د. يوسف نور عوضشغل العالم العربي في الأسابيع الماضية باستفتاء الدستور الذي جرى في مصر، وكان سر الاهتمام يتركز حول معرفة ما سيتمخض عنه النظام السياسي في البلاد العربية بعد ثورات الربيع العربي. أما في مصر فلم يكن هناك حوار حول هذا الدستور أو ما سيتمخض عنه بل تركز الأمر على تيارين، أحدهما رافض لفكرة الدستور من حيث هي مدعومة من قبل الأغلبية الإسلامية، وتيار يمثل السواد الأعظم من الشعب المصري الذي توجه نحو التصويت اعتقادا منه أن الدستور سوف يحل المشكلات التي يواجهها المواطنون في حياتهم دون التفكير في طبيعة النظام الذي يدعم هذا الدستور، ولا يبدو في ضوء هذا الواقع أن العالم العربي سيصل إلى نتيجة حاسمة في مسألة التغيير، ذلك أن التجربة السياسية العربية الحديثة لم تنفتح على مفاهيم الديموقراطية الحقيقية ولم تفكر في طبيعة النظم السياسية والاجتماعية القائمة في عالم اليوم.ويرجع السبب في ذلك إلى أن العالم العربي الذي يعيش ظروفا وثقافة تقليدية لم ينفتح على تجربة العالم الغربي بشكل كاف، وذلك بسبب القطيعة التي ظلت قائمة بين الثقافة العربية والثقافة الغربية والنظر إلى كل ما يأتي من الغرب على أنه يمثل ثقافة دونية لا يحتاج إليها العالم العربي، وفي ضوء هذا الواقع يندر أن نجد تفكيرا موضوعيا حول مفهوم الديموقراطية التي تتركز عند الكثيرين في عملية انتخاب قد تأتي بسلطات دكتاتورية أو طائفية أو عرقية، وفي ضوء ذلك قد لا نجد صعوبة في تحليل هذا الواقع العربي عند النظر في كتابات الغربيين الذين يظهرون اهتماما كبيرا بهذا الواقع في هذه المرحلة.وهنا نتوقف عند المقالة القيمة التي كتبها ‘جيرالد بت’ بعنوان هل يريد العرب يقظة جديدة من أجل تحقيق ديموقراطية حقيقية؟ يقول ‘بت’ في مقالته إن التوجه نحو الحل الديموقراطي في العالم العربي سببه الرغبة في التخلص من قيود الماضي التي يلخصها في أن العرب ظلوا فترة طويلة تحت حكم استعماري لم يكونوا يملكون فيه شيئا من أمرهم وجاء هذا الحكم بعد قرون من الحكم العثماني الذي جثم فوق صدور العرب زمنا طويلا، وعلى الرغم من الثورات العربية التي رفعت شعارات الديموقراطية يتشكك ‘بت’ في أن تتحقق هذه الديموقراطية في هذه المنطقة من العالم، ذلك أن معظم العرب من وجهة نظره يتوجهون نحو الممارسة الديموقراطية من خلال منطلقات دينية أو عرقية أو طائفية وذلك ما يضيق مجال الاختيار الديموقراطي من وجهة نظره، ويذهب ‘بت’ إلى أن فوز التيارات الإسلامية في التجربة المصرية قد حدد نموذجا يصعب الخروج من تحت عباءته، ويقول إن الديموقراطية العربية لم تثبت حتى الآن أنها قادرة على تأسيس حكم يحقق المعايير المعروفة في الديموقراطيات الغربية، ويبدو ذلك واضحا في التجربتين اللبنانية والعراقية، ولن تكون التجربة المصرية الحديثة من وجهة نظره مختلفة كثيرا، وهو ما قد يثير صراعا مع المجموعة القبطية في داخل مصر، وهي المجموعة التي بدأت تفقد الثقة في أن الديموقراطية الحديثة سوف تحقق لها ما تريد. وذلك ما جعل الأقباط يفكرون جديا في إنشاء أحزاب خاصة بهم ما قد يعمق الصراع على أسس دينية في مصر؟ويبدو في ضوء هذا الواقع أن التوجه الديني سوف يكون أساسيا في النظام السياسي المصري، ذلك أن كثيرا من الناس بحسب رأي ‘بت’ قد فقدوا الثقة في الأحزاب العلمانية من خلال ممارساتها القديمة، وهو يرى أن بالإمكان إنشاء أحزاب جديدة على أسس إسلامية تتبنى المفاهيم الاقتصادية والاجتماعية الحديثة التي ستكون مقبولة لدى مجموعة المصوتين في الانتخابات العامة، وهو يرى في إطار هذا الواقع أن الليبراليين والعلمانيين لن يشعروا بالارتياح. ويبدو في ضوء ما ذهب إليه ‘بت’ أن العقبتين اللتين توجهان الديموقراطية في العالم العربي هما الولاءات العرقية من جهة والطائفية والدينية من جهة أخرى، بيد أن السؤال الذي بدأ يثير اهتمام كثير من المفكرين غير التقليديين في العالم العربي هو، هل يقف التفكير الإسلامي عقبة أمام تحقيق الديموقراطية؟الإجابة على هذا السؤال تتخذ منحى واقعيا عند ‘خالد عمايره ‘الذي يرى أن تحقيق ديموقراطية غير إسلامية هو توجه غير ممكن في العالم العربي، ويقول ‘عمايره’ إن القلق من الإسلام هو قلق غربي ولا يخص المجتمعات المسلمة، ذلك أن الغربيين لا يريدون أن تتمخض الثورات العربية عن نظم إسلامية تحاول أن تصالح مفهومات حقوق الإنسان والحريات العامة مع القيم الإسلامية. ويدل هذا التفكير من وجهة نظره على جهل بحقيقة الإسلام، وهو جهل تعمقه في العالم الغربي بعض التيارات الصهيونية التي تصور الإسلام للغربيين على أنه يهدف إلى إقامة نظم دكتاتورية تتعارض مع القيم الديموقراطية . وتبدو النقطة الجوهرية عند ‘عمايره’ هي أن الإسلام هو جوهر الروح والحياة العربية وبالتالي فإن دعوة العرب للتخلي عنه من أجل تبني مفهومات غربية هو من المستحيلات، ولا شك أن هذه نقطة جوهرية عند ‘عمايره ‘، ذلك أن الإسلام لا يقاس بغيره من المعتقدات بسبب كونه أصبح مكونا أساسيا من مكونات الحياة العربية، وبالتالي فإن أي قيم جديدة تدخل إلى العالم العربي يجب أن تتصالح مع الإسلام من أجل أن تصبح صالحة للعيش في الحياة العربية، وهنا يتجلى سؤال مهم وهو هل من الضروري من أجل أن يتبنى العالم العربي القيم الديموقراطية أن يتخلى عن قيمه الراسخة؟ الإجابة بكل تأكيد لا، لأن الأمم التي تتبنى الديموقراطية في عالمنا لم تتخل عن قيمها الراسخة، بكون الديموقراطية تعمل في مجال لا يشترط فيه التخلي عن المعتقدات الدينية أو غيرها، ولكن ذلك لا يعني أن نغض الطرف عن القواعد الأساسية لإقامة النظام الديموقراطي، ذلك أن النظام الديموقراطي يتطلب بعض القيم الأساسية التي لا يمكن أن يقوم بدونها، بكون الديموقراطية لا تقتصر فقط على النظام الانتخابي، لأن الانتخاب قد يأتي بالدكتاتور، ونحن نرى في عالم اليوم أن كثيرا من النظم الدكتاتورية تحاول أن تؤسس لشرعيتها بالانتخابات، كما أن الانتخابات قد تأتي بالتيارات العرقية أو الطائفية أو نحوها، وقد يبدو ذلك طبيعيا خلال عملية انتخاب حرة، ولكن غير الطبيعي هو أن يتم ذلك كله في إطار نظام غير ديموقراطي أي أن يتم خارج مؤسسة الدولة الصحيحة، إذ لا معنى لأن يتحدث إنسان عن الديموقراطية أو الدستور خارج نظام الدولة، والفرق بين نظام الدولة ونظام السلطة، هو أنه في إطار نظام الدولة يعمل الجميع من أجل دعم المؤسسات التي تخدم مصالح الناس، أما في إطار نظام السلطة فإن الناس يساعدون بعض الأفراد على التحكم في مقدرات النظام استنادا إلى أسس طائفية أو عرقية أو قبلية.’ كاتب من السودان