محمد عبد الحكم ديابقال رجل من بورسعيد في سياق تعليق له عن الجولة الثانية من الاستفتاء المقررة اليوم (السبت) على مشروع الدستور؛ قال الرجل: ‘وعدونا بالجنة فأعطونا النار’، واعتماد الصندوق الانتخابي فقط؛ كمظهر واحد من مظاهر عديدة في العملية الديمقراطية المعقدة، وبدلا من أن يكون الصندوق الإنتخابي مصدرا للانفراج أضحى مبررا للمصادرة على الرأي والحق في المشاركة معا.تبدأ علاقة الناخب بهذا ‘الصندوق المقدس’ وتنتهي عنده، حتى صار هدفا لذاته؛ تعد من أجله المليشيات وتقدم له القرابين. وأضحى الشغل الشاغل لما يعرف بـ’النخب’ التي ملأت المشهدين السياسي والإعلامي بعد ثورة 25 يناير 2011، إلا من رحم ربي، ولأن المطلوب هو أن تبدأ علاقة الناخب بالصندوق وتنتهي عنده، تخصص أولو الأمر في الانتخابات والاستفتاءات والإعلانات الدستورية العشوائية، فلا حشد إلا لها، ولا مهمة سواها، وحال ذلك دون ظهور برامج وآليات فعل ثوري حقيقي وناضج، وتجنبت ‘النخب’ الدخول إلى معترك الثورة الاجتماعي الاقتصادي والثقافي؛ خوفا من ضياع الأصوات وحرصا على توازنات الإنتخابات، وحفاظا على المصالح الخاصة.ولا يجد المرء مؤشرا واحدا يدفع الناس إلى التسلح بالأمل لقطف ثمار تضحياتهم، وما يهم أولو الأمر هو الارتداد إلى الماضي والهروب من استحقاقات المستقبل، وهذا نعيشه ونسمعه ونراه في خطاب التحالف الإخواني السلفي الحاكم؛ صانع الأزمات، ومفرق الجماعات، وهادم اللذات، وكله خلال الأشهر الخمس الأخيرة، وآخرها أزمة مشروع الدستور، والتفاصيل في هذا الشأن تترك لفقهاء الدستور وخبراء القانون. أما من ناحية السياسة وأثر مشروع الدستور المشوه على الوضع العام، ونجد فيه مادة واحدة تنسفه، حتى لو حاز في الاستفتاء على الأكثرية العددية. وهذه المادة كفيلة بإسقاط الدولة وتقسيم الشعب. والمادة المقصودة هي المادة 219 من مشروع الدستور. وجاءت عطفا على مبادئ الشريعة الإسلامية، التي ورد ذكرها في المادة الثانية من المشروع.وتقول المادة الثانية: ‘الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع’. وهى منقولة بالنص من دستور 1971، أي ليست من وضع تحالف الإخوان والسلفيين الحاكم، ومن الكفار والملحدين على حد وصف الخطاب المذهبي لهذا التحالف. وحازت الإجماع الوطني من مسلمين ومسيحيين قبل عقود من وصول الإسلاميين للحكم. تشمل الشريعة وفق المادة 219: ‘أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة فى مذاهب أهل السنة والجماعة’!. ودمغت هذه المادة مشروع الدستور بالتطرف، وأخرجته من سياقه الوطني، وحصنته بجدران سميكة من القيم والقواعد المذهبية والطائفية البالية؛ بكل ما يترتب عليها من تغيير في بنية الثقافة العربية الإسلامية الجامعة لمصر، التي لا تفرق ولا تميز بين مواطن وآخر.ويبدو أن تلك شروط تهيئ مصر لتدخل طرفا في حرب مذهبية وطائفية متوقعة، ومبررها وقف المشروع النووي الإيراني، وهو هدف ملح للمنظومة الصهيو غربية، ويأتي هذا النص في ظروف ذاع فيها خطاب طائفي ومذهبي يقول بأن ‘الروافض أخطر على الإسلام من اليهود وأن إيران أخطر من الدولة الصهيونية’، والمقصود بالروافض الأشقاء المسلمون الشيعة. والنص على الإسلام كدين للدولة ليس جديدا منذ دستور 1923، وفيه أن ‘الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية’ ثم تأكد ذلك في دستور 1958، بجانب أن دستور 1964 المؤقت، كفل حرية الاعتقاد بموجب المادة 34: ‘حرية الاعتقاد مطلقة ، وتحمى الدولة حرية القيام بشعائر الأديان والعقائد، طبقاً للعادات المرعية، على ألا يخل ذلك بالنظام العام، أو ينافي الآداب’. ونص دستور اتحاد الجمهوريات العربية؛ المكون من مصر وسوريا وليبيا فى الأول من سبتمبر/ أيلول 1971، فى مادته السادسة: ‘تؤكد دولة الاتحاد على القيم الروحية وتتخذ الشريعة الإسلامية مصدرا رئيسيا للتشريع’. لكن التحالف الإخواني السلفي حبس مشروع الدستور في سجن المذهب والطائفة، فضاق بعد رحابة وانحسر بعد اتساع، وهذا ديدن الانغلاق ودأب الرؤى الأحادية في نظرتها للعقائد والمبادئ والحياة والمصالح، وهو ما يُنذر باندلاع اقتتال أهلي قد يقسم الوطن الجامع لكل أبنائه.والوضع يختلف في عصور المد والنهوض وتجد علماء دين أجلاء، بقامة الشيخ محمود شلتوت، همهم توحيد الكلمة، ولم الشمل، والحد من الخلافات، والتقريب بين المذاهب والطوائف، وبفضله دخلت دراسة المذاهب إلى الأزهر. وذاعت شهرته بفتواه عن جواز التعبد بمذهب الشيعة الاثنى عشرية، وينكرها حاليا الشيخ يوسف القرضاوي، ونصها ممهور بتوقيع الشيخ الجليل وصادر عن الأزهر محفوظ لدي، وجاء فيه: ‘1 – أن الإسلام لا يوجب علي أحد من اتباعه اتباع مذهب معين بل نقول: ان لكل مسلم الحق في أن يقلد باديء ذي بدء أي مذهب من المذاهب المنقولة نقلاً صحيحاً والمدونة احكامها في كتبها الخاصة، ولمن قلد مذهباً من هذه المذاهب أن ينتقل الى غيره من أي مذهب كان ولا حرج عليه في شيء من ذلك. 2- إن مذهب الجعفرية المعروف بمذهب الشيعة الامامية الاثنا عشرية مذهب يجوز التعبد به شرعاً كسائر مذاهب اهل السنة. فينبغي للمسلمين ان يعرفوا ذلك وان يتخلصوا من العصبية بغير الحق لمذاهب معينة، فما كان دين الله وما كانت شريعته بتابعة لمذهب أو مقصورة على مذهب، فالكل مجتهدون مقبولون عند الله تعالى، يجوز لمن ليس اهلاً للنظر والاجتهاد تقليدهم والعمل بما يقررونه في فقههم ولا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات’. وكان الشيخ شلتوت رحمه الله من رواد التقريب بين المذاهب، وكان يرى أن المثل العليا للدين أكبر من أن تختزل في طائفة أو تحاصر في مذهب لا في مصر ولا غيرها!. ومأزق التحالف الإخواني السلفي الحاكم ليس محصورا في هذه الحدود وله أكثر من وجه. الوجه الأول: خروج الشعب إلى الشوارع بعد شهور قليلة من حكم التحالف الإخواني السلفي، وفي مواجهته جاء الحل في المليونات المضادة لتأييد الحكم لنفسه، على طريقة ‘الواد بيدلع نفسه’؛ المصرية، وتعمد الحل بالدم، بعد هجوم المليشيات لتأديب المعتصمين السلميين في محيط القصر الجمهوري؛ بدعوى حماية الشرعية، أي حماية محمد مرسي، الذي تلطخت يده بدم المصريين، وهو ما أسقط عنه حق الولاية؛ حسب نص بيان ‘المجلس الوطني’ المصري، وعنوانه ‘لا ولاء لمن تلطخت يده بدماء شعبه’، وأعلن البيان خلو منصب الرئيس، واقترح تولي رئيس المحكمة الدستورية العليا مهام رئيس الجمهورية، يعاونه مجلس انتقالي لمدة ستة شهور، وهناك تفاصيل أخرى خاصة بالحكم الانتقالي بينها البيان الصادر في 10/ 12/ 12، ومنشور على الموقع الألكتروني لـ’المجلس الوطني’الوجه الثاني: يتعلق بمستوى أسقف مطالب الموالاة والمعارضة وشباب الثورة، فسقف الموالاة ينخفض كثيرا عن مطالب محدودي الدخل والأجراء باليوم ومتوسطي الحال والموظفين والفلاحين والعمال والمهنيين والحرفيين والمثقفين ورجال الدين (الأزهريين) والأكاديميين والقضاة ورجال القانون والإعلاميين والفنانين وجنود وصغار ومتوسطي ضباط القوات المسلحة والشرطة وصغار الكسبة، والباعة الجائلين والعاملين على الحافلات الصغيرة والمتوسطة (ميكروباص) وعلى وسائل النقل الخفيف.والتحالف الحاكم في حالة اشتباك دائم وصدام مستمر مع تلك القطاعات والفئات والطبقات، ويمثلون الغالبية العظمى للشعب، ويعتمد في ذلك على أعضاء جماعة الإخوان وحزب الحرية والعدالة و’المؤلفة قلوبهم’ من أتباع حازم أبو اسماعيل، الذي يحشد الفقراء والعاطلين من قريته ‘بَهَرْمِس’ التابعة لمركز إمبابة في حافلات مقابل خمسين جنيها في اليوم، مع الإعاشة والمبيت إذا طالت المهمة. والمعارضة الحزبية بتنوعها وتعددها وتنافسها؛ أفرزت عناصر منها تنظر إلى الانتخابات كوسيلة وغاية للتمكين والحصول على حصة من السلطة، وكثير منهم انضم إلى ‘المؤلفة قلوبهم’ الذين قبلوا التعيين في مجلس الشورى، الذي مُنح صلاحيات تشريعية ليست له، ولا يعدو مجلسا للمشورة وليس للتشريع، وشعبيته منعدمة، وقد صدر مرسوم بقانون بعد الثورة رقم 120 لسنة 2011 حدد عدد أعضائه بـ270 عضواً؛ 180 منهم بالاقتراع المباشر، والباقي يعينهم رئيس الجمهورية، وهو لا يمثل الشعب؛ سواء بثلثه المعين، أو بثلثيه المنتخبين، بنسبة لم تتجاوز 7′ من أصوات الناخبين!.والوجه الثالث هو الثوار وجمهورهم العريض في الشارع، وهم ليسوا مصدر إزعاج للحكم والموالاة فحسب إنما للمعارضة الحزبية كذلك، والسبب هو استمرار تأثيرهم في الشارع، وقدرتهم على تحريكه، وهم لا يساومون، ولا تقنعهم الحلول الوسط، وبينما تؤيد الموالاة مرسي على طول الخط، لم يصل سقف المعارضة الحزبية إلى أعلى من تغيير الإعلان الدستوري الصادر في 21 نوفمبر وإلغاء الاستفتاء، وتغير الإعلان الدستوري بالفعل في 8 ديسمبر، وتمسك بالاستفتاء في موعده وحصن القرارات والإجراءآت التي ترتبت على إعلان 21 نوفمبر، وأصبح إعلان ديسمبر استمرارا منقحا لما سبقه، وبه فتحت أبواب الحوار مع أحزاب صغيرة وشخصيات عامة؛ سرعان ما حصلوا على الثمن، وهو عضوية مجلس الشورى، ومنهم أسماء معروفة مثل الوزير الأسبق والفقيه الدستوري أحمد كمال أبو المجد، وأستاذ القانون الدستوري ثروت بدوي، ومؤسس حزب غد الثورة أيمن نور، هذا بينما ارتفع سقف الثوار إلى أعلى مداه، وهو إسقاط الحكم ورحيل رئيس الجمهورية! مع ذلك تمسك نائب الرئيس محمود مكي بضرورة استكمال مجلس الشوري قبل إعلان نتيجة الاستفتاء علي الدستور، ونقل سلطة التشريع إليه لحين انتخاب مجلس شعب جديد، ويتماشى هذا مع سياسة نائب الرئيس القائمة على ‘الحكم بالعافية’، ويتبناها الأخَوان مكي؛ محمود نائب رئيس الجمهورية، وهو الأخ الأصغر لوزير العدل أحمد مكي، وكانا من تيار استقلال القضاء منذ 2005، ثم يكتشف الرأي العام أنهم منحازون انحيازا مطلقا للإخوان المسلمين وهكذا يكون ‘حياد’ قضاء الاستقلال وعدلهم!!. ذلك بعض ما يمور في جوف مصر الملتهب وبحرها المتلاطم، وينبئ عن خطر حقيقي، إذا ما مر هذا الدستور، الذي من المتوقع أن يعمق الانقسام السياسي، ويزيد من الاحتقان الطائفي، ويؤجج الصراع المذهبي، ويفجر الاقتتال الأهلي، مع إهماله الكامل للثورة، التي أصبحت كاليتيم على مائدة اللئيم، وبمعنى أدق باتت ‘فريضة غائبة’ تحتاج من يدعو إليها ويمارسها!.’ كاتب من مصر يقيم في لندن