الجزائر: الرئيس هولاند ‘يغازل’ ذاكرة الجزائريين ويتحاشى إغضاب ‘الحركي’ و’الأقدام السوداء’

حجم الخط
0

كمال زايت الجزائر ـ ‘القدس العربي’: اختتم أمس الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند زيارته إلى الجزائر، والتي اختار أن تكون آخر محطة فيها هي ولاية ‘تلمسان’ (430 كيلومتراغرب العاصمة) وذلك في أعقاب الخطاب الذي ألقاه الرئيس الفرنسي أمام نواب البرلمان الجزائري، وكذا بعد وقفة الترحم على أرواح شهداء ثورة التحرير الجزائرية، والتي قام بها بمقام الشهيد.وكان الرئيس فرانسوا هولاند قد ألقى خطابا أمام نواب البرلمان الجزائري المجتمع بغرفتيه في دورة استثنائية ترأسها عبد القادر بن صالح رئيس مجلس الشورى، والذي يعتبر دستوريا الرجل الثاني في الدولة الجزائرية.وبدأ الرئيس هولاند كلامه بالتأكيد على ضرورة فتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين، وأن هذه الصفحة يجب أن تبنى على الحقيقة، مهما كانت أليمة وصعبة.واعتبر أن قول الحقيقة هو واجب تجاه الذين دفعوا ضريبة التاريخ الأليم، وواجب أيضا تجاه الشباب الذين من حقهم أن يعرفوا ما جرى بالضبط، مشيرا إلى أنه لا شيء يبنى بالنسيان ولا بالتنكر، وأن الحقيقة والتاريخ المشترك بين البلدين يجب أن يجمعا وألا يفرقا بين الجزائريين والفرنسيين، واستطرد قائلا ‘أنا هنا اليوم أمامكم لأقول الحقيقة’. وأعرب الرئيس الفرنسي عن اعترافه بمعاناة الشعب الجزائري خلال فترة الاستعمار الفرنسي، مشيرا إلى المجازر التي ارتكبت في مدن سطيف، قالمة وخراطة شرق البلاد في الثامن من أيار (مايو) 1945، في الوقت الذي كان فيه العالم يحتفل بالانتصار على البربرية، فإن فرنسا تناست في ذلك اليوم القيم التي قامت عليها. واكد الرئيس الفرنسي في خطاب امام اعضاء مجلسي البرلمان الجزائري انه يعترف بـ’المعاناة’ التي تسبب فيها الاستعمار الفرنسي للشعب الجزائري. وقال ‘اعترف هنا بالمعاناة التي تسبب فيها الاستعمار للشعب الجزائري’، وذكر احداث ‘سطيف وقالمة وخراطة (التي) تبقى راسخة في ذاكرة الجزائريين ووجدانهم’. واوضح هولاند انه ‘خلال 132 سنة (1830-1962) خضعت الجزائر لنظام ظالم ووحشي (…) وهذا النظام يحمل اسما هو الاستعمار’. ووسط تصفيق البرلمانيين الجزائريين المجتمعين، قال هولاند انه ‘في الثامن من ايار/مايو 1945 بسطيف (300 كلم شرق الجزائر) عندما كان العالم ينتصر على البربرية تخلت فرنسا عن مبادئها العالمية’. واضاف ‘يجب ان نقول هذه الحقيقة لكل من يريد وخاصة الشباب’ الذين يشكلون نصف عدد السكان الجزائريين ‘لتعيش الصداقة بين البلدين’. وقال الرئيس الفرنسي انه ‘مهما كانت الاحداث مؤلمة لا بد ان نفصح عنها’ ولا يجب ان نبني علاقاتنا ‘على نسيان ما حدث’. واكد الرئيس الفرنسي انه ‘يجب قول الحقيقة ايضا حول الظروف التي تخلصت فيها الجزائر من النظام الاستعماري، حول هذه الحرب التي لم تسم باسمها في فرنسا، اي حرب الجزائر’. وتابع ‘نحن نحترم الذاكرة كل الذاكرة (…) ومن واجبنا ان نقول الحقيقة حول العنف والظلم والمجازر والتعذيب’. ويدرس الثامن من ايار/مايو 1945 في المدارس الجزائرية على انه مناسبة وطنية قتل فيها الجيش الفرنسي ’45 الف جزائري’ واحد اسباب قيام حرب التحرير في 1954 التي ادت الى استقلال الجزائر عن فرنسا في 1962. ويتحدث المؤرخون الفرنسيون عن سقوط ما بين 15 الى عشرين الف قتيل منهم 103 اوروبيين.وكان هولاند اعلن في اليوم الاول من زيارته انه لم يأت الى الجزائر ‘للاعتذار او التعبير عن الندم’ ولكن لفتح صفحة جديدة في العلاقت بين البلدين. واعتبر أنه لا يجب أيضا إغفال الظروف التي جرت فيها عملية انفصال الجزائر عن فرنسا، ونيلها الاستقلال، وهي من طرف هولاند إلى ما يقول الحركي (الجزائريون الذين تعاونوا مع الاستعمار الفرنسي)، وكذا الأقدام السوداء (الأوروبيون الذين كانوا يقيمون في الجزائر) انهم تعرضوا له من قتل وتنكيل بعد رحيل السلطات الاستعمارية، وفي الوقت الذي بدأ فيه الجزائريون يسترجعون السيادة على ترابهم، وهي اتهامات مرفوضة جزائريا جملة وتفصيلا، لكن لوبي الأقدام السوداء والحركي يصر عليها، وكل الحكومات والرؤساء المتعاقبين يخشون إغضاب هذا اللوبي المؤثر في المواعيد الانتخابية.وأشار إلى أنه على الرغم من الماضي الأليم فإن هناك أشياء تدعو إلى التفاؤل، وأن فتح صفحة جديدة لا ينطلق من العدم، بل من قواسم مشتركة، وفي مقدمتها اللغة الفرنسية التي توصف بأنها غنيمة حرب.ودعا الرئيس هولاند إلى النظر بإيجابية إلى المستقبل، مبديا تفاؤلا بإعلان الصداقة الذي تم التوقيع عليه، إضافة إلى الاتفاقيات التي وقع عليه الجانبان خلال هذه الزيارة، مشددا على أنه لم يأت إلى الجزائر بنية التجارة، وإنما بنية بناء شراكة استراتيجية.وفي تعليقه على الخطاب قال وزير المجاهدين محمد شريف عباس إنه قريب من الاعتراف الذي تطالب به الجزائر، مع العلم أن وزير الخارجية الجزائري مراد مدلسي عشية زيارة هولاند صرح بأن بلاده لا تطالب باريس بالاعتذار، في حين اعتبر وزير العدل محمد شرفي أن الكلام الذي صدر على لسان هولاند ليس اعترافا لكنه بداية مشجعة على طريق فتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين. وكان الرئيس هولاند قد قام بزيارة إلى المقبرة المسيحية ببولوغين، ومنها إلى ساحة موريس أودان بالعاصمة، تخليدا لذكرى هذا المناضل من أجل القضية الجزائرية، وبعد ذلك وضع إكليلا من الزهور بمقام الشهيد، ووقف وقفة ترحم على أرواح الشهداء، قبل أن يشد الرحال إلى تلمسان رفقة الرئيس بوتفليقة، وهي المدينة التي تعود أصول الرئيس الجزائري إليها، حتى وإن كان قد ولد بمدينة وجدة المغربية، وألقى هولاند كلمة أمام طلبة جامعة ‘أبو بكر بلقايد’، وتناول بعدها وجبة الغداء، وعاد إلى باريس مباشرة من تلمسان.وكان رئيس مجلس الامة (الغرفة الثانية في البرلمان) عبد القادر بن صالح رحب بالرئيس الفرنسي بوصفه ‘صديق الجزائر الذي وقف الى جانبها في الاوقات الصعبة’. وقال ‘نستقبلكم كصديق للجزائر التي تعرفونها وتعرفكم’. واضاف ‘ندرك ارادتكم الى جانب ارادة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لاعطاء دفع جديد للتقارب بين البلدين واننا نشارككم هذا المسعى’. وتابع بن صالح ‘اننا نعلم انكم تقاسموننا القناعة بضرورة اعتماد سياسة متجددة في العلاقات’.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية