لا مكان له… الطاهر الحداد في ذكراه

حجم الخط
0

نائل بلعاويلا تبتعد ذكرى ولادة الطاهر الحداد عن ذكرى رحيله الا قليلا. فقد ولد التونسي الفقير صبيحة الرابع من ديسمبر 1899 في تونس العاصمة، ورحل مبكرا يوم السابع من ديسمبر 1935 فيها، بعد ان بلغ عامه السادس والثلاثين بأيام، وبعد أن انهكه المرض ودمرته العزلة. بعد أن اخرجته فتاوى الشيوخ من (الملة والدين) وحولته الى مجرد (زنديق) ومنبوذ لا يستحق الرحمة ولا الاهتمام، فقد تجرأ الحداد، في نظر الشيوخ، على الحفر عميقا في خبايا الفكر الاسلامي وراح يفتش، بلا حذر، عن ذلك المسكوت عنه في اصول الفقه وآليات التشريع. راح يعيد لفكرة الاجتهاد بريقها وحضورها الاخاذ، ويكتشف ما يمكن البناء عليه حداثيا في الفكر الاسلامي، وما يمكن اعتباره مقدمات (شرعية صحيحة) تتيح للمسلم حرية البحث عما يتناسب مع عصره هو، وليس (عصر نزول الرسالة السماوية وظروف عيش ذاك الزمان). كما ذهب الحداد بعيداً، عند الشيوخ مرة اخرى، في تقريب الشريعة الاسلامية ، وعبر (ما تحمل من مكونات) من منطق وضرورات تحقيق المساواة الكاملة للمرأة المسلمة بشريكها الذكر. وكانت الدعوة الاخيرة هذه، هي عماد كتابه الشهير: (إمرأتنا في الشريعة والمجتمع) 1930. وهي التي تسببت، تحديداً، بردود الفعل الشرسة التي أنهالت على الحداد ابان حياته وبعد وفاته وحتى اللحظة.أدرك الحداد (خريج جامع الزيتونة العام 1920) منذ انطلاق اهتماماته الفكرية الاسلامية وانشغاله المبكر بالبحث عن مقاربات حداثية للنص المقدس (تدل مقالاته الاولى في صحف الامة ومرشد الامة على هذه الحقيقة). أدرك طبيعة الدور الذي فرضه الفكر(الجامد والظلامي المدعو بالاسلامي) على المرأة المسلمة. فالمرأة، هناك، هي مجرد: (تمثيل عميق للمعاني الجنسية) وليست: (كائناً شريكا للذكر، بل تابعة له. عبدة لرغباته ومزاجه. له الحق بردها ورفضها. تزويجها وتطليقها، وله الحق بامتلاك اربع منها). انها، وعلى حد تعبير الحداد: (صاحبة حق واحد لا اكثر، هو أن تطيع سيدها الذكر). وعليه، يضيف: (يكون العمل على تحرير المرأة هو واجب فكري واخلاقي وانساني، أذ لا يمكن للفكر الاسلامي ان يتطور، ولا يمكن للمجتمع ان يتقدم، دون تحقيق هذه الغاية الرفيعة والعمل على تثبيتها) من خلال: (خروج المرأة للعمل..) و:(الحق في التعليم) كما: (حق المرأة في اختيار زوجها وطلب الطلاق والحصول عليه أذا رغبت). الى جانب: (منع تعدد الزوجات منعاً كاملا) فهذه العادة هي،عند الحداد: (عادة موروثة من الجاهلية، وقد استخدمها الاسلام نتيجة لظروف خاصة بذلك الزمان، ولا يجوز ان تستمر في هذا الوقت).ساجل الحداد طويلا حول مجمل اقتراحاته واكتشافاته الجريئة والريادية هذه. لم يستسلم ولم يتراجع. بل تابع البحث عن ركائز فقهية وشرعية تؤكد صحة ما رأى، فهو، وهنا يكمن سر اهميته وخطورته في نظر المؤسسة الدينية. هو الابن الشرعي لتك المؤسسة وليس دخيلا عليها. هو ابن الفكر الاسلامي وليس الماركسي او الالحادي ولا الغربي بشكل عام. مراجعه، ادواته. قاموسه اللغوي وتصوراته الاجتماعية هي اسلامية القلب والمظهر. وهي (قابلة للتحقيق) وليست مجرد حفريات فكرية لا تغادر بطون الكتب و(مجالس الحديث والجدل) ولكنها، لا بد وأن تخرج اولا من (قلاع المقدس المزيف). لا بد من تحويلها الى مشروع (دنيوي) لانها دنيوية، خاصة بحياة البشر على الارض وليس علاقتهم بالسماء. لهذا، ولان الافكار بحاجة لاطر دنيوية لتحقيقها، فقد ساهم الحداد بدور كبير في تأسيس: (الحزب الدستوري الحر) العام 1920 وعمل ضمن لجان البحث فيه. كما شارك زميله وسليل مدينته الجنوبية البعيدة (الحامة / قابس) وصاحب المشروع النقابي الفذ (محمد علي الحامي 1890/1928 ). شاركه نشاطه السياسي / النقابي وعمله على تأسيس (جامعة عموم العمالة التونسية) مطلع العام . 1924، لتكون الجامعة تلك، هي النقابة الاولى لعمال البلاد، وهي التي ستضع الحجر الاساس للعمل النقابي الهام في تونس.من وحي تلك التجربة النقابية وبتأثير مباشر من صاحبها (الحامي) اصدر الحداد في العام 1927 كتابه التأسيسي، بالمعنى الفكري : (العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية). وفيه، طالب الكاتب (على الفور وبلا تردد) بتنظيم العمال في نقابات (تتولى الدفاع عن حقوقهم ووسائل عيشهم) على قاعدة: (ان تحسين الانتاج وتطوير ادواته لا يمكن ان يتحققا دون تحسين اوضاع اصحابه). ولكن الحداد. شمولي الرؤية الاجتماعية وعميقها. واصل، الى جانب حراكه النقابي، حربه المفتوحة ضد سدنة المؤسسة الدينية و(افكارهم الظلامية البالية) موزعاً قنابله الفكرية على شكل مقالات ودراسات في الصحف. هي تلك المقالات والدراسات التي ستجتمع عبر رؤية موحدة ومتماسكة في كتابه المشار اليه: (أمرأتنا في الشريعة والمجتمع) حيث ستصل الحرب، اثر صدوره، ذروتها ولا حدود عنفها: مُنع الحداد بقرار رسمي من مواصلة دراسة الحقوق. وشُكلت لجنة فتاوى خاصة (للنظر في أمره) هي اللجنة التي انتهت (بعد البحث والمعاينة) الى اصدار قراراتها التالية: (تطاول الحداد على شرع الله وسنة نبيه الكريم واخرج نفسه من الدين والذمة، فهو كافر…) و: (يُمنع الحداد من الزواج بمسلمة ولا يحق له التقدم بطلب كهذا). كما يجب على الصحف التوقف عن (نشر سمومه الفكرية) وضرورة (الحجز على كتابه). ترافقت الخطوات هذه مع حملة منظمة شاركت فيها صحف المشرق العربي ايضا ضد الحداد وكتابه. كما صدرت عديد الكتب للرد عليه، كان من اكثرها شهرة: (الحداد على امرأة الحداد) كتاب الشيخ محمد الصالح بن مراد. وكتاب: (سيف الحق على من لا يرى الحق) للشيخ عمر البري المدني، وغيرهما الكثيرتم عزل الحداد اجتماعياً بعبارة ادق. فانعزل الرجل فعلاً في بيته الفقير، مواصلاً هناك ما أعتاد على القيام به دوماً: الكتابة ولا (شيء غير الكتابة)، فكتب الشعر والخاطرة الادبية (ظهرت تلك الاعمال القليلة في كتاب واحد بعد الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي العام 1956). وفي العام 1981 يعد وفاة الرجل بسنوات طويلة، ظهر كتابه الاشكالي الثاني: (التعليم الاسلامي وحركة الاصلاح في جامع الزيتونة). ولا يُعلم الى الان سر اختفاء ذلك النص المكمل لفكر الحداد طوال تلك السنوات، وكيف عثر عليه ونشر، من حسن الحظ، انذاك عزل الحداد ومات وحيدا. واجه اثناء حياته، ولا تزال افكاره التنويرية العالية تواجه الى اليوم، هذه المنظومة الظلامية المغلقة على اوهامها وتأويلاتها وحكمها واوامرها المتناقضة، بالمجمل، مع ابجديات البقاء الادمي وتحسين احواله على الارض. لا يزال الحداد… المفكر الريادي. الشاعر. المناضل. المصلح الاجتماعي. والحالم الكبير. لا يزال ضحية لعسف تلك المنظومة الدينية العنيفة. ضحية فهمها البدائي للمقدس وعجزها البدائي عن استيعاب الفارق الجلي بين حاجات السماء وضرورات العيش الارضي. وها هي ذكرى الحداد تمر اليوم، كما تمر عادة، بلا اثر او ضجيج. بلا اشارة هنا أو هناك. فلا مكان، في هذا العالم العربي المظلم، لذلك المفكر الاستثنائي الجريء. لا مكان للطاهر الحداد. المكان هو الان، كما الامس، رهينة حزينة في قبضة هؤلاء: سادة المنظومة الظلامية: حراس الارض وقبلها السماء.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية