ما يحدث في مصر، يبدو تحديا للديمقراطية، أكثر مما هو ممارسة لها، والسبب هو الخوف والعادة، الخوف مما سيكون، وإلفة لما كان نمطا للحياة، في عهد استطال وتبدلت رموزه، وبقي جوهره واحداً: لا خلفية عقائدية مقيدة! وهذا بحد ذاته شيء مريح لأطياف واسعة من الشعب المصري، وخاصة برجوازيتيه الصغيرة والكبيرة، واللتين برزت من صفوفهما النخب السياسية، بالإضافة إلى ضباط الجيش، والذين يتمتعون بدورهم بمزايا نسبية مريحة! وحين خرج هؤلاء من تحت عباءة نظام استدفأوا بها طويلا، إلى فضاء الحرية الطلق والخيارات المفتوحة، التي وقفوا عاجزين عن إدارتها لصالحهم، في مشهد سياسي، مالت الكفة فيه لصالح الصوت الإسلامي، بأطيافه المختلفة.ومن ثم جاء الاصطفاف خلف رموز العلمانية، حتى المرتبطة منها بالنظام السابق، ليفاقم المشكلة، بدل أن يسهم في حلها! وفتح الباب على مصراعيه، لإمكانية عودة الحكم العسكري، واحتمال الحرب الأهلية، والتي سيبرز فيها البعد الطائفي سافراً دون قناع!الغريب أن الأصوات العلمانية تدرك جيدا هذا الخطر، ولكنها بدل أن تدفع في سبيل تلافيه، بإعادة حساب لتكتيكاتها، تلوح به مهددة في وجه التيار الإسلامي، غير آبهة أن هذا التيار، سيخوض حرب وجود، تحت غطاء الشرعية، المهددة بالاجتياح، ولن يسمح لها بحشره في الزاوية الضيقة، والتسليم بخيار السقوط!كما أن هذه المعارضة لا تدرك أيضاً، أنها برفعها شعار إسقاط النظام ، تسقط إمكانية المشاركة أو تقديم التنازلات من قبل التيار الإسلامي، متجاوزة ذلك إلى فكرة الاستحواذ والإلغاء، وهي الفكرة التي تذرعت بها في مناوئتها لهذا التيار، مقدمة له بذلك أرضا صلبة للهجوم عليها، وموقعة نفسها، في شرك التناقض والظهور بمظهر الانتهازية، الطامعة فقط في القبض على السلطة، ثم الثأر من الخصوم، ونصب المقصلة لهم، بذرائع ثورية، تعيد إلى الأذهان، أشباح الثورة الفرنسية وهالوينها المرعب!المعارضة المصرية مشتتة بين شيوخ أغواهم بريق السلطة، وجزرة لوحت بها دول خليجية، أذرعها ممتدة أصلا في عمق الإعلام المصري، السياسي منه والترفيهي، المعتاش على سخائها أصلا، وبين شباب لم يجدوا مكانا لهم في صفوف التيار الاسلامي المحافظ، ويحاربون على أرضية أيديولوجية فقدت بريقها وشعبيتها منذ زمن بعيد، لا بل إن بعضا من أبرز دعاتها، دخل بيت الطاعة في عهد النظام السابق، مثل حزب التجمع ومنبره الإعلامي مجلة روز اليوسف، الموروثة من العهد الناصري، هذا بالإضافة إلى أقليات تشعر أنها مهددة في ظل حكم يرفع راية الدين!التقاء المصالح هذا على رأس منعطف تاريخي، فجر أزمة حقيقية بالفعل، ولكنها لحظية على أية حال، لأن التاريخ لن يتوقف عند المنعطف، بل ستدفع به القوى الأكثر تجذرا وعمقا في نسيج المجتمع إلى الأمام، وسيكون مصير التحالفات الآنية، التفكك، لأنها تحمل بداخلها شيفرة تحللها، وحتما سيغيض الموج وترسو السفينة عما قريب!نزار حسين راشد[email protected]