبرالية المصرية ـ نفسه للانتخابات النيابية أوائل القرن المنصرم، أيامها زعم أحد منافسي السيد أن الديمقراطية التي يدعو إليــــها تعـــني بالمحكية المصرية أن ‘مراتك تبئى مراتي’، فكان أن خسر السيد الانتخابات بالرغم من انقضاء قرابة مائة عام على تلك الحادثة المضحكة المحزنة، أزعم أن فهم كثير من الناس للديمقراطية في مصر والوطن العربي عموماً لا يختلف كثيراً في جوهره عن فهم أولئك الذين صدقوا أن الديمقراطية تعني بالفعل انتقال ملكية الزوجات. فما يجري في مصر الآن، يؤكد أن سلوك أغلبية الناس، بمن فيهم الرموز والقيادات، لا علاقة له بالديمقراطية من قريب أو بعيد، إلا طبعاً من ناحية خرقها والقفز عنها. فالرموز التي تقول اليوم بأن الرئيس مرسي فقد شرعيته، بحجة أنه يريد أن يجعل من نفسه ديكتاتوراً معصوماً بإصداره الإعلان الدستوري الجديد، لم تتفوه بكلمة احتجاج واحدة، بل كانت مغتبطة ومشجعة، عندما أصدر المجلس العسكري أكثر من إعلان دستوري مستبد حصر بيد المجلس كل السلطات، ما يؤكد أن الأمر لا علاقة له في حقيقة الأمر بالحرص على الديمقراطية أو الخوف عليها، وأن معاداة مرسي لا صلة قوية لها بقراراته، ولكن ربما بهويته ومرجعيته، وبوجوده في السلطة، التي يحلم كثير من الانتهازيين باقتلاعها منه.من مبادئ علم السياسة وعلم الاجتماع السياسي، أن السلطة، ممثلة بالحكومة، ومصطلح السلطة يتضمن القول تلقائياً بالتمتع بالشرعية، هي صاحبة الحق الحصري والوحيد في استخدام القوة، عند تعرض أمن البلد لخطر جدي، داخلي أو خارجي، وهذا ينسحب حتى على أعرق ديمقراطيات الدنيا، فإذا ما تعرض السلم الأهلي لخطر محيق جلي، بات من حق السلطة ـ الرئيس والحكومة في الحالة المصرية ـ أن تستخدم القوة الحازمة لفرض الأمن وتعقب ومعاقبة العناصر المسيئة المخربة، بغض النظر عن انتماءاتها وخلفياتها وشعاراتها. وفي مصر، يتمتع الرئيس مرسي ولا شك بالشرعية، ما دام قد وصل إلى السلطة عبر اختيار الشعب، ومن ثم، فإنه يملك الحق كاملاً، قانونياً وأخلاقياً، لاتخاذ إجراءات صارمة، من بينها إعلان حالة الطوارئ وحظر التجول، لحماية البلاد من كابوس الانزلاق إلى مستنقع الحرب الأهلية، التي لا تمانع أطراف عديدة فيما يبدو في انزلاق مصر إليها، إذا كان من شأن ذلك إيجاد فرصة، ولو نظرية ضئيلة، للإطاحة بالإسلاميين والحلول مكانهم على رأس السلطة.من الواضح تماماً أن بعض الجهات في مصر لا تريد حواراً من أي نوع، ومهما فعل الرئيس مرسي فلن ترضى عنه تلك الجهات ولن تتوقف عن التآمر لإسقاطه، وستجد دائماً مبررات لمناهضته والعمل على التخلص منه، ليس طبعاً عبر المعارضة السلمية النظيفة، المحبذة والضرورية، بل عبر أحط الوسائل التي تظهر حقيقة النوايا ضد مصر ومستقبلها الديمقراطي، كحث الجيش على الانقلاب، أو استجداء أمريكا والغرب من أجل التدخل، أو التحالف مع فلول الفاسدين من أتباع النظام الساقط، بل وصل الأمر إلى الاستعانة بعصابات ‘البلطجية’ من أجل القتل والحرق والتدمير، أو التحريض على ذلك بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لنجد على سبيل المثال أن إعلامياً معروفاً بمعاداة الإسلاميين يصرح إنه قد تم حرق ما يكفي من مقرات جماعة الإخوان، فيتطوع بإعطاء عناوين بيوت بعض قياداتهم.منذ أمد بعيد ولى عهد المعجزات، لذلك فإن من باب توقع حدوث معجزة، لن تحدث حتماً، توقع أن تتمكن ثورات الربيع العربي، ومن أبرزها الثورة المصرية، من خط مسار ديمقراطي حقيقي خلال هذه الفترة البسيطة التي لا تحسب من عمر الزمن، فقد تلوثت عقول أغلبية الناس عبر عقود طويلة من هيمنة الأنظمة الفاسدة بأقبح قيم التسلط والتصارع والأنانية ونبذ الحوار، ومن المحال أن يقرر أصحاب هذه العقول الملوثة أن يحتكموا إلى منطق الحوار والأساليب السلمية الودية بين عشية وضحاها، وبخاصة إذا كانوا ممن يكتظ تاريخهم بالفساد والتحالف مع أنظمة وجهات مجرمة ما تزال تقطر الدماء من أصابعها، كما هي حال معظم الرموز المصرية التي نعرفها اليوم. ربما يحتاج الرئيس مرسي إلى التراجع عن إعلانه الدستوري الأخير، ولكن ما أخطر أن يفعل ذلك وهو في حالة ضعف وتحت ضغط المعارضة المغرض معظم أطرافها، فذلك سيفقده ويفقد مصر كلها هيبتها، في وقت ما أحوج الوطن العربي كله لهيبة مصر، كما سيجعل من مؤسسة الرئاسة مجرد حائط منخفض يتطلع كل من هب ودب للقفز عنه، وما أكثر المتلهفين للقفز مصر اليوم تحتاج إلى لحظة حزم وحسم من رئيسها، ومنطق التاريخ مع الأسف الشديد، المصري على الأقل، يدعم هذا التوجه، فلو لم يكن عبد الناصر حازماً مع خصومه الذين أرادوا إسقاطه في بداية عهده، ومن بعده السادات، لتغير وجه التاريخ الذي نعرف، ولربما كانت مصر حتى اليوم أسيرة سلسلة لا تنتهي من الانقلابات الدموية.’ أكاديمي عربي مقيم في كندا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية