محمود قرنيوهران ـ ‘القدس العربي’ من محمود قرني: العديد من قاعات العرض الوهرانية بدأت مند صباح الأحد في استقبال عشرات العروض المشاركة في الدورة السادسة لمهرجان الفيلم العربي بمدينة وهران، الذي انطلقت فعالياته في الخامس عشر وتنتهي مساء الثاني والعشرين من ديسمبر الجاري.فهناك قاعة المغرب وفاعة السعادة، مركز الاتفاقيات، المسرح الجهوي، قاعك سينماتك بوسط مدينة وهران حيث بدأت العروض الفيلمية اعتبار من صباح الأحد حيث تم عرض عدد من الأفلام القصيرة التي بدأت بفيلم المخرج الفلسطيني جهاد الشرقاوي ‘البلح المر’، وكذلك فيلم المخرج المغربي ‘فاضل شوبكة’ الذي يحمل عنوان ‘اليد اليسرى’ وأيضا تم عرض فيلم ‘الطريق’ للمخرج السوري رسلان شميط .الفيلم الذي افتتح قاعة سينماتيك لم يكن الأكثر تعبيرا عن أداء السينما القصيرة المتسم بالتكثيف والتقاط ماهو شعري في زحمة المشاهد التي تترى دون ضابط أو رابط. فالمخرج الغزاوي جهاد الشرقاوي يحاول مع رفاق حاولوا، ربما آلاف المرات، توثيق الحلم الفلسطيني المجهض بدولة مستقلة في مقابل تجسيد العسف الصهيوني الذي انتهى الى ارتكاب عشرات الجرائم المخزية في تاريخ الإنسانية، غير أن الطريق الى الفن من البدهي أن يكون غير الطريق الى السياسة وإلى النضال من أجل حلم انتزاع الوطن والأرض وهوه ايضا من بدهيات العمل الفني، وسيظل الخلط القائم في عالمنا العربي بين دور الفن ودور الأيديولوجيا أداة من أدوات تعطيل الحدس الفني لحساب المنبرية في كل الفنون، هذا تقريبا ما فعله جهاد الشرقاوي في فيلمه ‘البلح المر’، ففضلا عن أنه قدم تراكما كميا رهيبا لصور العنف المكرور والذي صار اعتياديا مع تكراره، وكذلك اعتماده على الأناشيد الوطنية والسيدة العجوز التي تسرد كخلفية وكشاهد على ما فعله الاحتلال بأهل فلسطين وهي مشاهد في جملتها لم تتجاوز الصور التوثيقية التي نشاهدها يوميا في الفضائيات، وأتصور أن مخرج الفيلم كان عليه أن يتأمل فكرته بشكل رأسي فيلتقط ماهو حي في هذا الركام الفيلمي، ويعيد توجيهه في سياقه الفني ليكون قادرا على تحقيق المزيد من الدهشة والمزيد من الاكتشاف.أما فيلم الطريق الذي اعتمد على سرود لحكاية مهاجر عراقي الى كرواتيا بصحبة صديقة النيبالي وتعرضه لحادث سيارة يفقده القدرة على الحركة فيستطيع العثور على أسرة متعاونة تساعده على تجاوز محنته، فهو الآخر ينحو منحى رفيقه جهاد الشرقاوي، وإن تميز مخرجه رسلان شميط بالقدرة على ترتيب والتقاط الكادر الفني عكس الشرقاوي الذي تبدو لديه مشكلة كبيرة في التصوير.أما فيلم ‘اليد اليسرى’ للمغربي فاضل شوبكة فقد امتلك من اللحظة الأولى قدرة فائقة على الإدهاش من حيث صدق مشاهده وصدق الإلتقاط الحي للألم الذي تتحرك خلفه فكرة الفيلم بشكل شديد الرهافة . فكرة شوبكة تستحق الانتباه وجاءت معالجته لها أكثر من موفقة حيث تتناول واحدا من رجال تحفيظ القرآن في أحد الكتاتيب أوالزوايا، تبدو على وجه علامات الصرامة التي تصل الى حد العنف، أما العنف المادي الحقيقي والمتكرر فيرتكبه بشكل دائم مع ابنه الصغير لأنه أعسر بينما الأب ينهره بالضرب والتعذيب المبرح كلما رآه يقبض على شيء بيسراه باعتبار أن الأمر مناف للشرع، وبما أن هذا الشرع يحض على تبجيل اليد اليمنى بل كل ماهو يمين، وتتبدى مشاهد الأم والإبنة الصغيرة في حال ألم دائم لاسيما وهي ترى التشوهات التي بدت على ذراع الولد الصغير بسبب من كثرة ضربه عليها.يكبر الولد ويأتي مشهد ما قبل النهاية حيث يجلس البطل مع حبيبته في مكان عام فيأتي أحد المتشددين ليقوم بتفجير المكان، يموت من يموت ويعيش بعاهته من يعيش، وكان نصيب الإبن أن فقد دراعه اليمنى في الحادث، أما المشهد الأخير فيجمع الأب والأم والبنت والولد الذي فقد ذراعه وابنه الصغير والحفيد في نفس الوقت، وعندما يقدم اليهم الطعام يمد الحفيد يده اليسرى فيهم الجد بمنعه غير أنه يتراجع في اللحظة الأخيرة وتنهمر دموعه ثم يربت على رأس الولد ويقبلها ويبدأون جميعا في تناول الطعام. أما يوم الاثنين فقد شهد عدة عروض كان أبرزها فيلمي المخرجين: المصري خالد الحجر، والفلسطيني عبد السلام شحادة. الفيلم الأول هو ‘الشوق’ الذي قدم مأساة مصرية تمثل جزءا من الواقع المصري عبر أسرة فقيرة يموت وليدها الطفل في سنيه الأولى مصابا بالفشل الكلوي، ثم تنحرف البنتان وتتحول الأم الى متسولة لأنها ترفض أن تفقد إحدى ابنتيها بسبب المرض أو الفقر مرة ثانية، تؤكد البنية الدرامية والفيلمية مقدرة المخرج خالد الحجر واحترافيته، وانطواء تجربته على خبرات وفيرة في مجاله، غير أن الفيلم أسرف وبالغ بشكل يناهض الواقع في إنتاج جرعات كثيفة من الكآبة واللامعقولية، وهو الأمر الذي صرف عشرات المشاهدين، وهم في معظمهم من المتخصصين، عن المشاهدة وتفضيلهم البقاء خارج القاعة، ربما يفسر ذلك الدور المتميز الذي قدمته الممثلة القديرة سوسن بدر وهي تلعب دور الأم كدور مركزي همش الكثير من الأدوار المرافقة، بالإضافة الى أن مساحات الإظلام النفسي والروحي في دور الأم ظل كابيا طيلة العرض، وكأن الحياة طريق ممتدة لا تنطوي على أية تعرجات رغم أنها ستظل بالنسبة للكافة تنطوي على ما يستحق أن يعاش، يعزز الضجر من هذا الفيلم أنه، في نهاية الأمر لا ينطوي على حكاية استثنائية بل هي حكاية اعتيادية يبدو الواقع، في بعض مشاهده، أكثر إدهاشا منها، ومن ثم لم يكن الأمر يحتاج من المخرج الى كل هذا الإعتام حتى ينجح في تجسيد فكرته، ربما هذا ما يدعو المرء الى التساؤل عن الأسباب التي تدفع بعض المخرجين العارفين بفن السينما الى مثل هده الطرق، وإن لم يكن لدى المرء إجابة قاطعة في هذا الأمر إلا أنني أتصور أن عيون بعض المخرجين والفنانين والكتاب التي تنظر باتجاه الغرب ستظل سببا من الأسباب التي تدفع في مثل هذا الاتجاه، سواء كان بسبب من حصد تمويلات تمكن هؤلاء المخرجين من الاستمرار في العمل أو بقصد تحقيق المزيد من الشهرة بوهم العالمية في إطار شروط التمويل بطبيعة الحال، وهما أمران لا يمكن فهمهما أو غفرانهما مهما بلغت القيمة الفنية لمخرج هذا العرض الكئيب والكابوسي خالد الحجر.الفيلم الثاني الذي شاهدته اليوم عرضته قاعة سينماتيك هو فيلم مصنف ضمن الأفلام الوثائقية ومدته اثنتان وخمسون دقيقة ويحمل عنوان ‘الى أبي’ للمخرج الفلسطيني ‘عبد السلام شحادة، حيث لاقى فيلمه استحسانا عميقا لدى جمهور العرض مند لقطاته الأولى، الفيلم يعتمد في نصفه الأول على تقنية الأبيض والأسود، ويستعرض تاريخ الكاميرا ودورها في هذا الوقت من زمان ما قبل الاحتلال دون إشارات زاعقة أو خطابية حيث تبدو العلاقات الاجتماعية مدعاة للفخر لما تحققه من أمن عائلي، وتواصل إنساني بين كافة الفئات الاجتماعية، تسعرض الكاميرا دورها في المناسبات المختلفة، فهي حسب الحوار تؤبد لحظاتنا الفرحة والحزينة، في الأفراح على شواطئ البحار والأنهار، في المناسبات العائلية، وأيضا بتخليد أرواح من نحبهم لكنهم رحلوا عنا، كل هذا يدور في الفيلم دون أدنى ذكر للجانب المظلم في هذا الفليم التوثيقي حيث تتحول تلك العلاقات الى منحاها القلق والكارثي المسكون بالخوف الدائم من المجهول أو المعلوم ‘العدو الإسرائيلي’ الواقف بدباباته على الأبواب، الذي يقتحم البيوت ويقتل الأطقال بل ويقتحم المخيمات، هنا يحدث التحول الجوهري في وظيفة وظيفة الكاميرا واستخامها في الدراما الفيلمية بوعي شديد الرهافة، حيث يتقاعد المصور القديم الحاج سلامة الذي يحتفظ بأرشيف لصور آلاف الأوجه التي التقطتها كاميراه. يحل محله كاميرا الحاج سلامة كاميرا بديلة وقاسية هي كاميرا الاحتلال التي تستطيع إنجاز أربع صور في دقيقة واحدة عندما يصورون أطفال المدارس أو المسافرين لأغراض مختلفة، ثم نرى أبشع الاستخدامات للكاميرا نفسها عنما تعلقها قوات الاحتلال على المعابر والحدود لمراقبة أصحاب الأرض، بدت تحولات الكاميرا جزءا أساسيا من درامية هذا العمل الوثائقي المؤثر حيث تراوحت وظيفتها بين الهشاشة عندما كانت إحدى علائم الحب وتخليد التواصل الإنساني وكانت هي نفسها أداة من أدوات التنكيل والقمع والقتل والرقابة في يد العدو. إن الشاعرية الفائقة التي عالج بها المخرج درامية الحدث تستحق الانتباه لا سيما وأن القضايا الكبرى مثل قضية الاحتلال عادة ما تكون دافعا يبدو لا إراديا نحو تصدير الشعار والديماغوجيا السياسية، وقد شهدت الفنون العربية التي عملت لخدمة السياسة الكثير من تلك الأعمال، وربما سنلاحظ أن المخرج قدم مادته الفيلمية عبر وقائع شديدة التأثير والبساطة دون أن يثير الكثير من الغبار والخطابات العدائية، إنه فيلم يبحث بصاحبه عن موطئ قدم آمنة في هذا العالم دون أن يكون ذلك بالضرورة مقابل قتل الآخرين وإخراجهم من التاريخ. لقد استفاد عبد السلام شحادة بوعي مركب وعميق من شاعرية الصورة واندفاعاتها نحو التكريس لتفتيت المركزية على كل مستويات الوعي دون أن يكون ذلك على نفقة الدور الفني للعمل، لقد استطاع شحادة بجدارة حقيقة أن يجيب على السؤال الصعب هل يمكن للفن أن يتبنى القضايا الكبرى دون أن يقع مجددا في خطل الخطاب وصناعة الشعائرية والمنبرية، أدعوكم لمشاهدة فيلم عبد السلام شحادة ‘الى أبي’ فهو إجابة تبدو مثالية على هذا السؤال.