د. نصار عبدالله شبيب بن يزيد هو مؤسس الفرقة الشبيبية وهي تلك الفرقة الإسلامية التي اشتهرت دون باقي فرق الخوارج ودون باقي الفرق الإسلامية الأخرى، اشتهرت بأنها قد أجازت للمرأة أن تكون إماما، وبعبارة أخرى فإن هذه الفرقة قد أجازت للمرأة حق الولاية العظمى أو رئاسة الدولة إذا ما استخدمنا المصطلح المعاصر، أما غزالة التي اشتهرت بلقب ‘الحرورية’ (نسبة إلى حرور: مكان ولادتها)، فهي زوجته ورفيقته في القتال ضد جيوش الدولة الأموية التي خرج عليها وقاتلها قتالا شديدا حيث كانت غزالة تقود كتيبة من النساء الشبيبيات المسلحات بالحراب والسيوف اللائي أبلين في القتال بلاء حسنا وكان لهن فضل كبير في تمكين الشبيبين من دحر جيش الحجاج بن يوسف الثقفي واقتحام الكوفة، وهو ما دفع بالشاعر عمران بن حطان يومها إلى معايرة الحجاج واتهامه بأنه قد هرب من مواجهة غزالة وذلك في أبياته الشهيرة التي يقول فيها ‘ أسد علىّ وفي الحروب نعامة/ هلا برزت إلى غزالة في الوغى؟، … وبعد الإقتحام أكدت غزالة حق المرأة في الإمامة عندما صعدت إلى منبر المسجد وخطبت في الناس، وقد كان من الطبيعي بعد ذلك أن أن يبايعها أتباع شبيب بالإمامة بعد موته وأن يجعلوها حاكما عليهم. ذلك جزء من التراث الإسلامي يبدو في بعض جوانبه سابقا لعصره وربما للكثير من العصور التي جاءت من بعده أيضا والتي لم يقدر لأية فرقة إسلامية فيها أن تجيز إمامة المرأة (رئاسة الدولة)، بل لم يقدر للكثير منها أن يجيز للمرأة ما هو دون الإمامة من أشكال الولاية العامة مثلما فعلت الفرقة الشبيبية التي أجازت لها كل أشكال الولاية مستندة فيما ذهبت إليه إلى أدلة شرعية منها قوله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر)، دون تفرقة في ذلك بين رجل وامرأة. غير أن هذا الجانب المضيء في فكر الشبيبية تحجبه وتغطى عليه جوانب أخرى لا نحسبها مضيئة على الإطلاق وهي جوانب تتسم بها أفكار الخوارج بوجه عام وليس أفكار الشبيبية وحدهم، وأول هذه الجوانب هي النزعة التكفيرية حيث قال الخوارج بتكفير مخالفيهم في الرأي والموقف، بل إنهم قالوا أيضا بتكفير كل مرتكب لأية كبيرة من الكبائر، وصحيح أن جانبا منهم قد أرجأوا الحكم على مرتكب الكبيرة وما إذا كان مؤمنا أم كافرا، أرجأوا الحكم عليه إلى يوم القيامة، فكانوا بذلك أساسا لما عرف فيما بعد بالمرجئة، صحيح أن جانبا منهم قد قال بذلك لكن النزعة التكفيرية تظل مع ذلك سمة بارزة لدى أغلبهم ،.. ومن الجوانب غير المضيئة كذلك نزوعهم إلى العنف ومحاولتهم حسم الخلافات العقيدية بالقوة المسلحة، غير أن الإنصاف يقتضي منا أن نقول بأن هذا الجانب غير المضيء لدى الشبيبية ولدى الخوارج بوجه عام لا ينطبق عليهم وحدهم، ولكنه في الواقع قد امتد لكي يشمل كل الفرق الإسلامية تقريبا، خاصة عندما يمتزج الخلاف العقيدي بالخلاف السياسي أو عندما تصبح العقيدة غطاء لمآرب أخرى تتصل بمحاولة تحقيق النفوذ أو المكانة لحساب فئة معينة على حساب الآخرين، ومع هذا فإن هذه الجوانب السلبية في فكر الشبيبية ومواقفهم وسلوكهم، لا ينبغي أن تطمس ما قدموه من اجتهادات مضيئة في مقدمتها تأكيدهم على المساواة في حق الولاية دون نظر إلى الجنس أو الأصل أو المكانة الإجتماعية، وهم فى هذا الجانب على الأقل كانوا متقدمين جدا على ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة الذين انعقد إجماعهم على أن الولاية العظمى للمرأة غير جائزة، وإن اختلفوا بعد ذلك فيما يجوز لها من أنواع الولاية. ثم يبقى بعد ذلك أن نقول إن ما أوردناه عن شبيب وغزالة والفرقة الشبيبية هو محاولة من جانبنا لتوضيح أن الطيف السياسي في التراث الإسلامى يتسع في بعض ثناياه وفي بعض جوانبه للكثير من الرؤى الديموقراطية المعاصرة، وأنه أوسع بكثير مما ذهب إليه صانعو الدستور المصري الجديد المطروح للإستفتاء والذى نجد أن المادة 33 من مواده قد اكتفي فيها بالنص على أن المواطنين سواء، وحذفت منها عبارة: ‘لا يجوز التمييز بينهم بسبب الجنس أو الأصل أو الدين’، (وهي العبارة التى كانت موجودة في المسودة النهائية، كما أنها موجودة في سائر الدساتير المصرية السابقة)، وفي نفس الوقت فقد نصت المادة 219على أن مبادىء الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومبادئها المعتبرة في مذاهب أهل السنة والجماعة’ وهي المذاهب التي انعقد إجماعها كما رأينا على التمييز لا على المساواة.’ كاتب مصري