د. علي محمد فخرومن حقًّ مجلس التعاون الخليجي أن يفخر بقدرته على البقاء طيلة ثلث قرن وأن يعتزٍّ بالعديد من منجزاته. لكن ذلك لا يمنع ضرورة إلقاء الضوء، بموضوعية وبحرص على مسيرته المستقبلية، على بعض إشكالاته التي تحتاج لتحليل ونقد.هناك أولاً إشكالية منهجية تتمثَّل في البطء الشديد في مسيرته.إن هذا البطء ينمً عن ضعف في الوعي بأهمية عامل الزمن بالنسبة لحقبة البترول والغاز التي تعيشها دول المجلس، لكأنً قادة الدول الأعضاء غير مدركين بأن تلك الحقبة ستكون عابرة وأن الثروة الهائلة التي يولٍّدها البترول والغاز هي فرصة تاريخية لن تتكرَّر ويجب أن تستعمل لتحقيق إنجازات تنموية كبيرة.فقدان عامل الإحساس بعامل الزمن تجلَّى بشكل واضح في موضوع الوحدة الجمركية التي حتى بعد مرور ثلاثين سنة على البدء بتنفيذها نقرأ تصريحاً لأحد مسؤولي أمانة المجلس بأن الإتحاد الجمركي لن يكتمل قبل عام2015. الأمر نفسه ينطبق على مواضيع السوق الخليجية المشتركة والعملة الموحدة والنظام الدفاعي الواحد وغيرها.هناك ثانياً إشكالية إبقاء رؤساء الوزارات خارج هيكلية عمل المجلس. فبينما يشارك رؤساء الدول من خلال اجتماعات القمم الدورية ويتخذون القرارات إلاً إن تلك القرارات تحال إلى مجلس وزراء الخارجية لمتابعة تنفيذها. من هنا وجود تباطؤ وضعف في التنفيذ إذ أن وزراء الخارجية ليس لهم سلطان على مختلف الوزارات. ولو أن القيادات العليا كانت جادة في سرعة ودقًّة التنفيذ لخلقت مجلس رؤساء وزارات ليكون أداة تنفيذ لقرارات مؤتمرات القادمة، إذ أن رؤساء الوزارات لهم سلطان على كل الوزارات وعلى كل مؤسسات الحكومات الرسمية.هناك ثالثاً إشكالية الهوس بتحقيق التعاون والتكامل في حقلي الاقتصاد والأمن بدلاً من الإتفاق على خطة استراتيجية تنموية شاملة كل الحقول. من هنا تبدو الأولويات والقرارات مجزَّأة وخاضعة لإنفعالات وقتيَّة تجاه أهداف أو أحداث طارئة. من هنا أيضاً التهميش المفجع للجوانب السياسية في مسيرة المجلس. وهذه هي الإشكالية الرابعة.فلو أهتمَّ المجلس بالجوانب السياسية منذ بداية إنشائه لأصبح لدى المجلس سياسة خارجية موحَّدة ولما رأينا الإختلافات الكبيرة، بل وأحياناً المتناقضة والمتصارعة، حول علاقات المجلس بمحيطه العربي والإقليمي والعالمي. ويكفي ذكر إختلاف التعامل مع الكيان الصهيوني، ومع ثورات وحراكات الربيع العربي والثورات المضادًّه، ومع نفوذ وتدخٌّلات وإملاءات الامبريالية الأميركية، ومع الفتنة المذهبية الطائفية في أرض العرب بما فيها الخليج العربي، حتى ندرك فداحة عدم الإتفاق على أسس مشتركة للسياسة الخارجية.لكن الإشكالية السياسية الأفدح هي في عدم مواجهة الإتفاق على أسس مشتركة أو على الأقل متقاربة للعلاقة بين أنظمة الحكم وشعوبها. لو أن الوعي السياسي عند المسؤولين الكبار كان عميقاً بما فيه الكفاية وكان مدركاً لروح العصر الذي نعيشه لأدركوا أن كياناً ينشد أن يكون سياسياً ـ اقتصادياً – اجتماعياً ـ ثقافياً، كما ينصًّ عليه نظام تأسيس مجلس التعاون الخليجي، لا يمكن أن يكون مستقراً وقادراً على الإنتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة الوحدة، بينما فيه تناقضات هائلة في الحياة السياسية الداخلية. أذ كيف يتعايش جزء قائم على دستور حديث عقدي يحتوي على كثير من المبادئ الديموقراطية وحقوق الإنسان وفيه سلطة تشريعية منتخبة انتخاباً حراً ولها سلطات تشريعية ورقابية غير مقيدَّة، كيف يتعايش مع جزء ليس فيه دستور أو فيه دستور غير عقدي ومقرًّ من خلال استفتاء شعبي، وليس فيه برلمان منتخب بصلاحيات كاملة، وبالتالي لم يقترب حتى من أبجديات الديموقراطية المتواضعة.من هنا فان الحديث عن وحدة تلك الدول يحتاج أن يسبقه حديث عن ضمانات بأن لا تكون الوحدة، وهي منشودة ومقدًّسة من قبل الشعوب، على حساب أيٍّ مكتسبات حقوقية أو ديموقراطية في هذا المجتمع أو ذاك.وهناك خامساً إشكالية هوية مجتمعات مجلس التعاون ونعني بها إشكالية التركيبة السكانية في دول المجلس. إن نسبة العمالة الأجنبية تتراوح بين ثلاثين في المائة في عمان إلى تسعين في المائة في الإمارات. ولو كانت غالبية تلك العمالة من الأقطار العربية لما كانت هناك إشكالية. لكنها من دول غير عربية وقسم كبير منها غير إسلامية.ومع أن الكثير قد كتب وقيل عن الأخطار السياسية والثقافية الكامنة في هذه التركيبة السكانية المقلوبة والحاملة لأخطار مستقبلية هائلة على جميع دول المجلس وبالأخص على هوية مجتمعاته، إن لم تكن على الوجود العربي في هذا الجزء من الوطن العربي، إلاً أن المجلس لم يتعامل مع هذا الموضوع بالجديُة المطلوبة وبالسرعة الضرورية وبالشعور بالمسؤولية القومية. لقد سمح للجوانب الإقتصادية النفعية المؤقتة وللهلوسات الأمنيًّة غير المبرًّرة أن تعلو على الجوانب القومية ومتطلبات المحافظة على الهوية العروبية.ما لم يتوجَّة فكر وتتوجًّه ممارسات هذا المجلس للحقيقة الأساسية وهي أن هذا المجلس ليس فقط همًّاَ من هموم الأنظمة السياسية الحاكمة وإنما هو في قلب هموم شعوب دول المجلس، فان الإشكاليات التي ذكرنا، وغيرها كثير، ستبقى دون حلً وستضيع فرصة تاريحية نعيشها الآن، ولن تعود.